أحمد سعيد ونكسة 67 - إكرام لمعي - بوابة الشروق
الخميس 28 سبتمبر 2023 7:05 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد قرار وزير التربية والتعليم بحظر النقاب في المدارس؟

أحمد سعيد ونكسة 67

نشر فى : الجمعة 15 يونيو 2018 - 10:00 م | آخر تحديث : الجمعة 15 يونيو 2018 - 10:00 م

بالطبع هناك أناس لا يمكن أن تنساهم الذاكرة الشعبية بسبب إسهاماتهم فى المجالات العامة المتعلقة بالوطن، والعكس صحيح، فهناك أناس تبقى فى الذاكرة الجمعية بسبب خداعهم للبشر وصدمة البشر عند اكتشاف هذا الخداع ومن هؤلاء كان أحمد سعيد ابن مرحلة ثورة 23 يوليو 1952 وقد كان الصوت النابض للقومية العربية الموجة العارمة التى اجتاحت الوطن العربى. أسس أحمد سعيد إذاعة صوت العرب بقرار من عبدالناصر وفى حقبة الستينيات بدأت إخفاقات الثورة بعد النجاحات التاريخية التى حققتها فى النصف الثانى من الخمسينيات، حيث لأول وآخر مرة فى التاريخ تقوم الحكومة بوضع خطة خمسية طموح تتحقق فيها إنجازات ملحوظة وتنته وقد أصبح التعليم مجانيًا وبدأ بناء السد العالى وعضدت الدولة أصحاب الدخول المحدودة وبنيت مصانع الإنتاج الحربى والسيارات وانتصرنا على العدوان الثلاثى والوحدة مع سوريا.

بعد كل هذه النجاحات جاء الإخفاق الأول بالانفصال عن سوريا عام 1961 وبدأت حرب اليمن، حيث تورطت مصر فيها وجاءت الفرصة للملوك العرب فاتفقوا على أن تكون اليمن هى المستنقع الذى يسقط فيه عبدالناصر، وبالطبع شجعت أمريكا هذا التوجه؛ لأن عبدالناصر كان قد تحول من أمريكا التى عضدته فى حرب 1956 وارتمى فى حضن الاتحاد السوفييتى وجاء مستنقع اليمن نموذجيًا لاصطياده فعاد الجيش المصرى منكسرًا من اليمن، وكالعادة أعلن عبدالناصر أننا انتصرنا، وبسبب كل هذه الإخفاقات بدأ عبدالناصر يبحث عن نصر جديد يعيد إليه تألقه فى الوقت الذى بدأت أمريكا مع إسرائيل مؤامرة اصطياد «الديك الرومى»، وكان هذا اللقب أُطلق على ناصر لأنه استقل أكثر من اللازم عن أمريكا، من هنا بدأت الخطة الأمريكية الإسرائيلية المحكمة تنسج خيوطها حوله فى الوقت الذى لم يعد عبدالناصر يستمع لأحد من الحكماء الذين بدأوا معه حركة عدم الانحياز مثل نهرو وتيتو، واللذان كانا يحذرانه من الاندفاع فى الحرب ضد إسرائيل.

فى مثل ذلك الجو لمع نجم أحمد سعيد الذى توفى عن عمر يناهز الثانية والتسعين بمصادفة غريبة فى ذكرى النكسة فى الخامس من يونيو 2018. كان أحمد سعيد الصوت الذى يصل إلى كل البلدان العربية وتبنى خطابًا تعبويًا ناصريًا.
***
فى رحلة سعيد الإعلامية مع ميكروفون الإذاعة انطلق صوته مجلجلًا بثورة الجزائر عام 1954 والتى أيدتها مصر وعبدالناصر بقوة ثم كان صوت الوحدة بين مصر وسوريا عام 1958.وفى عام 1959 كان صوت مصر ضد حلف بغداد الذى رفض عبدالناصر الانضمام إليه واعتبره خنجرا فى ظهر القومية العربية وبالفعل سقط هذا الحلف ولم يحقق شيئًا.

أما السقوط العظيم لأحمد سعيد وعبدالناصر وثورة 23 يوليو بل والقومية العربية ككل فقد كان فى 5 يونيو 1967، ولم تكن الهزيمة مستغربة لأى محلل موضوعى؛ لأن عبدالناصر فى ذلك الوقت حشد الجيش فى سيناء وأغلق ميناء العقبة أمام السفن الإسرائيلية وكان قد ارتبط بمعاهدة مع إسرائيل بعد انسحابها من سيناء عام 1956 على إثر التدخل الأمريكى وكانت أمريكا فى ذلك الوقت تريد التحالف مع عبدالناصر القوة الصاعدة فى الشرق الأوسط فاشترطت إسرائيل أن تمر سفنها فى خليج العقبة وأن تكون هناك قوات حفظ سلام من هيئة الأمم المتحدة وقد كان. وأثناء الأزمة مع إسرائيل قام عبدالناصر بعقد اجتماع لقادة القوات المسلحة وعلى رأسهم المشير عبدالحكيم عامر وسأله ناصر يا عامر هل أنت مستعد للحرب؟

وضع المشير كف يده على رقبته من الخلف قائًلا «برقبتى يا ريس». اطمأن ناصر على الجيش فبدأ التصعيد بطلب سحب قوات السلام من خليج العقبة، والذى اعتبره العالم وعلى رأسه أمريكا وإسرائيل إنذار حرب، وقد تألق أحمد سعيد فى صياغة تعبيرات حماسية مثل «فى اجتياز العقبة قطع الرقبة»، وقد طلب الاتحاد السوفييتى من عبدالناصر عدم البداية بالحرب واقتنع عبدالناصر بذلك، لكن كانت الحرب حاسمة فى صالح إسرائيل إذ بدأت إسرائيل الحرب فى يوم الخامس من يونيو فى التاسعة صباحًا بأن دكت كل المطارات الحربية وحطمت الطائرات المصرية وهى رابضة على الأرض ولم تستطع قوات الدفاع الجوى (صواريخ أرض جو) أن تتصدى للطيران الإسرائيلى؛ لأن طائرة عامر كانت فى الجو حيث كان يقوم بجولة لتفقد الجيش المصرى. المهم أن الخسارة كانت فادحة واستولت إسرائيل على الجولان فى سوريا والضفة الغربية فى الأردن واجتاحت القدس الشرقية وغزة وسيناء، فى هذه الأثناء تألق أحمد سعيد فى بياناته التى أطلقها من صوت العرب بصوته الجهورى قائلًا إن الجيش المصرى استطاع أن يدحر الجيش الإسرائيلى ويلقنه درسا لن ينساه.

فى اليوم الأول أطلق بياناته عن المعركة الجوية بين الطيران المصرى والطيران الإسرائيلى (وقد استمعت لها بنفسى وكنت فى الثانوية العامة مع أصدقائى لأن امتحان الثانوية تأجل لظروف الحرب). سمعنا وهللنا مع الناس فى شوارع مدينة ملوى قال: أسقط الطيران المصري81 طائرة، بدأ بخمس طائرات فعشر فعشرين وفى نهاية اليوم كانوا 81 طائرة. وهلل العرب الذين كانوا يستمعون إليه. فى اليوم الثانى أخذ يتحدث عن إسقاط عدة طائرات أخرى إلا أنه ذكر أن الطيران الإسرائيلى أسقط طائرتين مقاتلتين مصريتين إلا أن قائدى الطائرتين شوهدا يخرجان من حطام الطائرة أى أننا لم نخسر طيارًا واحدا وربما كانت هذه العبارة صحيحة لكن ليس لأننا انتصرنا لكن لأن طياراتنا الحربية تحطمت على الأرض.

الحقيقة التى لا يجب إغفالها هنا أن الجيش المصرى كان قادرا وبجدارة على هزيمة اسرائيل لأنه ثبت أنه بعد تحطيم ممرات الطيارات والطيارات فى أماكنها قام طيارون بعمليات انتحارية قادوا طائراتهم رغم كل هذه العقبات وأسقطوا بالفعل طائرات إسرائيلية ووضح ذلك أيضا فيما سمى حرب الاستنزاف تم تدمير السفينة الحربية إيلات وانتصر الجيش فى معركة رأس العش. وتوالت العلامات التى تقول إن الجيش خُدع وهُزم من قياداته فى حرب لم يخضها، لذلك كان الجيش يتوق للحرب ويطالب بها وهو ما حدث فى 6 أكتوبر 1973، كانت الخطة الإسرائيلية عام 67 أن تقوم طائراتها من قاعدتين واحدة بريطانية فى طبرق تدعى قاعدة «العدم» والأخرى «قاعدة الملاحة» الأمريكية فى طرابلس وهكذا بينما الجيش المصرى يتوقع الهجوم من الشرق أتاه من الغرب ثم أتاه منخفضًا عبر الصحراء الغربية حتى لا تلتقطه الرادارات، والسؤال لماذا لم يفكر الجيش المصرى أو يتوقع مثل هذا الأمر حيث إن وجود القاعدتين لم يكن سرًا بل كان معروفًا لكل البشر. وقبل أن يعرف الشعب المصرى تفاصيل ما حدث خرج عبدالناصر فى التاسع من يونيو ليلقى خطابًا لعموم الشعب المصرى، مستخدما كلمة مخففة فأسماها النكسة وأعلن وصوته يهتز من الحزن أنه مسئول عن هذه النكسة، وقد كان فعلًا يبدو قائدًا أسطوريا منكسرًا وصادقًا فى كل كلمة يقولها إلا أنه لم يعلن حجم الخسارة، فخرج الشعب عن بكرة أبيه يبكى ويطالب عبدالناصر بالبقاء ويتعهد أن يدفع الثمن لاستعادة ما سُلب.
***
فى كل هذا كان أحمد سعيد هو الصوت المعبر عن الانتصار فى الثلاثة أيام الأولى ثم المعبر عن أهمية وضرورة أن يبقى عبدالناصر لإزالة آثار النكسة، لقد كان أحمد سعيد صوتا يجلجل فى الفضاء عن انتصارات وهمية لكيان متعب إثر هزائم متتالية تم التغطية عليها بالحديث عن إسرائيل الدولة «القزم»، «الكيان الهش»، «الدولة الكرتونية»، «الجيش الجبان المدلل».

هذه السياسة الإعلامية التى أوصلتنا إلى سقوط أجزاء شاسعة من أراضينا هى نفس السياسة التى حدثت فى مواجهة الجماعات الإسلامية بداية من التكفير والهجرة للجهاد للجماعة الإسلامية فى الجزائر، مرورًا بتنظيم القاعدة وتابعه طالبان فى أفغانستان، من استهانة وعدم جدية حيث كان السادات يقول عنهم الفلول، «الولاد اللى أنا عارفهم... إلخ»، حتى جاءت نتيجة الاستهانة «دولة الخلافة» داعش والتى قُضى عليها لكن بعد ما مارست من الفظائع ما أثار رعب البشر فى العالم كله وخاصة فى منطقتنا. إن الاستهانة بأى ظاهرة سلبية تكون نتيجتها كارثية وهناك عدة ظواهر نشير إليها مثل نشاط السلفيين أو الجهاديين مع رفض تغيير المناهج التعليمية التى تحض على التطرف والتمسك بالتراث حتى لو كان فيه ما يدمر وحدتنا. إن الاستهانة بمثل هذه الأمور لا تُحمد عُقباها حيث أثبتت التجارب السابقة أنها كانت مقدمة وسببًا رئيسيًا لكوارث مازال تأثيرها مدمرًا حتى اليوم، فهل نتعظ يا سادة؟

إكرام لمعي  أستاذ مقارنة الأديان
التعليقات