اختفاء جبل النرجس - داليا شمس - بوابة الشروق
الجمعة 6 ديسمبر 2019 1:07 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على سن قانون جديد لمكافحة الشائعات وتشديد عقوبة مروجيها؟

اختفاء جبل النرجس

نشر فى : السبت 12 مارس 2016 - 10:00 ص | آخر تحديث : الأحد 13 مارس 2016 - 6:54 م
تتكسر الأمواج على الحاجز الصخرى، ويتطاير الرزاز فى الهواء. نعيمة عاكف ترقص وكأنها تناجى المجهول، دون أن تنزلق قدماها أو تعلق بالطحالب الخضراء اللامعة على الأرض. المنظر الخلاب الذى قد يكون فى رأس البر، بمنطقة اللسان، أو فى مدينة رشيد، حيث يتلاقى أيضا النيل بمياه البحر المتوسط، ارتبط فى الأذهان بنوع من الرومانسية أو بقصص الحب كما فى أفلام الأبيض والأسود، لكنه دون شك يذكرنا بصراع أساسى مع الطبيعة يكاد يعصف بدلتا النيل ويغمر مدنا وقرى كاملة. صورة الرقصة التى تتحدى فيها البطلة البحر تطاردها تصريحات الدكتور علاء النهرى، نائب رئيس المركز الإقليمى لعلوم الفضاء بالأمم المتحدة وخبير الاستشعار عن بعد، وكلامه الأسبوع الماضى، حول مقدمات غرق الدلتا بعد سبعين عاما من الآن وفقد مصر4,9 كم بمنطقة رشيد، فى الفترة ما بين سنة 1982 و2002، وفقا لما بينته صور الأقمار الصناعية.

معنى هذا أن العديد من حكاياتنا وذكرياتنا فى بعض المصايف بطول الشريط الساحلى الذى يمتد من الإسكندرية إلى بورسعيد مهددة بالاندثار. مرت سنوات عديدة ونحن نتحدث عن تآكل الشواطئ، ونتعامل مع هذه الظاهرة بوضع كتل صخرية فى الأماكن الأكثر تضررا لتقليل تأثير ارتفاع منسوب سطح البحر، خاصة أنه منذ بناء السد العالى فى ستينيات القرن المنصرم فقدت الدلتا سنويا أكثر من 120 مليون طن من طمى النيل الذى كان يكسو أراضيها ويثريها، ولم يعد يصلها سوى عشر هذه الكمية تقريبا. بعدها ظهرت على شواطئنا الألسنة الصخرية التى لا تكفى وحدها لدرء الخطر، وأصبحنا كنعيمة عاكف نرقص على حافة الهاوية، مع ازدياد منسوب البحر المتوسط عشرين سنتيمترا خلال المائة سنة الماضية.

***

تتأرجح صور أخرى أمام عينى وأنا أقرأ عن غرق الدلتا وإمكانية فقد مصر لنحو 200 كم مربع من أراضيها بحلول العام 2025، ومع تدافع الأرقام المتداولة عالميا من التسعينيات، بعد إصدار الأمم المتحدة والبنك الدولى تقارير علمية موثقة بهذا الصدد، أشعر وكأننا نجلس ثابتين فى مكاننا فى انتظار الطوفان، دون حركة ودون استعداد لمواجهة القدر المحتوم. نستمر فى الرقص على الهاوية، فى انتظار سنوات أخرى تمر حتى يصل القرن الواحد والعشرون إلى نهايته فيزداد منسوب سطح البحر المتوسط من 30 سم إلى واحد متر، وفى هذه الحالة الأخيرة ستغرق ربع الدلتا بما فيها الإسكندرية.

ترن فى أذنى كلمات خبير الآثار الغارقة الفرنسى، جان إيف أمبرور، وهو يروى تاريخ الإسكندرية بمراحلها وحقبها الزمنية المختلفة من خلال ما رآه خلال عمليات الحفر: كلما نزلنا إلى أسفل تعرفنا على عصر من عصور المدينة، فى البداية نكتشف بعض الأوانى والزجاجات الفارغة التى خلفها الأجداد، ثم نقع على آثار الدولة العثمانية، ثم العصر الوسيط، بعده مرحلة الرومان، ثم الإغريق، طبقات مرصوصة فوق بعضها البعض على عمق 10 أو 12 مترا، مدفونة تحت رمال المدينة قبل أكثر من ثلاثة آلاف عام، وبعضها غارق تحت سطح البحر.

***

أتخيل أنه من الوارد أن تضاف طبقات أخرى لهذه الطبقات التى شكلت تاريخ المدينة تحمل ذكرياتنا نحن ومن سبقونا بوقت غير بعيد، عندما يغمرها البحر. ولن يكون ذلك حكرا على الإسكندرية، بل من الوارد أيضا أن تصبح حكايات الأقارب حول جبل النرجس بمصيف بلطيم، هى الأخرى من أدب اللامعقول.
ساحل بطول 10 كم، وفى الخلفية كثبان رملية عبارة عن جبال النرجس التى يفوح عطرها فى الجو، ناحية رشيد، على مقربة من مدينة كفر الشيخ. صديقة للعائلة تصر على الصعود وزيارة جبل النرجس، رغم تكاسل زوجها، ربما فى ستينيات القرن الفائت. تصف إلى اليوم المشهد من أعلى الكثبان الرملية وتسترجع معها رائحة النرجس والراحة التى شعرت بها وقتها لأنها صممت على ما تريد ولحقها شريك حياتها، يجرى وراءها فوق الجبل. هبت حينها نسائم الحرية على جبل النرجس الذى تغير قطعا عن تلك الأيام وصار فيه ما صار فى البلد ككل، لكن الذكرى لا تزال مرتبطة فى مخيلة السيدة بإنجازها الصغير.
لم تفكر بالطبع أنه قد يأتى يوما ويختفى جبل النرجس ومدينته من على الخريطة، كمثلنا جميعا وكمثل العديد من مسئولى الدولة والقائمين عليها، سمعت وربما قرأت عن مخاطر غرق الدلتا وتحول عشر سكانها إلى من سيطلق عليهم «لاجئ المناخ»، لكنها لم تذهب بتفكيرها إلى أبعد من ذلك. نعم، فى خلال سنوات سيكون لدينا عدد لا بأس به من اللاجئين بسبب المناخ! وسنضطر لمواجهة ذلك فى ظل أزمة مياه، ليس بسبب سد النهضة، ولكن لتناقص مياه النيل نظرا للجفاف، فتقل حصتنا منه عن الـ 55.5 مليار متر مكعب المقررة لنا منذ سنة 1959.

***

ازدادت بالفعل نسبة ملوحة الأراضى فى بعض هذه الأماكن القريبة من البحر، ونظرا للتلوث والاحتباس الحرارى وخلافه ستتغير الخريطة أيضا داخليا ونفقد أجزاء من دلتا النيل، ربما لن يبق جبل النرجس فى موضعه، ولكن يبدو أن اختفاءه وغيره من معالم الدلتا لا تعنينا حاليا، فنحن منشغلون بأشياء وأمور أخرى، وكالعادة لا نقدر البلاء قبل وقوعه، بل ننتظر وقوعه أو أن يكون قاب قوسين أو أكثر ونبدأ فى القلق. الحقائق والأرقام السابقة ليست بجديدة ومنشورة ومعلومة للجميع، بمن فيهم الدول الصناعية الكبرى التى ننتظر مساعدتها.. قد يعلم التكرار الشطار.
التعليقات