الحج وموت المسافة! - عاطف معتمد - بوابة الشروق
السبت 20 يوليه 2024 6:36 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد دعوات مقاطعة بعض المطاعم التي ثبت دعمها لجنود الاحتلال؟

الحج وموت المسافة!

نشر فى : الثلاثاء 11 يونيو 2024 - 6:30 م | آخر تحديث : الثلاثاء 11 يونيو 2024 - 6:30 م

لم يكن هناك فى الإسلام من شعيرة فتحت للمؤمنين أبواب المعارف المكانية، وفهم أعراق البشر، وتداول الخبرات، وتناول الأخبار، وتعلم المهن والحرف، واغتنام المهارات، واكتساب العلوم، وفهم السياسة والاقتصاد، ورؤية تنوع البيئات والأنواء والأمزجة مثل شعيرة الحج.
قد لا يروق هذا الرأى لمسلم معاصر فى عام 2024، حين أصبح الحج عملا ظاهريا تحكمه قواعد متعددة ومنها قواعد إدارية ترتبط بجوازات السفر وحجز الفنادق وشركات السياحة.
إذا ما استثنينا القرن الأخير، منذ اختراع وسائل السفر الجوى السريع والنقل البحرى المريح، فإن ملايين البشر اغتنموا فضائل الحج عبر القرون الماضية بما لا يمكن مقارنته بعالم اليوم بأى حال من الأحوال.
تخيل أن فوجا من الحجاج خرج من الصين فمر على بلاد الترك وما وراء النهر ونزل إلى فارس ووصل العراق ومن هناك هبط إلى قلب الجزيرة العربية أو ساحل الحجاز قاصدا مدينة الرسول ومنها إلى مكة المكرمة.
تصور أن فوجا انطلق من عمق السنغال وغانا ومالى وتشاد فوصل واحات ليبيا ومنها إلى برقة فالإسكندرية ثم إلى النيل، أو سلك طريق دارفور ومنه إلى النيل ومن هناك إلى عيذاب حيث حلايب وشلاتين فعبروا البحر إلى جدة على مرمى حجر من مكة المكرمة.
وتخيل ضفائر تلك الأفواج التى جاءت مصر فوصلت الإسكندرية، أو حطت فى أسوان أو مرت بدرب الأربعين من جهة الواحات الخارجة، فبلغت أسيوط، ثم اجتمعت هذه الضفائر معا أو تفرقت إلى سبل متوازية فوصلت بلاد الحجاز عبر البر والبحر مرورا بمصر المحروسة، أو أن الفوج المصرى انضم عبر سيناء إلى الفوج الشامى فاتجها معا إلى مدينة الرسول ومنها إلى مكة المكرمة.
ومن أوروبا وآسيا الصغرى أتت أفواج مع القافلة التركية التى انضمت إليها ضفائر من بلاد القوقاز والشركس وبحر قزوين وتتار القرم وعمق روسيا وجليد سيبيريا.
هذه القوافل التى لا تعرف بعضها بعضا ولا تفهم أحوالها السياسية وتتكلم لغات متفاوتة وتصدح بألسنة عجائبية وتمارس عادات وتقاليد وتتناول أطعمة وأشربة فريدة وترتدى ملابس مبرقشة ومزركشة، وتتباين فيما بينها فى طرق تلاوة القرآن وتفاسير الأحاديث وتجليات الوعى بالدين.
كل هؤلاء يجتمعون فى مكان واحد فيتعارفون ويفهمون ويتبادلون ما فى رءوسهم من علوم ومعارف ولغويات ثم يعودوا سفراء إلى بلادهم.
القرن الأخير ــ قرن الحداثة ــ قدم لنا وفرة مضاعفة بمائة مرة فى أعداد الحجاج لكنه لم يعد يحمل للحجاج نفس الخبرات والمعارف وذات الأرواح المحلقة.
حج الحداثة سهل كثيرا على الناس شعائرهم لكنه حرمهم من كثير من تجليات تلك الشعيرة التى التقوا فيها بأناس أتوا من كل فج عميق.
يحسب لحج الحداثة أنه أحدث تعديلا «جندريا» حين أصبحت المرأة شريكا فى أداء الشعيرة مع الرجال لسهولة السفر وأمان الطريق.
يحسب لحج الحداثة ــ مع التقدم الطبى ــ نظافته وتنظيمه وتخلصه فى كثير من الأحيان من تهمة نقل العدوى ومنبع تفشى الكوليرا عبر البلاد.
ليس صحيحا أن حج الحداثة صار قاصرا على الأثرياء وأنه كان فى الماضى متاحا للجميع فقراء وأثرياء.
لقد كان هناك فى الماضى أيضا تمييز على أساس الثروة والصحة وفائض الوقت.
فى الماضى كانت ثروة الوقت هى الأهم، حين يهب الحاج هذه الرحلة ما بين ستة أشهر إلى عامين وقد تمتد لعدة سنوات من دون مصدر رزق، سنوات يمضيها فقط للحج من دون عمل.
لكن التاريخ يخبرنا أن الآية الكريمة التى أكدت على أنه لا حرج أن يشهد الحجاج «منافع لهم» قد فهمها جيدا الحجيج.
بلاغة كلمات الآية هنا فتحت التأويل فى المنافع لتشمل العلوم والمعارف وترويح الأنفس ومنافع الدنيا من تجارة ومال وربح وتبادل السلع.
هكذا شارك فى الحج تجار ينقلون سلع الصين إلى مصر وسلع المغرب إلى تركيا وجواهر الحبشة واليمن إلى فارس والعراق.
فى قرن الحداثة دخلت عوامل كثيرة غيرت من مفهوم الشعيرة، وطرحت تحديات عظيمة على الإمساك بالكنز الروحى الذى تحاول أن تبدده شهوات استهلاك الأطعمة والأشربة، ومنظرة الصور الفوتوغرافية بكاميرات الهاتف المحمول الذى يلهو به الناس فى فناء الكعبة بعدما كان أجدادهم يرتلون ويسبحون ويستغفرون.
من دون أى مبالغات يمكننى القول إن الحج فى قرون ما قبل الحداثة اخترع مفهوم «العولمة» الحضارية قبل قرون طويلة من اختراع مصطلح «العولمة» الجديد، وعولمة الحج عولمة بناءة تبادلية لا احتكارية ولا استعمارية، قربت مشارب الثقافة والوعى والفهم.
اليوم يتعرض الحج فى زمن العولمة إلى تحديات صعبة تحاول أن تحبسه أسيرا بلا فوائد فى طقوس شكلية واهتمام أكثر بالظاهر من دون الباطن.
إن موت المسافة ــ أو موت الجغرافيا ــ هو الذى جعل حجاج مصر يصلون إلى مكة فى 4 ساعات بالطائرة بعدما كانوا يرتحلون أربعين يوما فى الصحراء.
أية فوائد جلب «موت المسافة»؟ وأية خسائر جلب «موت الجغرافيا»؟

عاطف معتمد الدكتور عاطف معتمد
التعليقات