فاتورة الديمقراطية - فهمي هويدي - بوابة الشروق
السبت 4 ديسمبر 2021 12:05 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد قرار الفنان هاني شاكر نقيب المهن الموسيقية بمنع 19 من مطربي المهرجانات من الغناء؟

فاتورة الديمقراطية

نشر فى : الأحد 13 سبتمبر 2009 - 8:50 ص | آخر تحديث : الأحد 13 سبتمبر 2009 - 8:50 ص

 حين وقف الرئيس أوباما أمام الكونجرس متحدثا عن مشروعه للرعاية الصحية، ذكر أنه لا يغطى المهاجرين غير الشرعيين، لكن أحد النواب قاطعه قائلا «أنت تكذب».

جاء التعليق صادما ومفاجئا للجميع. حتى عبر بعضهم عن الاستياء من التعليق الذى صدر عن النائب الجمهورى جو ويلسون. فقال أحد الديمقراطيين إن تعبيره كان مهينا. وإن كلامه يعد من قبيل التصرفات السخيفة التى يطلقها الطرف المعارض للتشويش على ما يحدث. وقال أحد زعماء الجمهوريين إن رئيس الجمهورية ينبغى أن يعامل باحترام فى كل الأحوال، وأى تجاوز فى حقه يظل عملا غير لائق. وذكر رئيس موظفى البيت الأبيض الذى كان حاضرا الجلسة أنه لم يحدث أن تعرض أى رئيس أمريكى لموقف من هذا القبيل. فى حين حذر أكثر من نائب من المبالغة فى الأمر وإعطائه حجما أكبر من حجمه، بحيث يطغى على الموضوع الأساسى لخطاب الرئيس المتعلق بمشروع الرعاية الصحية.

بقية القصة أنه بعد الجلسة أصدر مكتب النائب جو ويلسون بيانا باسمه اعتذر فيه عما بدر منه، وقال إن تعليقه كان مؤسفا وغير لائق، رغم أنه يحتفظ بحقه فى الاختلاف مع طرح الرئيس أوباما. كما أن الرجل اتصل هاتفيا برئيس موظفى البيت الأبيض. الذى تقبل الاعتذار باسم الرئيس. ومن ثم انتهى الموضوع وقلبت الصفحة.

التعبير كان غير لائق لا ريب، لكنى لا أنكر أن جرأة النائب أعجبتنى، حتى أبديت استعدادا لاحتمال تجاوز من هذا القبيل مادام أنه يتم فى إطار التعبير عن الجرأة والتشدد فى المعارضة، والتعامل مع الحكام باعتبارهم بشرا وليسوا آلهة. وكنت قد نبهت فى كتابات سابقة إلى أن الممارسة الديمقراطية الحقيقية لها ثمن، يجب أن ندفعه ونحتمله لكى تنجح. وهذا الثمن يتراوح بين معارضة الحاكم ومحاسبته وتجريح آرائه وبين هزيمته فى الانتخابات التى تنتهى بإقصائه عن منصبه.

وهذا الذى نعتبره من الأعاجيب التى لا نتخيل إمكانية حدوثها فى العالم العربى، كان قبل قرون جزءا أصيلا من ثقافتنا، التى اعتبرت أن محاسبة الحكام وتقويم اعوجاجهم واجبا شرعيا. من استحقاقات الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر. حتى إن الإمام أبوحامد الغزالى اعتبر فى كتابه «إحياء علوم الدين» أن المحاسبة أو المناصحة هى المقصودة بذلك التكليف بالأمر والنهى. وأنها حق للأمة وواجب عليها أيضا، وبنص القرآن فإنها تؤثم إن قصرت فيه وتحاسب على ذلك يوم القيامة.

هذه الخلفية سلحت أجيالا من المسلمين الأُول بشجاعة نحسدهم عليها. فقال أحدهم لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب ذات مرة «لو رأينا فيك اعوجاجا لقومناه بحد سيوفنا»، وقالت له آخر على مسمع من الناس «اتق الله يا عمر» (قالها مواطن عربى حسن النية لحاكم بلده فذهب وراء الشمس ولم يعد منذ عشرين عاما).. ودخل ثالث على معاوية بن أبى سفيان فحياه قائلا: السلام عليك أيها الأجير. وحين منع العطاء عن بعض المسلمين، نهض أحدهم فى مواجهته قائلا: كيف تمنع العطاء وهو ليس من كدِّك ولا من كدِّ أبيك أو أمك. وقال رابع ــ العالم الجليل سفيان الثورى ــ للخليفة أبوجعفر المنصور: اتق الله فقد ملأت الأرض ظلما وجورا. وحين سأل الحجاج بن يوسف خامسا هو العالم حطيط الزيات عن رأيه فيه قال: إنك من أعداء الله فى الأرض تنتهك المحارم وتقتل بالظنة. وحين سأله عن الخليفة عبدالملك بن مروان قال: إنه أعظم جرما منك، وإنما أنت خطيئة من خطاياه (إذا أردت المزيد فارجع إلى كتاب «الإسلام بين العلماء والحكام» للعالم العراقى عبدالعزيز البدرى، الذى أعدمه صدام حسين).

إن ما يعد عندهم شهادة على قوة المجتمع وجرأة ممثليه، هو عندنا تاريخ نردد حكاياته وكأنها من أساطير الأجداد. وحين نرى واقعنا فإننا نكاد نلطم خدودنا ونحن نتحسر عليه.

فهمي هويدي فهمى هويدى كاتب صحفى متخصص فى شؤون وقضايا العالم العربى، يكتب عمودًا يوميًا ومقالاً اسبوعياً ينشر بالتزامن فى مصر وصحف سبع دول عربية اخرى. صدر له 17 كتابا عن مصر وقضايا العالم الاسلامى. تخرج من كلية الحقوق جامعة القاهرة عام 1961 ويعمل بالصحافة منذ عام 1958.