شد الحزام - داليا شمس - بوابة الشروق
الخميس 18 أغسطس 2022 12:03 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

بعد سلسلة انتصارات الفارس الأبيض.. برأيك من بطل الدوري العام ؟

شد الحزام

نشر فى : السبت 11 يونيو 2022 - 9:20 م | آخر تحديث : السبت 11 يونيو 2022 - 9:20 م

صوَّت الأسطوانة يتردد فى الخلفية، وسيد درويش يغنى «شد الحزام على وسطك غيره ما يفيدك، لابد عن يوم برضه يعدلها سيدك، إن كان شيل الحمول على ضهرك بيكيدك، أهون عليك من مدة إيدك، ما تياللا بينا انت وياه، ونستعين ع الشقا بالله، واهو اللى فيه القسمه جبناه واللى مافيش إن شالله ما جاه، مادام بتلقى عيش وغموس يهمك إيه تفضل موحوس، ما تحط راسك بين الروس لا تقول خيار ولا فاقوس».
انقضت سنوات طويلة على غيابه، اقتربت من المائة، لكن صورته لا تزال ماثلة قوية أكثر من مبدعين أحياء. صوته يرتجع كالصدى بين فترة وأخرى، ويلح علينا بشدة كلما احتدمت الأحوال. ومطلع الأغنية التى كتبها الرائع بديع خيرى تكرره حكومات العالم فى ظل الأزمات الاقتصادية المختلفة، داعيةً الناس إلى شد الحزام.
• • •
ظروف انتشار الأغنية التى عُرفت أيضا بعنوان «الشيالين» تقترب مما نعيشه الآن فى ظل الحرب على أوكرانيا وتداعيات الكورونا، من ارتفاع أسعار السلع الاستراتيجية وعرقلة حركة الشحن والاستيراد. كتب كلماتها بديع خيرى عام 1918، حين عطل المستعمر الإنجليزى حركة التلغرافات وجعل المرور بين المحافظات عن طريق جوازات سفر عسكرية، وتم الاستغناء عن شيالين الحقائب بمحطات القطار، فقال: «ياللا بنا ياللا نلحق الاكسبريس أهه ع الرصيف، وادى إحنا يادوبك لسه ما عملناش بحق رغيف، كل المحطات قبلى وبحرى بقت لفاليف، يتوب علينا من دى العيشة يا لطيف يا لطيف، ما قطعو لنا التليفونات وعطلوا التلغرافات، عمركش سمعت الدلنجات بيسافرو لها بالباسبورات، غلب حمار اللى له حمار يحمل له ست انفار، وأهو السفر فى الأيام دى صار ع البهايم ليل ونهار، أقولك إيه وأعيد لك إيه كله له آخر، دى خبطة جامدة وجت على عينيك يا تاجر، يا وحستك دلوقت لا وارد ولا صادر».
كانت الأحوال الاقتصادية على المحك فى أعقاب الحرب العالمية الأولى (1914ــ1918) والشعوب تصارع من أجل رغيف الخبز، وتم تقديم الأغنية لأول مرة من خلال مسرحية نجيب الريحانى «قولوا له» على مسرح «الإيجيسيانا» (أو المصرية بالإيطالية) بعماد الدين فى مايو 1919، وتلتها مسرحيات أخرى ناجحة على مدار عام كامل، من إبداع الثلاثى سيد درويش وبديع خيرى ونجيب الريحانى، وهى «إش»، «ولو!»، «رن!»، «فشر»، حتى إن أرباح المسرح بلغت 28 ألف جنيه بنهاية السنة.
• • •
كان مسرح «الإيجيسيانا» مقهى قبل أن يحوله الريحانى إلى مسرح بدائى عام 1917، أرضه غير مكسوة بالبلاط وسقفه مغطى بالخيش وقد رُصت به مقاعد من القش فى صفوف غير منتظمة، كما وصفه البعض. فهم الريحانى المزاج العام لفترة العشرينيات الهادرة واتجه لتقديم أعمال استعراضية فنية رفيعة كان وقود نجاحها هو الاضطرابات السياسية التى عصفت بمصر وسائر بلدان الشرق عقب سقوط الدولة العثمانية وإعلان فرنسا وبريطانيا رغبتهما فى اقتسام أراضيها وولاياتها، من ذلك كانت ثورة 1919 التى ساهم درويش وخيرى والريحانى فى إذكاء روحها وإثارة الكراهية ضد الاستعمار. صنعوا أغنيات طازجة وساخرة تعبر عن طوائف الشعب مثل «شد الحزام» و«البحر بيضحك ليه»، و«مليحة جاوى الجلل الجناوى»، و«طلعت يا محلى نورها» و«يا ولد عمى يا بوى»، وغيرها.
يروى بديع خيرى فى مذكراته كيف توطدت علاقته بسيد درويش من أول لقاء، بعدما شاهد رواية «فيروز شاه» التى قدمها الأخير على مسرح جورج أبيض، قبل أن يبدأ التعاون بينهما. جمعهما الحس الوطنى المتدفق فقد كان درويش يتابع أزجال خيرى التى نشرها فى مجلة «السيف والمسامير»، وتعمقت الصداقة بينهما لدرجة أن سيد درويش نقل محل إقامته ليسكن إلى جوار الشاعر فى جزيرة بدران، ولا تزال شقته موجودة حتى الآن.
نرى محبيه فى بعض التسجيلات الموجودة على اليوتيوب وهم يرددون أغنياته فى الشقة نفسها، ومن بينهم الموسيقى البارع حازم شاهين وهو يعزف ويؤدى «شد الحزام»، تحيط به صور الأبيض والأسود ومكتبة قديمة. يرتفع صوته معبرا عن المصاعب المتزايدة التى تواجه الناس: «قولى فى عرض النبى يا حسين رايحين نلاقيها منين ومنين، والأس متجوز اتنين يا دنيا غورى جتك البين، شوفو البخيل يفضل منحوس ولو علقوا على بابه فانوس».
• • •
تمضى الأيام ثقيلة قاسية، ونشعر أنه ليس ثمة ضوء فى آخر النفق. تَردد الموسيقى فى الخلفية يتيح فرصة للتفكير والمقارنة، وغالبا تكون نتيجة المقارنة المزيد من الغم والانتظار، فيأتينا صوت المغنى مطمئنا: «قرب شيلنى شيل عمر الشدة ما تطول، قرب شيلنى شيل بكره نهيص زى الأول، لا تقول لى كتير وقليل بكره نهيص زى الأول، لا تقول لى كتير وقليل عمر الشدة ما تطول».
كأن التاريخ يعيد نفسه بعد حوالى مائة عام، حرب تقلب الأوضاع رأسا على عقب ووباء يودى بحياة الملايين وخارطة عالم يعاد ترسيمها وسنوات ماجنة لا تقل هديرا عن عشرينيات القرن الفائت.. ربما سيكون علينا أيضا انتظار الكساد الكبير الذى أعقب انهيار سوق الأوراق المالية سنة 1929 ليكتمل سيناريو الأزمة الاقتصادية، على غرار ما حدث فى الثلاثينيات. مرحلة كئيبة، عنوانها «التصفية بدلا من التنمية» على حد قول الخبير الاقتصادى الدكتور جودة عبدالخالق فى أحد تحليلاته الأخيرة، والخوف يعم القلوب، وصوت سيد درويش يأتينا ببطء من أسطوانة قديمة.

التعليقات