دروس التاريخ.. حدود القوة الأمريكية وحدود منازعتها - عمرو حمزاوي - بوابة الشروق
السبت 13 يوليه 2024 3:01 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد دعوات مقاطعة بعض المطاعم التي ثبت دعمها لجنود الاحتلال؟

دروس التاريخ.. حدود القوة الأمريكية وحدود منازعتها

نشر فى : الجمعة 10 مايو 2024 - 7:55 م | آخر تحديث : الجمعة 10 مايو 2024 - 7:55 م

فى الذاكرة الجماعية لشعوب الشرق الأوسط، حدد التنافس بين القوى العظمى على مواقع الثروة والتجارة والطاقة والوجود العسكرى مصائر المنطقة فى لحظات تحولاتها الكبرى.

فى القرن العشرين، وفى أعقاب هزيمة الإمبراطورية العثمانية فى الحرب العالمية الأولى (١٩١٤-١٩١٨)، كان الصراع الاستعمارى بين بريطانيا وفرنسا هو الذى رسم الحدود بين دول المشرق العربى وأنشأ كيانا سمى بإمارة شرق الأردن وأوقع أرض فلسطين فى دوامات صراع لم يتوقف بعد. فى القرن العشرين أيضا، تدخلت القوى العظمى مرارا فى الحروب العربية - الإسرائيلية، حروب ١٩٤٨ و١٩٥٦ و١٩٦٧ و١٩٧٣ و١٩٨٢، واضطلعت بأدوار عسكرية وتفاوضية متنوعة وفقا لحسابات المصالح والتحالفات. فى القرن العشرين، ثالثا، لم توقع معاهدات سلام بين العرب وإسرائيل سوى بوساطة القوى العظمى. تصدرت الولايات المتحدة الأمريكية الصفوف بوساطتها بين مصر وإسرائيل التى أسفرت عن معاهدة السلام ١٩٧٩، وبدعوتها إلى مؤتمر مدريد للسلام فى الشرق الأوسط فى ١٩٩١، وبدورها الدبلوماسى فى إقرار اتفاقيات أوسلو بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية ١٩٩٣ واتفاقية وادى عربة بين الأردن وإسرائيل ١٩٩٤.

•  •  •

لم تغب القوى العظمى أيضا عن الصراعات الحدودية والإقليمية والحروب بالوكالة التى أشعلت الشرق الأوسط مرارا وتكرارا فى النصف الثانى من القرن العشرين وغيبت، شأنها شأن الحروب العربية - الإسرائيلية، كل مضامين الأمن عن شعوب كانت تتوق إلى التقدم والرخاء بعد التحرر من الاستعمار.

كانت ساحات الصراع على اليمن فى ستينيات القرن العشرين والحرب بالوكالة التى رتبتها بين مصر والسعودية ساحات حضرت بها القوى العظمى إما لتوريد السلاح، أو لحيك المؤامرات، أو لمساندة أطراف إقليمية على حساب أطراف أخرى، أو لكافة هذه الأهداف مجتمعة. وبالمثل لم تكن لا الولايات المتحدة وبريطانيا ولا الاتحاد السوفييتى ببعيدة عن الحرب الأهلية فى الأردن بين مؤسسات المملكة الهاشمية وبين حركات المقاومة الفلسطينية فى ١٩٧٠، وكذلك فرنسالم تكن بعيدة عن الصراعات الحدودية بين الجزائر والمغرب فى السبعينيات أو عن الحرب الدامية بين إيران والعراق ١٩٨٠-١٩٨٨.

وقد رتب الغزو العراقى للكويت فى ١٩٩٠، وما تلاه من حرب تحرير الكويت التى قادتها عالميا الولايات المتحدة وشاركت بها إقليميا السعودية ومصر وسوريا، عودة القواعد العسكرية للقوى العظمى إلى الشرق الأوسط بعد أن كانت قد فككت فى أعقاب حرب السويس ١٩٥٦ وبعد استقلال الجنوب والخليج العربيين فى السبعينيات. لم تعد القواعد البريطانية إلى المنطقة، بل جاءت الولايات المتحدة بجنودها وعتادها وصارت بين القوى العظمى صاحبة الوجود العسكرى الأكبر والأكثر تأثيرا. وحين تورطت واشنطن، فى أوج هيمنتها الانفرادية على السياسة العالمية ومع سطوة عقيدة الاغترار الأمريكى بتفوق القوة العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية التى صارت دون منازع (بعد انهيار الاتحاد السوفييتى ١٩٩١)، فى حرب فى القارة الأوروبية (حرب تفكيك يوغوسلافيا السابقة فى التسعينيات) وفى حرب ممتدة ضد الإرهاب فى أعقاب هجمات الحادى عشر من سبتمبر ٢٠٠١ وفى غزو كارثى لأفغانستان ٢٠٠١ ثم العراق ٢٠٠٣، كانت الولايات المتحدة بذلك تفتح على مصراعيها أبواب العالم، بعيدا عن الغرب، لصراعات وحروب جديدة وغياب للأمن والسلم جعل الكثير من الشعوب والدول يترحم على عقود الحرب الباردة التى تواجدت بها قوى عظمى أخرى واجهت هنا وهناك اندفاعات ومغامرات الأمريكيين.

فى الشرق الأوسط، أنهكت التدخلات الأمريكية شعوب المنطقة، واستنزفت موارد وطاقات واشنطن التى دفعت أثمانا باهظة لغزوها لأفغانستان والعراق، ولامتداد وجودها العسكرى بين الخليج والمحيط، ولمناوءة بعض القوى الإقليمية (إيران) والفاعلين دون مستوى الدول الوطنية (حزب الله) لمصالحها، بل ومكنت روسيا التى كانت قد تراجعت جيو - استراتيجيا فى التسعينيات وكذلك الصين التى كانت علاقاتها تقتصر على الطاقة والتجارة من استغلال أزمات الولايات المتحدة للبحث عن مواطئ نفوذ ووجود وعن أدوار فى الأمن والدبلوماسية كانت بعيدة عنهما.

 •  •  •

اليوم، يدلل واقع الشرق الأوسط على تجاوزه لزمانية الانفرادية الأمريكية، وتلك لم تكن سوى لسنوات محدودة، وانغماسه الكامل فيما خص مصالح وسياسات وأدوار القوى العظمى فى زمانية تنافس وتكالب جديدة. فالأهمية الجيو-استراتيجية للمنطقة والمرتبطة بإنتاجها من الطاقة وموقعها على خطوط التجارة العالمية والمتعلقة أيضا بالمخاطر التى تصدرها للأمن والسلم العالميين طالما تواصلت صراعاتها وحروبها، الأهمية الجيو-استراتيجية هذه تدفع واشنطن وموسكو وبكين للبحث وبوسائل تجمع بين العسكرى والتجارى والدبلوماسى والأمنى عن مواقع للنفوذ والتأثير بين الخليج والمحيط تضمن مصالحها وترفع أسهمها فى سياق تنافسها العالمى. وبينما تتحرك الولايات المتحدة دوما لحماية أمن إسرائيل وصون قدر من الاستقرار الإقليمى، تركز الصين المعتمدة على إمدادات الطاقة القادمة من الشرق الأوسط على تأمين خطوط التجارة والحصول على أسواق جديدة لمنتجاتها ولتكنولوجيتها وتسعى روسيا للوقوف بجانب حليفتيها فى طهران ودمشق والنفاذ إلى بعض ساحات الصراع والحرب لتهديد المصالح الأمريكية (ليبيا والسودان كمثالين واضحين).

غير أن تصاعد دور الصين من جهة ومساعى النفاذ الروسية المتكررة من جهة أخرى، وكذلك ما يقابل الأمرين فى دوائر صناعة السياسة الخارجية الأمريكية من تواتر لحديث الانسحاب من الشرق الأوسط والتوجه نحو آسيا، كل هذا لا يعنى أن نفوذ واشنطن فى الشرق الأوسط صار على طريق الاختفاء أو أن تجربة الوساطة الصينية بين السعودية وإيران بشأن اليمن تصلح للاستنساخ فيما خص صراعات وحروب أخرى أو أن حضور السلاح الروسى فى ليبيا والسودان قادر على قلب معادلات الاحتراب الأهلى الدائر هناك. فحقائق القوة والسياسة فى منطقتنا، وكعادتها، أكثر تعقيدا من مثل تلك التبسيطات وبكثير.

 والشاهد أن حرب غزة، والدائرة رحاها منذ ٧ أكتوبر ٢٠٢٣ والتى تتجاوز كلفتها الإنسانية والمادية فى شهرها السابع كل حرب من الحروب العربية -الإسرائيلية السابقة على حدة، تعيد تذكيرنا جميعا بمن بين القوى العظمى يمتلك أدوات للفعل والتدخل والتأثير ومن يعجز عن تعبئة مثل تلك الأدوات ويجلس على مقاعد المتفرجين حتى حين تمس مصالحه على نحو مباشر.

 بينما تمتلك الولايات المتحدة من الأدوات العسكرية والدبلوماسية والأمنية ما يمكنها من امتناع البدايات عن الضغط على تل أبيب لإيقاف الحرب وما يدفعها اليوم إلى التصعيد التدريجى لضغوطها بغية الوصول إلى وقف لإطلاق النار، تعجز بكين عن إيجاد مساحات لدور دبلوماسى أو أمنى لها فيما خص الصراع بين إسرائيل وفلسطين وتراوح بين خانات اللافعل وخانات الاعتماد الكامل على الدور العسكرى الأمريكى لاحتواء تهديدات الحوثيين للملاحة فى البحر الأحمر والتى رفعت من كلفة الصادرات التجارية الصينية إلى أوروبا وإفريقيا. أما موسكو، فتنظر بعيدا عن مأساة غزة مكتفية بمبادرات وهمية تتعلق بالمصالحة الفلسطينية التى لن ينجزها سوى الفلسطينيين أنفسهم.

نعم تنافس الصين مثلها مثل روسيا الولايات المتحدة على النفوذ والتأثير فى الشرق الأوسط، ونعم ليست قوة واشنطن اليوم مثلما كانت قبل غزوها للعراق. غير أن المنافسة لا تعنى الصعود الخطى لأدوار بكين وموسكو فى كافة ساحات المنطقة، ولا تعنى أيضا انسحابا متسارعا للجانب الأمريكى الذى ما زالت قدراته العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية متفوقة على منافسيه. هى عمليات تاريخية طويلة الأمد ومتعددة السياقات التى تدور من حولنا، وعلينا تحليلها بهدوء والبحث عن سبل الاستفادة منها لحماية مصالح شعوب ودول المنطقة. 

عمرو حمزاوي أستاذ علوم سياسية، وباحث بجامعة ستانفورد. درس العلوم السياسية والدراسات التنموية في القاهرة، لاهاي، وبرلين، وحصل على درجة الدكتوراة في فلسفة العلوم السياسية من جامعة برلين في ألمانيا. بين عامي 2005 و2009 عمل كباحث أول لسياسات الشرق الأوسط في وقفية كارنيجي للسلام الدولي (واشنطن، الولايات المتحدة الأمريكية)، وشغل بين عامي 2009 و2010 منصب مدير الأبحاث في مركز الشرق الأوسط لوقفية كارنيجي ببيروت، لبنان. انضم إلى قسم السياسة العامة والإدارة في الجامعة الأميركية بالقاهرة في عام 2011 كأستاذ مساعد للسياسة العامة حيث ما زال يعمل إلى اليوم، كما أنه يعمل أيضا كأستاذ مساعد للعلوم السياسية في قسم العلوم السياسية، جامعة القاهرة. يكتب صحفيا وأكاديميا عن قضايا الديمقراطية في مصر والعالم العربي، ومن بينها ثنائيات الحرية-القمع ووضعية الحركات السياسية والمجتمع المدني وسياسات وتوجهات نظم الحكم.
التعليقات