عندما تخاف شركات التأمين من الذكاء الاصطناعى.. ولادة اقتصاد جديد للمخاطر - قضايا تكنولوجية - بوابة الشروق
الأحد 7 يونيو 2026 8:52 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما توقعاتك لـ مصير منتخب مصر في كأس العالم 2026؟

عندما تخاف شركات التأمين من الذكاء الاصطناعى.. ولادة اقتصاد جديد للمخاطر

نشر فى : الأحد 7 يونيو 2026 - 7:35 م | آخر تحديث : الأحد 7 يونيو 2026 - 7:35 م

فى السنوات الأخيرة، شهد العالم تحولًا جذريًا فى طريقة عمل المؤسسات والشركات نتيجة التقدم المتسارع فى تقنيات الذكاء الاصطناعى، ولا سيما الذكاء الاصطناعى التوليدى. فقد انتقلت هذه التقنيات خلال فترة زمنية قصيرة من كونها أدوات تجريبية أو تطبيقات محدودة الاستخدام إلى مكونات أساسية فى عمليات الأعمال واتخاذ القرار داخل المؤسسات. وقد اندفعت الشركات فى مختلف القطاعات نحو تبنى هذه التقنيات بوتيرة غير مسبوقة، مدفوعة بالرغبة فى رفع الإنتاجية، وخفض التكاليف التشغيلية، وتحسين جودة الخدمات، وتسريع عمليات التحليل واتخاذ القرار.

• • •

غير أن هذا التسارع اللافت فى تبنى الذكاء الاصطناعى كشف عن تحديات جديدة لم تكن حاضرة بالوضوح نفسه قبل سنوات قليلة. فبينما ركزت معظم النقاشات فى البداية على القدرات التقنية لهذه الأنظمة وإمكاناتها الاقتصادية، بدأت الأنظار تتجه اليوم نحو قضية أكثر تعقيدًا تتمثل فى المسئولية القانونية والاقتصادية الناتجة عن استخدام الذكاء الاصطناعى داخل المؤسسات. فالسؤال لم يعد يتعلق بما يستطيع الذكاء الاصطناعى القيام به، بل بمن يتحمل المسئولية عندما يخطئ، أو يتسبب بضرر، أو يتخذ قرارًا يؤدى إلى نتائج قانونية أو مالية غير متوقعة.

وصلت هذه الإشكالية اليوم إلى قطاع التأمين الأمريكى، الذى يُعد من أكثر القطاعات حساسية تجاه المخاطر المستقبلية. فشركات التأمين تعتمد فى جوهر عملها على تقييم المخاطر وتسعيرها وإدارتها، ولذلك غالبًا ما تكون من أوائل الجهات التى تلتقط التحولات الكبرى فى البيئة الاقتصادية والتكنولوجية. ومع تزايد النزاعات القانونية المرتبطة باستخدام الذكاء الاصطناعى، بدأت شركات تأمين كبرى بإعادة النظر فى طبيعة التغطيات التى تقدمها للمؤسسات التى تعتمد على هذه التقنيات.

ووفقًا لتقارير متخصصة، ارتفعت الدعاوى القضائية المتعلقة بالذكاء الاصطناعى التوليدى فى الولايات المتحدة بنسبة تقارب 978% بين عامى 2021 و2025، وهو رقم يعكس حجم التحول الذى يشهده هذا المجال. وقد دفع ذلك شركات تأمين كبرى مثل Berkshire Hathaway وChubb وTravelers إلى طلب استثناء الأضرار المرتبطة بالذكاء الاصطناعى من بعض وثائق التأمين التجارية التقليدية.

ولا يعنى هذا التوجه أن شركات التأمين أصبحت معارضة للذكاء الاصطناعى أو متشائمة بشأن مستقبله، بل إنه يعكس إدراكًا متزايدًا لطبيعة المخاطر الجديدة التى يفرضها استخدام هذه الأنظمة. فالسوق بدأت تتعامل مع الذكاء الاصطناعى باعتباره أكثر من مجرد أداة تقنية مساعدة؛ إذ أصبح فى كثير من الحالات طرفًا مؤثرًا فى عملية اتخاذ القرار داخل المؤسسات، وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية.

• • •

فعندما يرتكب موظف داخل شركة خطأً مهنيًا أو إداريًا، يمكن عادة تحديد المسئولية القانونية بصورة واضحة، سواء كانت على الفرد أو المؤسسة. أما عندما يصدر القرار عن نموذج ذكاء اصطناعى يعتمد على بيانات معقدة وخوارزميات يصعب تفسيرها بشكل كامل، فإن تحديد المسئولية يصبح أكثر تعقيدًا. من يتحمل الضرر فى هذه الحالة؟ هل هى المؤسسة التى استخدمت النظام؟ أم الشركة المطورة للنموذج؟ أم مزود الخدمة التقنية؟ أم أن المسئولية موزعة بين أطراف متعددة؟

هذه الأسئلة لم تعد افتراضية أو أكاديمية فحسب، بل أصبحت مرتبطة بقضايا واقعية تشهدها المحاكم والهيئات التنظيمية. وتشمل هذه القضايا التمييز فى عمليات التوظيف، وانتهاك حقوق الملكية الفكرية، وتسريب البيانات الحساسة، إضافة إلى اتخاذ قرارات مالية أو إدارية خاطئة استنادًا إلى مخرجات خوارزمية غير مفهومة بالكامل حتى من قبل بعض مطوريها.

وتشير تقارير قانونية متخصصة إلى أن استخدام الذكاء الاصطناعى فى الموارد البشرية قد يعرّض المؤسسات لدعاوى تتعلق بالتمييز والتحيز الخوارزمى، خصوصًا عندما يتم تدريب النماذج على بيانات تاريخية غير متوازنة أو تحمل أنماطًا من التحيز المتراكم عبر الزمن. وفى مثل هذه الحالات، قد تقوم الأنظمة بإعادة إنتاج التحيزات الموجودة فى البيانات دون قصد، ما يخلق مخاطر قانونية وأخلاقية كبيرة للمؤسسات التى تعتمد عليها.

كما حذرت دراسات قانونية حديثة من التوسع غير المنظم فى استخدام الذكاء الاصطناعى التوليدى بسبب التحديات المرتبطة بحقوق النشر والملكية الفكرية وحماية الخصوصية والمساءلة القانونية. وتزداد هذه المخاوف مع توسع استخدام النماذج التوليدية فى إنتاج المحتوى وتحليل البيانات واتخاذ التوصيات التى قد تؤثر بشكل مباشر فى الأفراد والأسواق.

وإذا نظرنا إلى التطور التاريخى للتكنولوجيا، نجد أن ما يحدث اليوم يشبه إلى حد كبير ما حدث مع الإنترنت خلال التسعينيات. ففى تلك المرحلة بدأت شركات التأمين باستثناء المخاطر الإلكترونية من وثائق التأمين التقليدية بسبب صعوبة تقييمها، قبل أن يؤدى ذلك لاحقًا إلى ظهور قطاع جديد بالكامل يُعرف اليوم بالتأمين السيبرانى، والذى أصبح صناعة قائمة بذاتها تقدر بمليارات الدولارات.

ومن المرجح أن يتكرر السيناريو ذاته مع الذكاء الاصطناعى. فنحن أمام ولادة سوق جديدة يمكن وصفها بـ«اقتصاد مخاطر الذكاء الاصطناعى»، وهو سوق يتوقع أن يشمل خدمات متخصصة فى التأمين على المخاطر المرتبطة بالذكاء الاصطناعى، وتدقيق الخوارزميات، وتقييم الامتثال التنظيمى، وقياس مستويات الشفافية والموثوقية داخل الأنظمة الذكية.

• • •

قد بدأت بالفعل بعض الشركات الناشئة بالدخول إلى هذا المجال، حيث تسعى إلى تقديم وثائق تأمين متخصصة تغطى الأضرار الناتجة عن استخدام الذكاء الاصطناعى، فى محاولة لتحويل التحديات الحالية إلى فرص اقتصادية جديدة.

لكن القضية فى جوهرها لا تتعلق بالتأمين فقط، بل بطريقة إدارة المؤسسات للتحول الرقمى بشكل عام. فالمشكلة الأعمق تكمن فى أن العديد من المؤسسات تبنت الذكاء الاصطناعى بوتيرة أسرع من قدرتها على فهم مخاطره أو بناء الأطر التنظيمية اللازمة لإدارته. واليوم تستخدم بعض المؤسسات أنظمة ذكاء اصطناعى فى التوظيف والتسعير وخدمة العملاء وتحليل المخاطر واتخاذ التوصيات الاستراتيجية، دون وجود سياسات حوكمة واضحة أو آليات مراجعة بشرية فعالة.

وبذلك يصبح الذكاء الاصطناعى أشبه بـ«موظف غير مرئى» داخل المؤسسة، يشارك فى اتخاذ قرارات مؤثرة من دون إطار قانونى وتنظيمى ناضج يحدد حدود صلاحياته وآليات مساءلته.

لذلك فإن المرحلة المقبلة لن تكون مجرد سباق نحو تبنى الذكاء الاصطناعى، بل سباقًا نحو بناء أنظمة حوكمة وتشريعات وممارسات مؤسسية قادرة على ضمان استخدامه بصورة مسئولة وآمنة. فالقيمة الحقيقية لن تتحقق من خلال الاستخدام المكثف للتقنية وحده، بل من خلال القدرة على إدارتها ضمن إطار متوازن يجمع بين الابتكار والامتثال والشفافية.

• • •

فى هذا السياق، فإن الدول والمؤسسات التى ستنجح فى المستقبل ليست بالضرورة تلك التى تستخدم الذكاء الاصطناعى أكثر من غيرها، بل تلك التى تستطيع بناء توازن مستدام بين الابتكار التقنى، والحماية القانونية، والرقابة الأخلاقية، وإدارة المخاطر. فالذكاء الاصطناعى لم يعد مجرد قضية تقنية، بل أصبح قضية اقتصادية وقانونية وسيادية ستؤثر بصورة مباشرة فى تنافسية المؤسسات واقتصادات الدول خلال السنوات المقبلة.

جاك جندوى

جريدة النهار العربى

 

قضايا تكنولوجية قضايا تكنولوجية
التعليقات