عم زكي الطنطاوي - حسام السكرى - بوابة الشروق
الجمعة 14 مايو 2021 9:48 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما رأيك بمستوى الدراما الرمضانية حتى الآن؟


عم زكي الطنطاوي

نشر فى : السبت 16 فبراير 2019 - 11:30 م | آخر تحديث : السبت 16 فبراير 2019 - 11:30 م

التقيته منذ زمن بعيد. في سنة الجامعة الأولى قررت أن أدرس الألمانية. وفي الحصة الأولى وجدته. عم زكي كما كنا نعرفه كان موظفا متقاعدا تجاوز الستين. فشلت وقتها في أن أفهم دافعه للاستيقاظ في الخامسة كل صباح واستقلال القطار من طنطا حتى القاهرة ليجلس معنا لتعلم الألمانية. لم يكن يتعلم لغرض وإنما هو التعلم لمتعة التعلم.

تذكرته عندما قررت التمرد على حلقة مفرغة دخلتها منذ سنوات طويلة. فبمجرد دخولي عالم الصحافة والإعلام توقفت عن الرسم الذي احترفته في شبابي وكان من أكثر ما يدخل السعادة على نفسي. ارتفع الحاجز بيني وبين الرسم عبر السنين، وأصبحت أخشى الإمساك بالورقة والقلم. كان شعورا مضنيا بالرغبة والعجز في آن واحد. وهو ما دفعني لاتخاذ قرار فوري بالالتحاق بأي مدرسة لتعلم الرسم ليكون هناك التزام وحتى أجد مدرسا يرغمني على "عمل الواجب".

بحثت عن المتاح فلم أجد إلا كورسا للمبتدئين. سمعت صوتا في عقلي يقول "ليس هذا مقامك". وجهت له ضربة قاضية لأنني أعلم أن التردد يعني التسويف والنسيان. سجلت في الكورس وذهبت إلى مركز تعليم الرسم وأنا أقدم رجلا وأؤخر أخرى.

جلست مع غيري من شباب وفتيات الدارسين في انتظار المدرس. كنت على وشك تبادل الحديث مع جارتي فإذا بها تقول بشكل عفوي "ممكن يا عمو تحرك الكرسي بتاعك شوية؟". حركت الكرسي وخرجت من الفصل لأسأل موظفة الاستقبال: هل يمكنني تغيير الفصل لاحقا إذا تبين أن مستوى أدائي يختلف عن المجموعة؟ ابتسمت الموظفة في إشفاق وقالت: للأسف ده كورس مبتدئين ومفيش حاجة أقل من كده. لحقني المدرس وطمأنني: "ما تقلقش حضرتك. فيه ناس معانا ما بتعرفش ترسم دايرة حتى." ابتسمت وقلت لنفسي كفاك غرورا. تواضع واجلس مع زملائك من الشباب كما جلس عمك زكي.

بدأ الدرس وتبين لي أن هناك الكثير مما لا أعلمه عن الأساسيات: الطريقة الصحيحة للإمساك بالقلم، وضعية لوح الرسم، استعمال "أستيكة الفحم" المطاطة التي لم أرها من قبل.
بعد بعض التدريبات وقف المدرس إلى جواري وسألني:
- حضرتك أخدت كورسات رسم قبل كده؟
فأجبته صادقا بالنفي. وبعد تدريب آخر:
- حضرتك درست منظور؟
- لا والله دي أول مرة.
بالقرب من نهاية الحصة تساءل مداعبا:
- حضرتك جاي تشتغلنا؟ هو حضرتك رسام؟

لحظتها مر بخاطري كثير مما كدت أنساه: عملي كرسام في مصر قبل سفري للخارج، رسومي المنشورة في صحف فنلندا وألمانيا، معارضي الفردية في هلسنكي وبرلين ولندن، المعارض الجماعية التي شاركت فيها في كندا وبلغاريا واليابان، أعمالي المحفوظة في أرشيف البصريات Die Landesbildstell في برلين، الكتاب الذي كلفت من معهد جوتة برسمه في مناسبة يوبيل المعهد الماسي في برلين. طردت الذكرياتي وأجبته:

- كنت باحب ارسم زمان بس للأسف لي فترة طويلة ما رسمتش، والحقيقة أنا ممتن جدا اني اتعلمت النهاردة حاجات كتير ما كنتش اعرفها.

الأسابيع التالية كانت متعة ما بعدها متعة. تخلصت من رهبة الرسم واستعدت شغفا كان يؤرقني نسيانه.

أدركت، وهنا حكمة المقال وخلاصته، عبثية ما أسمعه دائما من أصدقاء: "كنت بارسم حلو وانا صغير"، "كان نفسي اتعلم موسيقى"، "باحب الرقص بس مفيش وقت".
هناك دائما وقت. لا تضيعه في التشكي من الملل أو من قسوة الحياة. ابحث عما يمتعك.

اجعله الأساس والأولوية، وابن التزاماتك حوله وليس العكس.
لا تتردد. لا تؤجل.
استعد شغفك.
كن مثل عم زكي.

التعليقات