التَّبَجُّح - بسمة عبد العزيز - بوابة الشروق
الجمعة 3 ديسمبر 2021 10:07 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد قرار الفنان هاني شاكر نقيب المهن الموسيقية بمنع 19 من مطربي المهرجانات من الغناء؟

التَّبَجُّح

نشر فى : الجمعة 16 يونيو 2017 - 9:10 م | آخر تحديث : الجمعة 16 يونيو 2017 - 9:10 م
عرفت سيدة خفيفة الظلّ، تعلَّمت القيادة فى أواسط العمر وابتاعت سيارة مُستعمَلة وراحت تجوب بها شوارع القاهرة المُريعة بلا تدريب كافٍ، وكذلك بلا قلق أو حذر. حكت صديقة مُشتركة صحبتها فى نزهة ذات مرة، أن السيدة ولم يكن قد مضى عليها كسائقة سوى أسابيع معدودة، صعدت مَطلَع أحد الكبارى عن طريق الخطأ، ولأنها لم تكن بعد خبيرة فى الطرقات ولا قادرة على تبديل المسار، قررت فى التوّ واللحظة أن تستدرك خطأها وتصححه، فعادت إلى الوراء تبغى النزول بينما السيارات المُسرِعة القادمة فى الاتجاه السليم تضرب أبواقا ساخطة، وبعض راكبيها يسخرون مِن السائقة المُستجدّة، والبعض الآخر يقذف بسيلٍ مِن الشتائم يصلها عبر النافذة المفتوحة. هل فزعت السيدة؟ لا. هل أسقط فى يدها فتوقفت بمكانها؟ لا. أخرجت رأسها مِن النافذة وراحت تصرخ مُمتَعِضَة: «ولا واحد فيكم عنده دم، مش شايفين أنى راجعة بظهرى؟».
تعاودنى الحكاية من حين لآخر. أضحك منها كلما صادفت موقفا فيه من «البجاحة» ما يفوق الحدود. لا نهاية للقطات مشابهة ترتبط ارتباطا وثيقا بحركة السير والمرور وحوادثه ومآسيه. لا نهاية أيضا لمواقف تمرّ بنا كل يوم تقريبا، نكون عليها شهودا أو نتابعها فى وسائل الإعلام من بعيد، ونردد سرا أو علنا: بجاحة مُنقطِعة النظير.
***

عادة ما نستخدم فعل التبجُّح فى الإشارة إلى شخص يرتكب خطأ ما، فلا يتوارى عن الأعين ولا يتجنب أن يراه الناس، بل يجهر بما ارتكب ويعلنه على الملأ غير عابئ بما قد يلقاه مِن لوم وبما قد يُوصَف به من أوصاف لا تسرّ، بل ويتمسك بأنه على حق. التوصيف الشعبى لهذا المسلك قد يستخدم تعبير «وجهه مكشوف»، أو «عينه قوية» كناية عن غياب الخجل المُستحَق فى موقف مشهود. قد تتزامل مفردتا «البجاحة» و«الصفاقة»، فتؤكدان الوصف وتدعم كل منهما الأخرى وإن بدت الثانية على لسان قائلها أقوى ذما للموصوف.
سرت وراء الكلمتين خطوات فوجدت أن المعنى الأصلى للتبجُّح ومشتقاته هو المُباهاة والتفاخُر، وفى لسان العرب يقال إن فلان يَتَبَجَّحُ ويَتَمَجَّح أَى يفتخر ويباهى بشىءٍ ما، أما الصَفْق فهو اللهو واللعب، وربما استُقىَ من الكلمة وصفُ «صفيق» ليدلل على الشخص اللاهى أو العابث، وفى قول آخر؛ صَفَقَهم من بلد إِلى بلد أَى أَخرجهم منه قَهرا وذُلا.
***
ثمّة مسافة بين استخدامنا اليومى للكلمتين وما نقصده حين نلفظهما، وبين معنييهما الأصليين واستخداماتهما السابقة على عصرنا، شأنهما شأن كلمات كثيرة نستعملها فى حديثنا ونُسكِنها فى غير موضعها.
تواترت الكلمتان على ذهنى خلال الأيام القليلة الماضية؛ مرات وأنا أتابع رئيس الولايات المتحدة الأمريكية يكذب ويعيد الكذبة، ثم يغرد كذبة بعد كذبة ويتباهى بفِعله ويفتخر، ومرات أخرى وأنا أتابع جلسات مَجلِس الشعب التى انعقدت لنظرِ الاتفاقية المُهينة الداعية لتنازُل مصر عن جزء مِن أرضها لدولة مِن دول الجوار وبعض الأعضاء يلوحون بأيديهم ويهتفون: «سعودية»، بينما محطات الإذاعة والتلفزيون التابعة للنظام تطلق علينا إعلاناتها لتُسَوِّق الاتفاقية، وتُروِّج لنزع الجنسية المصرية عن جزيرتى تيران وصنافير، فتنافس بإلحاحها حملات التبرعات؛ هكذا، بلا خجل ولا مُواراة ولا استتار. كررت الكلمتين بينى وبين نفسى وأنا أقرأ عن رئيس مجلس الشعب الذى انبرى يزهو بعدم اعتداده بأحكام القضاء، وتذكَّرت الاتهامات التى حُوكِم بها صحفيون ومُعارضون وسُجِنوا على خلفية «إهانة» القضاء.
***
حضرتنى الكلمتان فى مناسبات عدة سابقة، ولم يكن أنسب منهما فى أبجديتى وحصيلتى من المفردات، وميلى إلى التوصيف دون الانجراف إلى ما قد يُعَدُّ مِن السُباب. رددت بهما وأنا أقرأ عن زيارة بعض المسئولين للسجون التى يعانى نزلاؤها أشدّ المعاناة، وعن إشادتهم بجمالها ومباهاتهم بنظافتها، ومقارنتهم لها بالفنادق ذات الخمس نجوم، رددت بالكلمتين أيضا مع تكرار إصابة مُعارضى النظام بطلقات رصاص أو خرطوش وتأكيدات المسئولين أن قوات الأمن ليست مُسلحة، فيما الطبّ الشرعى يثبت العكس، وأعين الناس شاهدة على الحقيقة. اعترفت لنفسى فى المناسبتين بأن الوصف لا يعادل حقيقة الموصوف.
يبدو أن الكلمتين لا تكفيان لوصف ما يشعر به عديد الناس تجاه الخطوب التى نمر بها أجمعون، البعض يختار الصمت والبعض يخترع ويبتدع ويشتقّ ألفاظا تستجيب إلى حاجته المتزايدة لإشفاء الغليل، كلٌ يبحث عما ينفث به عن غضبه وقد صارت تفاصيل الحياة من أدقّها إلى أضخمها مَغمُوسة بالبجاحة، مَعجُونة بالصفاقة، باعثة على الاشمئزاز إلى أقصى الحدود.

 

بسمة عبد العزيز طبيبة وكاتبة
التعليقات