مسببات تراجع الاستثمار الأجنبى المباشر وسبل زيادته - محسن عادل - بوابة الشروق
الثلاثاء 19 نوفمبر 2019 2:29 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما توقعك لنتائج منتخب مصر في كأس الأمم الأفريقية تحت 23 سنة؟

مسببات تراجع الاستثمار الأجنبى المباشر وسبل زيادته

نشر فى : الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 - 11:05 م | آخر تحديث : الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 - 11:05 م

بحسب بيانات البنك المركزى، عن ميزان المدفوعات، سجل صافى الاستثمار الأجنبى المباشر خلال العام المالى الماضى نحو 5.9 مليار دولار مقابل نحو 7.7 مليار دولار خلال عام 2017 ــ 2018، وذلك بنسبة تراجع 23.5% نتيجة لارتفاع التدفقات للخارج بما يفوق ارتفاع التدفقات للداخل.
انخفاض الاستثمار الأجنبى المباشر للعام الثانى على التوالى ــ على الرغم من تطبيق برنامج الإصلاح الاقتصادى بنجاح ــ جاء كنتيجة لانخفاض تدفقات الاستثمار الأجنبى المباشر عالميا تحت وطأة تنامى مخاطر الاقتصاد العالمى، وتصاعد نزعة الحماية التجارية، فالتوترات التجارية العالمية عادة ما تحد من تحركات رأس المال.
وبحسب تقرير لمؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية «أونكتاد»، تراجع الاستثمار الأجنبى المباشر عالميا بنسبة 13% خلال عام 2018، حيث انخفضت التدفقات الاستثمارية من 1.5 تريليون دولار فى السنة السابقة عليها إلى 1.3 تريليون دولار.
ولكن التقرير ذاته أشار إلى أن إفريقيا نجت من تبعات الانخفاض العالمى فى الاستثمار الأجنبى المباشر، وبلغ الاستثمار الأجنبى فى القارة 46 مليار دولار عام 2018، بزيادة قدرها 11% عن العام السابق، وظلت مصر هى الأكثر استقطابا للاستثمارات الأجنبية بالمنطقة، وهو ما أدى لارتفاع نسبة مصر من إجمالى الاستثمار العالمى على الرغم من تراجع القيمة مع حفاظها لثلاثة أعوام متتالية على صدارة الدول الجاذبة للاستثمار الأجنبى فى إفريقيا والمركز الثانى على مستوى المنطقة العربية.
من جانبة خفض صندوق النقد الدولى من توقعاته لصافى الاستثمار الأجنبى المباشر فى مصر، مع نهاية العام المالى الحالى 2019 ــ 2020 إلى 8.1 مليار دولار، هبوطا من 11.2 مليارا قدرها الصندوق ضمن المراجعة الرابعة للاقتصاد المصرى التى كشف عنها إبريل الماضى وأعاد الصندوق تقدير صافى الاستثمارات الأجنبية المباشرة المتوقعة فى العام المالى المقبل، فى تقرير المراجعة الخامسة للاقتصاد المصرى، ليخفضها من تقدير سابق عند 12.6 مليار دولار إلى 9.8 مليارا فى 2020 ــ 2021.
وتوقع الصندوق أن يستمر صافى الاستثمار الأجنبى المباشر فى مصر على وتيرة متصاعدة ليسجل 11.3 مليار دولار عام 2021 ــ 2022 و13 مليارا فى العام 2022 ــ 2023، حتى يصل إلى 14 مليار دولار خلال 2023 ــ 2024.
على المستوى المحلى، فمن بين أسباب تراجع الاستثمار الأجنبى المباشر فى مصر، وجود اختلالات هيكلية تقف فى طريق الاستثمار، ومنها استمرار البيئة الحالية ذات أسعار الفائدة المرتفعة نسبيا بعد التخفيضات الأخيرة فالزيادات المتتالية فى أسعار الفائدة أثرت على تدفقات الاستثمار بجميع أشكاله، فتلت كل زيادة فى أسعار الفائدة انخفاض فى الاستثمار الخاص، حيث إن ارتفاع تكلفة التمويل أدى إلى عزوف المستثمرين عن ضخ استثمارات جديدة، ومن ناحية أخرى فارتفاع أسعار الفائدة أدى إلى توجيه فوائض الأموال المتاحة للاستثمار لشراء أدوات الدين لارتفاع العائد وانخفاض المخاطر.
كذلك كان هناك تاثير للترتيب العالمى لبيئة الأعمال فعلى الرغم من أن مصر كانت من بين البلدان الأكثر تحسنا فى مؤشر البنك الدولى لسهولة ممارسة الأعمال، لكنها جاءت أيضا فى مرتبة متأخرة، كما تحتل مصر المرتبة الـ93 من بين 140 دولة فى مؤشر التنافسية العالمى، التابع للمنتدى الاقتصادى العالمى وهو ما يستدعى جهودا متكاملة لتحسين ترتيب مصر فى هذه المؤشرات وبقوة.
سيظل قطاع النفط والغاز والتعدين الهدف الرئيسى لتدفقات الاستثمار الأجنبى المباشر على المدى القصير فى ضوء الاكتشافات الجديدة إلا أن انخفاض أسعار الفائدة وتنامى ثقة المستثمرين الأجانب فى الاقتصاد المصرى من شأنه أن يدعم تدفقات الاستثمار الأجنبى المباشر إلى القطاعات الأخرى، ومع ذلك فإن تدفقات الاستثمار الأجنبى المباشر الداخلة تحتاج إلى أكثر من مجرد تحسن فى أسعار الفائدة فهناك حاجة إلى إصلاحات هيكلية إضافية تعالج العوائق الاستثمارية، بما فى ذلك الجهود المبذولة لتحسين بيئة الأعمال، ومرونة سوق العمل ومكافحة البيروقراطية وزيادة الشراكة مع القطاع الخاص.
ونتيجة لذلك فيجب تبنى منهج متكامل لآليات تنشيط الاستثمار الأجنبى بدءا من استكمال إصلاح البيئة التشريعية، بحيث تصبح أقل تعقيدا وأكثر شفافية بجانب تشجيع المزيد من الاستثمارات الأجنبية والمحلية، مع توفير حوافز تشجيعية فى إطار قانون الاستثمار الجديد وإعطاء أولوية لتنمية المناطق الواعدة.
يستدعى الأمر أيضا بناء شبكة علاقات قوية تتضمن جميع الجهات المعنية بالاستثمار، الحكومية وغير الحكومية، تجمعات المستثمرين ورجال الأعمال فى مصر وخارجها، السفارات ومكاتب التمثيل التجارى الخارجية والبعثات الأجنبية فى مصر، بالإضافة إلى وكالات ترويج الاستثمار فى الخارج وذلك من خلال عقد لقاءات واجتماعات دورية مع الترويج للمشروعات المطروحة من المحافظات فى القطاعات المستهدفة ذات المزايا التنافسية بما يعكس رؤية الدولة للتنمية القطاعية والإقليمية وبما يحقق التنمية المتوازنة المستدامة بالتنسيق مع الوزارات المعنية للعمل على تجميع جميع الفرص الاستثمارية المتاحة لدى جميع الوزارات وهيئاتها التابعة.
قد يمثل أحد محفزات الاستثمارات استبدال التشريعات العديدة الخاصة بالأراضى بقانون موحد ومبسط لإدارة أراضى الدولة. بجانب زيادة مخصصات هيئة التنمية الصناعية من الأراضى لطرحها على المستثمرين وفق آليات موضوعية وشفافة وأن يرتبط دعم الصادرات أو استبدال الواردات بمجموعة من الحوافز غير النقدية، مثل تخصيص الأراضى وترفيقها، وتدريب العمالة، وحوافز جمركية وضريبية، وتشجيع إدخال تقنيات إنتاج حديثة،، وتعديل نظام المساندة التصديرية بما يضمن تعميق الصناعة ومنح الدعم لمن يستحق.
عنصر آخر هام فى منظومة الجذب الاستثمارى وهو أن المناطق الحرة باتت تشكل عنصرا أساسيا فى المنظومة الاقتصادية الشاملة التى تساهم فى نمو الناتج الإجمالى، كما أنها أحد الحلول المبتكرة التى لجأت إليها دول العالم للاستثمار فى صناعة المستقبل، وتحقيق الازدهار الاقتصادى وهو ما يستدعى التوسع فى إنشاء مناطق حرة جديدة بهدف جذب المستثمرين عبر توفير مزايا تنافسية وخدمات عالمية.
وبالنظر على مستوى العالم، فإن المناطق الحرة تساهم بدور رئيسى فى تطوير وتنمية الاقتصاد العالمى، وتلعب دورا مهما فى استقطاب الاستثمارات فى مجالات صناعية وتجارية وخدمية متنوعة رئيسية، وتساهم فى تسهيل تدفق رءوس الأموال، وتنشيط الاقتصاد وقطاعاته، وتطوير القدرات البشرية، وخلق الوظائف، بالإضافة إلى مواكبة أحدث التوجهات الاقتصادية، وتعد كذلك جزءا مهما من جهود استشراف المستقبل، والاستفادة من المتغيرات العالمية فى تأسيس بنية اقتصادية تحتية مبتكرة. ووفقا لتقديرات (الأونكتاد)، فهناك الآن أكثر من 4800 منطقة اقتصادية خاصة فى جميع أنحاء العالم.
وترتفع الاستثمارات الأجنبية فى المناطق الحرة من خلال العديد من العوامل، مثل: الموقع الاستراتيجى والجغرافى للمنطقة الحرة، وقربها من خطوط النقل الجوى والبحرى العالمية، والطرق التجارية التقليدية والمبتكرة، والبنية التحتية، وتوفير الخدمات، ومرونة القوانين والأنظمة الحكومية، بالإضافة إلى الحجم الإجمالى للمنطقة الحرة، وتوافر الأراضى التى يمكن الاستثمار فيها عبر تطويرها وتوسيعها لتتلاءم مع المتطلبات المتغيرة للشركات.
من ناحية أخرى فمن الضرورى التركيز على تنفيذ ومتابعة برنامج تعميق التصنيع المحلى لزيادة القيمة المضافة للمنتجات المصرية، وإعداد برنامج إصلاح هيكلى لقطاع الصناعة يركز على حل مشكلات الصناعة بدءا من مرحلة الإنشاء وحتى الإنتاج والتصدير والاستفادة من الحوافز التى أعلنتها الحكومة لجذب استثمارات فى الصناعات التكنولوجية لتصنيع منتجات ذات قيمة مضافة مرتفعة، والاهتمام بالتعليم الفنى واستحداث مدارس ومعاهد فنية مؤهلة لسوق العمل تتناسب مع أنواع الصناعات التى تسعى مصر لتوطينها وتحقيق ميزة تنافسية بها، وحل مشكلات منظومة النافذة الواحدة التى تم البدء فى تنفيذها بمصلحة الجمارك، والتى لم تحل مشكلة تأخر مدة الإفراج الجمركى، وربطها بجميع الجهات المتعاملة مع الجمرك، وتطوير منظومة النقل البرى والاستفادة من السكك الحديدية فى عملية نقل البضائع.
من جانب آخر ــ وبعد التعديل التشريعى لقانون الاستثمار بتكليف هيئة الاستثمار باحتساب قيمة الاستثمار الأجنبى المباشر ــ يجب إعادة احتساب قيمة الاستثمار الأجنبى المباشر من خلال منهج جديد؛ فبعض الاستثمارات الأجنبية يتم إدراجها بشكل خاطئ ضمن استثمارات الحافظة (PI) لأن مساهمتها تمثل أقل من 10% من رأسمال الشركة المستثمر فيها، ولكن عند أخذ عوامل أخرى فى الاعتبار مثل القوة التصويتية للمساهم أو وجود علاقة بين اثنين أو أكثر من المساهمين الأجانب، نجد أن تلك الاستثمارات تستوفى تعريف الاستثمار الأجنبى المباشر.
كما أن بعض القروض الممنوحة من قبل الشركة الأم أو الشركات الشقيقة للمساهم الأجنبى لا تظهر ضمن تدفقات الاستثمار الأجنبى المباشر وذلك لأنها لا يتم تحويلها بشكل مباشر من خلال النظام البنكى. مثال على ذلك الآلات ومستخدمات الإنتاج المستورة التى تقوم الشركة الأم أو إحدى الشركات الشقيقية بسداد تكاليفها، ذلك بالإضافة إلى أن الأرباح المعاد استثمارها لا يتم إدراجها ضمن تدفقات الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلا فى حال قيام الشركة بزيادة رأسمالها باستخدام تلك الأرباح، اما الأرباح المحتجزة والتى تظهر فى حقوق الملكية للمساهمين فلا تأخذ فى الاعتبار عند حساب تدفقات الاستثمار الأجنبى المباشر.
يجب الأخذ فى الاعتبار أن المشروعات الجديدة غالبا تنفذ على فترات تتراوح ما بين سنتين إلى أربع سنوات أو على فترات أطول من ذلك، لذا فالاستثمارات الحالية قابلة للزيادة بقيم أعلى خلال السنوات التالية خاصة فى ضوء تحسن مناخ الاستثمار فى ضوء الجهود التى تبذل فى سبيل ذلك.

محسن عادل خبير اقتصادى
التعليقات