توفيق الحكيم وعودة الوعي! ــ (7) - رجائي عطية - بوابة الشروق
الأربعاء 20 نوفمبر 2019 7:19 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على سن قانون جديد لمكافحة الشائعات وتشديد عقوبة مروجيها؟

توفيق الحكيم وعودة الوعي! ــ (7)

نشر فى : الأربعاء 16 أكتوبر 2019 - 9:25 م | آخر تحديث : الأربعاء 16 أكتوبر 2019 - 9:25 م

تتبع الأستاذ توفيق الحكيم، الفرحة التى عمت البلاد، وغمرته شخصيا، حين طالعتهم أنباء حركة الضباط يوم الأربعاء 23 يولية 1952، ومغادرة الملك فاروق للبلاد يوم السبت 26 يولية 1952، وأنه إذ تطلعت البلاد ــ وتطلع ــ إلى السادة الجدد، فاستبان أنه غير معروف عنهم شيئًا، فيما عدا رئيسهم اللواء محمد نجيب الذى تردد اسمه فى الشهور الأخيرة، وتصدر بيانات الحركة باسمه فى الصحف والإذاعة، وقيل إنه يتمتع بحب ضباط الجيش، ورشحوه لرئاسة ناديهم، فعارض الملك وأبعده ورشح غيره من رجاله المقربين (زوج اخته)، ولكن محمد نجيب ظل محبوبًا من الضباط الشبان، إلى أن ظهر على رأسهم فى هذه الحركة التى أدت إلى طرد الملك.

وإذ استتب الأمر، بدا أن من رأى « اللواء محمد نجيب » أن الجيش لا يحكم، ولا ينبغى له، وعليه أن يترك حكم البلاد لأهلها بالطريقة الدستورية، وأن يعود الجيش إلى ثكناته ويراقب الأمور عن كثب، وقيل إنه اتصل بزعيم حزب الأغلبية «مصطفى النحاس» وإنه قد سمعت محادثات تليفونية بينهما، فوقعت الجفوة بين اللواء الرئيس وزملائه الضباط الشبان.

الضباط و«بجماليون»
يذكر الأستاذ توفيق الحكيم أن صديقًا من الصحفيين اللامعين المتصلين بالضباط اتصالا وثيقًا، نقل إليه «أنهم يقولون إن الأمر يشبه مسرحيتك عن «بجماليون»، ويقصدون بذلك أنهم هم الذين صنعوا «محمد نجيب» التمثال الذى يقدم للناس على أنه رأس الحركة، وأقاموه تمثالا فوق قاعدة الحركة، ولكنه وقد استقر فى أعين الناس، نسى أنه مجرد تمثال، وأخذ يتصرف برأيه فى مستقبل البلد السياسى، فتذكروا تمثال «بجماليون».

ولكن السؤال الذى يطرحه الأستاذ الحكيم، هل كان فى تدبيرهم من أول الأمر التخلص من «محمد نجيب» بعد الانتهاء من مهمته، أم أن الحوادث اضطرتهم إلى ذلك؟

قيل ــ فيما يعقب الأستاذ توفيق الحكيم: «إن بعض لواءات الجيش والسياسيين قد نصحوا «محمد نجيب» بأن يبادر بالتخلص من هؤلاء الشبان المتهوسين، ولكنهم هم كانوا أسبق منه، فتغدوا به قبل أن يتعشى بهم.. وقيل أيضًا ــ ولست أدرى أحقيقة هى أم إشاعة ــ إن تأييد السودان لمحمد نجيب وزعامته كان عظيمًا، فأمه سودانية، وإن السودانيين كانوا على استعداد للوحدة مع مصر بزعامة «محمد نجيب»، وإذا تم ذلك فمعناه الاستقرار النهائى لحكم «نجيب» والقضاء على فكرة إقصائه والتخلص منه. ولذلك قيل أيضًا ــ والعهدة على الراوى أو الرواة ــ إن الضباط الأحرار أسرعوا وأوفدوا مَنْ ذهب إلى السودان للعمل على عرقلة هذه الوحدة».

ثورة ضد الدستور.. لكن ماذا حدث للدستور القائم فى مصر وقتئذ؟

يجيب الأستاذ توفيق الحكيم بأنه قيل له: «إن حركة الضباط بعد أن نجحت فى طرد «الملك فاروق»، حصلت منه على وثيقة النزول عن العرش، تلك الوثيقة التى ذهب وقدمها إليه فى قصره بالمنتزه وكيل مجلس الدولة «سليمان حافظ»، كان على الضباط الأحرار أن يسيروا فى إجراءات الوصاية على العرش، وهى إجراءات منصوص عليها فى الدستور. وقيل أيضًا إن زعيم حزب الأغلبية «النحاس باشا» اتفق معهم على كل هذه الإجراءات الدستورية بما فيها دعوة مجلس النواب المنحل لتعرض عليه أسماء الأوصياء طبقا لأحكام الدستور، ثم تتخذ الإجراءات لإجراء انتخابات جديدة.. ولكن «سليمان حافظ» ــ هو أيضا من أعداء الوفد ــ ألقى فى نفوسهم الخوف من ذلك، وقال لهم إن الانتخابات الحرة ستسفر حتمًا عن برلمان وفدى، ومن أدراكم أن هذا البرلمان سيؤيدكم؟.. ثم أشار عليهم بإهمال هذا الدستور، وأفتى لهم بأن من حقهم إصدار القوانين دون برلمان، لأنهم قاموا بثورة، والثورة معناها إلغاء ما قبلها من أوضاع.. وهكذا أطلق على حركة 23 يولية اسم «الثورة» بعد أن كان اسمها «الحركة»، ولحبِّنا لها سميت «الحركة المباركة». وقام بعض أساتذة الجامعة يؤكدون وصف «الثورة»، ويؤيدون حقها المطلق فى إصدار القوانين».
ويتساءل الأستاذ توفيق الحكيم ــ بغض النظر عن اعتراض بعض فقهاء القانون الدستورى على توصيف الحركة بأنها ثورة ــ يتساءل عن موقف المفكرين من ذلك، وتحديدًا أين كان هو المحب لحرية الرأى.

يقصر الأستاذ الحكيم الكلام على نفسه ومشاعره، فيقول: «لم أشعر قَطّ بضيق. على العكس كنت مستبشرًا بقدوم هؤلاء الشبان، مبهورًا بما قاموا به من طرد مَلِك ما كان أحد يخطر بباله أن يُطرد بهذه السهولة.. أما الحياة الدستورية التى ضاعت، فلم نلتفت إلى خطورة ضياعها فى ذلك الوقت؛ لأننا كنا خارجين من مرحلة فَقَد فيها الدستور قدسيته، وأُفْسِدت فيه الديمقراطية إفسادًا جعل منها مطية للانتهازيين ووسيلة للمستوزرين، مما كنت قد ذكرته فى كتابى «شجرة الحكم»؛ فقد سبق أن ذكرت فيه رأيى الذى أذعته عام 1938 وهو أن النظام البرلمانى كما يطبق فى مصر هو الأداة الصالحة لتخريج الحكام غير الصالحين، وأن البرلمان كف عن مراقبة أعمال الحكومة بالمعنى الحقيقى.. وأن على البيت والمدرسة الإكثار من تذكير الشباب بالمُثل العليا، وأن يقنعاه بأنه هو المنوط به يومًا إصلاح كل هذا الفساد وإحداث الثورة المباركة التى تقيم الوطن على أقدام الصحة والقوة والنظام. بهذه الألفاظ بالنص كتبت قبل ثورة 1952 بأعوام طويلة، فلا عجب إذن أن أرحب بهذه الثورة، ولا أفجع لضياع الدستور. إذن هذه مسئوليتى.. وإذا كان الدستور قد ضاع بنصيحة ذوى الأحقاد والأغراض، فهذه لم تكن المرة الأولى؛ فقد سبق للدستور أن انتُهك بنصيحة كهذه يوم اعتلى فاروق العرش، وباشر وهو شاب صغير برىء سلطاته الدستورية. ولم يخطر فى باله أن دستور البلاد يمكن أن يُنتهك، ولكن بعض مستشاريه والناصحين له، والمقربين إليه من رجال القصر مـن أمثال «على ماهر» و«أحمد حسنين»، أرادوا أن يحولوه من ملك دستورى إلى حاكم مطلق، ليحكموا هم من خلفه، فأفهموه أنه هو فوق الدستور، وأن عليه أن ينتهز أول فرصة لإفهام الناس أنه الحاكم القوى، واختاروا له هذه الفرصة يوم جاءت الانتخابات بالنحاس زعيمًا للأغلبية، وتقدم بكشف تشكيل الوزارة، فأشاروا على الملك أن يرفض بعض الأسماء ويبدل ويعدل فى الكشف المقدم. وكانت هذه المخالفة الدستورية فاتحة عهد تحطمت فيه كل حياة ديمقراطية صحيحة!».

ولكن الأستاذ توفيق الحكيم بدأ يخالجه الخوف بسبب دستورنا الضائع ؛ مبديًا أن المبادئ بذاتها ليست بذات قيمة فى نظره بغير الأشخاص الذين يطبقونها بإخلاص، ويؤمنون بها ويحرصون عليها.

وأضاف قائلا: «لقد كانت عندنا مبادئ ودساتير فى أيدى أشخاص يتلاعبون بها لمنافعهم وأغراضهم، وما كنا نحلم به وننتظره دائمًا هو ظهور الأشخاص المخلصين. وهؤلاء الضباط الشبان بدوا لنا ــ ولى أنا على الأخص ــ أنهم جاءوا مخلصين لإصلاح البلد؛ فقد أعلنوا فى شجاعة ما كنا ننادى به ولا نجد الأذن الصاغية. بادروا بإلغاء الألقاب، ولطالما كتبنا ونشرنا نسخر منها. وفى كتابى «تحت شمس الفكر» مقال بعنوان «كادر المقامات»، أسخر فيه من ألقاب «صاحب الرفعة» و«صاحب الدولة» و«صاحب المعالى» و«صاحب السعادة» و«صاحب العزة»، وغير ذلك مما يثير الابتسام عندما نتذكر رجلا مثل «تشرشل» الذى يومئذ كان يهز العالم ولا يحمل إلاَّ لقب «مستر».. الذى يحمله سائق سيارته! هذا ما جاء فى ذلك الكتاب، كما جاء فيه أيضًا ضرورة إلغاء «الطرابيش»، ثم تحديد المِلْكية.. وقد طالبنا به أيضًا، فقد تقدم نائب فى البرلمان السابق بهذا المطلب فلم يلتفت إليه بالطبع أحد. فلما علمت بخبر العزم الجاد على تحديد المِلْكية الزراعية، تلقيت الخبر بحماس».

Email:rattia2@hotmail.com
www. ragai2009.com

التعليقات