د- جبريل يوسف.. شهيد الطب والحكمة - ناجح إبراهيم - بوابة الشروق
الأحد 5 يوليه 2020 5:45 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

د- جبريل يوسف.. شهيد الطب والحكمة

نشر فى : الجمعة 10 أبريل 2020 - 9:50 م | آخر تحديث : الجمعة 10 أبريل 2020 - 9:50 م

وقف آلاف المرضى بفخر وسعادة أمام رخامة عتيقة معلقة على بيت قديم كتب عليها: «دكتور جبريل على يوسف» حكيم عيون، كانت هذه اللافتة تهز وجدان كل من تعامل أو عرف أو سمع بهذا الطبيب العظيم.
صدقت اللافتة فقد كان حكيما بحق ليس فى العيون وحدها ولكن فى الدين والطب والحياة والإنسانية، تستشعر الطمأنينة والبركة منذ قراءتك لليافطة وحتى الدخول لساحة الانتظار الواسعة، أما الموقف الذى لن تنساه أبدأ فهو حينما يلقاك هذا الطبيب العظيم أو تصبك نفحة من نفحاته أو بركة من بركاته أو علما من فيض علمه أو تجرى لديه جراحة.
كانت المرأة تعطيه سبعة جنيهات بعد إجرائها جراحة تتكلف ستين جنيها فيقبلها شاكرا سعيدا، ويأتيه المريض قائلا: «لا أملك شيئا فيفحصه مثل الأغنياء تماما، ويعطيه ما عنده من علاج، وقد يدس له فى جيبه بعض المال».
عشرات المرضى يكشفون يوميا مجانا لديه دون حرج، وعشرات الجراحات شهريا مجانا دون من ولا أذى للمريض أو أهله.
جاءه يوما والد الكاتب والصحفى الشهير مصطفى بكرى لإجراء جراحة فى عينه طلب منهم عشرين جنيها فقط ولما نظر فى حالهم أعطاها لمصطفى وكان وقتها فى الإعدادية وشجعه على استكمال دراسته، مع أن الطبيب فى قنا طلب 500 على هذه الجراحة وكان أقل مهارة من د/جبريل.
أثناء حرب أكتوبر وحصار إسرائيل للسويس كان أول المتبرعين للمجهود الحربى بالمال وأول المتبرعين بدمه لجرحى معركة الأدبية، ووقتها تم جمع مائة زجاجة دم.
كان سعر الكشف فى عيادته جنيها واحدا فى الوقت الذى كان أمثاله ممن أقل منه كفاءة أجرهم 50 جنيها، آخر كشف لديه كان عشرة جنيهات فقط مع أن أمثاله وصلوا إلى مائتى جنيه.
ساهم بأكبر تبرع لبناء المعهد الدينى بدندرة، وهو الذى بنى معهد أرمنت الدينى، وعندما شرعوا فى بناء مسجد الرحمن أكبر مساجد أرمنت طلب منه التبرع له فكان يعطيهم دخل العيادة كله، ويفرغه مع مساعده أمامهم، ويقول: سأعيش بمرتبى فقط مع أن المرتب كان وما زال لا يغنى عن الطبيب وأسرته شيئا.
فى كل ليلة جمعة وقبل أذان الفجر وأهل أرمنت غارقون فى أحلامهم يذهب إلى مسجد أرمنت العتيق ويتوجه إلى دورة المياه لينظفها ويجعلها لامعة، فهذه مهمته التى لم ينقطع صيفا أو شتاء عنها إلا بعد مرضه، ثم يعود إلى بيته فيغتسل ويلبس بدلته الأنيقة، فمن المعروف أن أطباء الرمد فى مصر كلها أكثر الناس اهتماما بمظهرهم حتى لو كان بسيطا وبنظافة مستشفياتهم، وقد رأيت ذلك فى كل مستشفيات وأقسام الرمد وكأنهم توارثوها كابرا عن كابر.
ولد د/جبريل فى طنطا وتخرج من الدفعات الأولى فى طب عين شمس العريقة، حصل على الدراسات العليا فى طب العيون، ثم ذهب إلى فرنسا فى دورة علمية وكان الأول على طلابها.
عين فى أرمنت فى أقاصى الصعيد فى منتصف الخمسينيات فعشق هذه البلاد الطيبة وأهلها وعشقته ولم يبارحها حتى وفاته، أعطاهم كل شىء فوهبوه حبهم وعشقهم وتغنوا بعطائه، وكان بعضهم يسميه القديس وآخرون يطلقون عليه لقب الحاج أو الشيخ «جبريل» وعوامهم ينطقها «جبرين».
كان أسطورة فى علاج المرضى وله كاريزما فى البذل يعرفها كل أبناء قنا وأسوان والبحر الأحمر، كان أمهر طبيب عيون فى عصره فى الجنوب كله.
ذهب إلى أرمنت فوجد مستشفى الرمد عبارة عن خيمة يحيطها سور من البوص فتبرع بفدان كامل من ماله الخاص بنى عليه مستشفى حديث للرمد يتبع وزارة الصحة.
ذهب إلى أرمنت كأول إخصائى عيون يمارس الطب الحديث فأنقذ هذه البلاد وما حولها من دوامة الخرافات والجهل والشعوذة التى كانت تمارس فى طب العيون خاصة وفى الطب عامة.
فقد كان علاج العيون بالششم والبصل ولبن الأمهات فضلا عن خرافة «أبو جليجل راكب الساعة وعيونه سود لماعة» ويغنون ويتسولون الناس على حساب المريض.
د/جبريل هو أول من أنقذ عشرات القرى حول أرمنت وقنا من هذه الخرافات وأظهر براعة طبية نادرة فضلا عن صلاحه وزهده الفريد الذى جعل المرضى يتوافدون عليه من كل حدب وصوب، كان يجرى جراحاته دائما مبكرا وهو يسمع القرآن الكريم.
سمعت عنه فى شبابى فشددت الرحال إليه لرؤية هذا النموذج الطبى الفذ وزرته فى بيته وكان عبارة عن شقة عادية، كان تلاميذ تلاميذه يملكون سيارة وفيلا، لامته زوجته كثيرا على أنه لم يدخر لأسرته وأولاده شيئا، ولم يشتر لهم سيارة أو يبنى لهم فيلا أو بيتا مستقلا.
كم رددت على مسامعه: كيف تتركنا نعيش فى هذه الشقة الضيقة البسيطة، لما كثر لومها وتقريعها له، فقال لها يوما: أريد أن تأتى معى لتشاهدى منزلنا الجميل الرائع، سعدت واستبشرت وذهبت معه، فإذا به يقودها إلى المقابر، ويشير إليها: هذه هى منازلنا الحقيقية، وعلينا أن نستعد لها: بكت كثيرا ويأست منه، وأدركت أنه ليس من أهل الدنيا بل هو من أهل الله والآخرة.
كان الأطباء من كل التخصصات يقصدونه للتعلم منه والتآسى به والتبرك به وشحن بطارية عزائمهم فى الخير، وكما قصدته فى شبابى وتعلمت منه الكثير قصده كثيرون منهم أ.د/ الأحمدى السمان، أستاذ العيون بطب سوهاج، والذى سمع عنه من أستاذه الكريم صاحب عزمات الخير أيضا أ.د/ إسماعيل موسى، كان الأخير أسطورة فى صنع الخير ورغم ذلك كان لا يرى نفسه شيئا بالنسبة للدكتور جبريل، وكان يصفه «رجل الخير الذى لا يضاهيه أحد فهو يعالج المرضى الفقراء بدون مقابل ويغيث الملهوف ويطعم الجائع ويئوى عابر السبيل ومن ضاقت به الحيل».
كل ذلك جعل د/ الأحمدى يقصد زيارة هذا القطب وكان وقتها مدرسا مساعدا، سافر إليه فما سأل عنه أحد فى الطريق إلا عرفه وأثنى عليه، بمجرد علمه بوجود زميل له بالخارج حتى خرج إليه يتلقاه بالأحضان والترحاب دون سابق معرفة ورغم فارق السن والشهرة البعيدة بينهما.
ذهل د/ الأحمدى وهو يرى هذا القطب العظيم يقوم مرارا لاحتضانه والترحيب به وكأنه يعرفه من زمن بعيد.
فى لحظات جاءت العصائر الباردة مع الفاكهة، قبل مغادرة د/ الأحمدى أوصاه د/ جبريل بقوله: لا أوصيك بالمرضى فقط، ولكن أوصيك بزملائك أطباء العيون وكل الأطباء، فلا شىء فى الحياة يعدل احترامنا لبعضنا البعض، وقص عليه قصة مريض مزق أمامه روشتة طبيب عيون آخر فما كان من د/ جبريل إلا أن غضب قائلا للمريض: طالما لم تحترم زميلى فلن تحترمنى، مما جعل المريض وأسرته يعتذرون بشدة، كما أوصاه بمندوبى الدعاية قائلا: لا تجعلهم ينتظرونك بالخارج فهم زملاء، ولهم حقوق علينا.
أصابت الكورونا د/ جبريل منذ أسبوعين، وكأن القدر أراد أن ينزله منزلة الشهداء وهو فى هذه السن المتقدمة، فجاءته الكورونا، فتم عزله فى مستشفى العزل بإسنا فى آخر حياته، ثم أصبحت تحاليله سلبية، وخرج من العزل، ولكنه فارق الحياة فى بيته بعدها مباشرة.. تحية للدكتور جبريل ذلك النموذج الفذ الذى ينبغى على كل الأطباء أن يقلدوه ويسلكوا دربه ليستحقوا رسالة الأحياء التى حباهم الله بها تحية لصانعى المعروف فى كل زمان وخالص العزاء لأسرة الطب والدكتور جبريل.

التعليقات