إسقاط القناع عن رأسمالية «التكتلات» فى الهند - مواقع عالمية - بوابة الشروق
السبت 22 يونيو 2024 11:16 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد دعوات مقاطعة بعض المطاعم التي ثبت دعمها لجنود الاحتلال؟

إسقاط القناع عن رأسمالية «التكتلات» فى الهند

نشر فى : الجمعة 17 فبراير 2023 - 7:55 م | آخر تحديث : الجمعة 17 فبراير 2023 - 7:55 م
نشر موقع Project Syndicate مقالا للكاتب براناب باردهان يقول فيه إن واقعة اتهام الملياردير الهندى جوتام أدانى بالاحتيال والتلاعب فى الأسهم التى أطلقتها شركة «هندنبيرج ريسيرش» نبذة عن مرض متفشٍ فى النظام الاقتصادى الهندى، إذ يعانى الاقتصاد الهندى من هيمنة شريحة صغيرة من رجال الأعمال على الاقتصاد، مما يؤدى إلى انخفاض إجمالى الاستثمارات وارتفاع معدلات البطالة... نعرض من المقال ما يلى:
دهشة عظيمة أصابت كثيرين فى الأوساط المالية جراء ادعاءات الاحتيال المحاسبى والتلاعب فى الأسهم التى أطلقتها شركة «هندنبيرج ريسيرش» ــ وهى شركة متخصصة فى عمليات البيع على المكشوف مقرها نيويورك ــ ضد الملياردير الهندى جوتام أدانى. تشكل هذه الواقعة مراجعة ضرورية للوقائع وكشف الحقائق أمام أولئك الذين يتوقعون سطوع نجم الهند بصورة أقوى فى سماء الاقتصاد العالمى مع أفول نجم الصين.
ألقت تلك الادعاءات الضوء على المشكلات العامة التى تنخر فى عظام الاقتصاد الهندى ويتجاهلها الجميع فى الغالب، خاصة فجوات التفاوت الشديدة الاتساع وهيمنة عدد محدود من الشركات على السوق، إذ تستأثر شريحة صغيرة من الاقتصاد بإنتاج السلع التى تتطلب رءوس أموال ومهارات كثيفة لتلبية مطالب الأثرياء، بينما تعانى معظم القطاعات الأخرى فى العموم من نقص الطلب وضعف الإنتاجية، مما أسفر عن انخفاض إجمالى الاستثمارات وارتفاع البطالة.
تتركز الثروة الاقتصادية فى الهند فى أيدى قلة قليلة من تكتلات الشركات. وبحسب تقديرات شركة Marcellus Investment Managers، حققت أعلى 20 شركة ربحا فى الهند 14% من إجمالى أرباح الشركات فى عام 1990، و30% عام 2010، و70% عام 2019. وتشير غالبية الأدلة إلى أن تزايد الربح كان راجعا إلى النفوذ السوقى وليس الابتكار أو مكاسب الإنتاجية الكبيرة، بينما يعتبر بعض المعلقين هذا الشكل من عدم المساواة بين الشركات عاملا أساسيا للانفصال الواقع بين سوق الأسهم الهندية والاقتصاد الحقيقى.
ربما يزعم بعض المراقبين أن الشركات الأعلى ربحا لم تعد كما كانت فى الماضى ــ حيث حدثت هزة بنيوية عنيفة وكبيرة فى العقدين الأولين التاليين لبدء التحرر الاقتصادى عام 1991. فقد تنامى رأس المال الإقليمى بصورة ملحوظة، لا سيما فى الولايات الجنوبية والغربية، وازدادت حدة المنافسة بين مجموعات الأعمال الجديدة. وتزامن هذا التطور مع صعود أحزاب سياسية إقليمية قوية أدت دورا حاسما بشكل متزايد فى الحكومات الائتلافية.
لكن بعد ما حدث فى عام 2014 من العودة إلى نظام الحزب الواحد المهيمن، بقيادة رئيس الوزراء نارِندرا مودى، أفضى التداخل بين مجالى الأعمال والسياسة إلى ظهور رأسمالية «التكتلات». فتجد فى معظم القطاعات تكتلين فاعلين، أو ثلاثة تكتلات على الأكثر، يسيطران على حصة سوقية مجتمعة تزيد على 50%، بينما تحول سياسات الحماية دون تمكين المنافسة الأجنبية.
• • •
يمثل هذا الوضع حالة نموذجية من رأسمالية المحسوبية، فى ظل قصر الامتيازات والإعفاءات التنظيمية الخاصة فى الغالب على عدد مختار من الشركات الكبرى. وفى بعض الحالات جرى تغيير القوانين والقواعد الأساسية فى خضم المنافسة لمحاباة رجال أعمال ذوى صلات سياسية. بدا ذلك جليا فى الظهور المباغت لمجموعة أدانى وبروزها فى غضون أشهر قليلة كأكبر جهة مُشغِّلة ومالكة تجارية للمطارات رغم افتقادها الخبرة فى هذا المجال. وساعد على صعود أدانى تخفيف وإرخاء القواعد التنظيمية التى كانت موجودة سلفا فضلا عن تهديدات مبطنة وجهتها أجهزة الاستقصاء الحكومية إلى منافسيه فى مجال الأعمال.
بعد تقديم شكاوى بشأن تورط شركة ريليانس جيو (التى يديرها رجل أعمال آخر واسع الثراء وهو موكيش أمبانى) فى ممارسات تسعيرية نَـهّـابة فى قطاع الاتصالات، إذ سارعت هيئة تنظيم الاتصالات الهندية بتعديل القواعد التى كانت قائمة: فلا مخالفة طالما ليس هناك ضرر متعمد. بالمثل، عدّلت وزارة التجارة والصناعة اللوائح المنظِّمة للمناطق الاقتصادية الخاصة لمصلحة محطة لتوليد الكهرباء تعمل بالفحم يمتلكها أدانى فى جودا، واُغفلت الضوابط البيئية من أجل مناجم أدانى. بل يمكن للشركات ذات الحظوة المثقلة بالديون زيادة رأسمالها بسهولة عبر الاكتتاب المحلى أو الأجنبى بفضل صلاتها السياسية التى تيسر موافقات الجهات الرقابية وتوفر «ضمانا سياديا ضمنيا».
يغلب على الصناعات التى يعمل فيها الرأسماليون المحاسيب إنتاج سلع غير قابلة للتداول، أو أنها صناعات خاضعة لضوابط شديدة، ما يعنى أن الحصول على المحاباة الحكومية أهم كثيرا من النجاح فى الأسواق الخارجية (وهذا هو الفارق الرئيسى بين تكتلات الشركات فى الهند وغيرها فى دول أخرى مثل كوريا الجنوبية). لذا، ليس من المستغرب أن يعجز أقطاب الأعمال فى الهند عن تقديم منتج عالمى فريد واحد: فهم أسعد بالانغماس فى الصناعات التى تدر فى الغالب ريعا كبيرا.
لم يزد الوقتُ المشكلةَ إلا سوءا. فبحسب ما نشرته مجلة الإيكونيميست، ارتفع نصيب الهند فى ثروات أصحاب المليارات المتولدة من قطاعات المحسوبية من 29% إلى 43% بين عامى 2016 و2021. ازداد صافى قيمة ثروة جوتام أدانى وحده بمقدار أربعة عشر ضعفا تقريبا منذ عام 2014 وحتى وقت تفجر الفضيحة الأخيرة.
فى السنوات الأخيرة، أسقطت بنوك القطاع العام قدرا هائلا من الديون، وسرق كثير من «المتخلفين عن السداد عمدا» من الكبار تلك البنوك دون عقاب (بفضل الصلة بين دوائر الأعمال والسياسة والصناعة المالية). كما قوضت الحكومة أيضا قانون الإعسار والإفلاس ــ الذى قوبل بإشادة كبيرة عند استنانه عام 2016 كتشريع يمثل تحولا جذريا ــ كى تحتفظ لنفسها بالقدرة على التدخل وإرخاء القواعد التنظيمية بصورة انتقائية لصالح بعض المدينين (هنا تشير التقارير إلى استقالة محافظ البنك المركزى الهندى اعتراضا على مثل تلك الأفعال).
• • •
حتى الآن، لا تزال وتيرة استرداد القروض بموجب قانون الإعسار والإفلاس منخفضة بشكل غير معقول ــ فالنظام بأكمله يتلاعب به أصحاب الصلات السياسية القوية بصورة وقحة ــ حيث تُسوف الأحكام القضائية فى أغلب الأحوال بسبب مراوغات المقترضين المتخلفين عن سداد ديونهم، رغم مواصلتهم تجريد الشركات من أصولها. على أية حال، تتسم المعايير المحاسبية والرقابية فى قطاع الشركات الهندى بقدر كبير من التراخى فى عموم الأمر، حتى أن بعض المراقبين يزعمون أن نصف الشركات المدرجة فى سوق الأوراق المالية تقريبا لديها مشاكل محاسبية.
تكافئ رأسمالية المحسوبية حزب بهاراتيا جاناتا الحاكم بسخاء. فقد وُصفت السندات الانتخابية، التى طُرحت عام 2017، بأنها وسيلة لزيادة الشفافية والمساءلة، لكنها فعلت العكس تماما، حيث أتاحت تدفق مبالغ طائلة ــ دون أى قيود أو متطلبات تتعلق بالإفصاح ــ من مجموعة صغيرة من تكتلات الشركات لصالح حزب بهاراتيا جاناتا. ورغم بقاء هوية الشركات المتبرعة مجهولة بالنسبة للعامة، فإن إصدار السندات من قِبل بنك الدولة الهندى يعنى معرفة البنك ــ وبالتالى الحكومة ــ بهوية من يشترونها. وفى ظل أجواء الخوف السائدة، سيستمر تردد المتبرعين المحتملين من الشركات لأحزاب المعارضة.
لم يعد حزب بهاراتيا جاناتا بحاجة لجمع الأموال من خليط متنافر من صغار المتبرعين ــ أعنى تجار الخمور أو بارونات صناعة السكر أو أقطاب العقارات أو مقاولى الإنشاءات ــ كما كانت الأحزاب الإقليمية تفعل فى السابق. فكل ما يحتاجه الحزب الحاكم الآن مد أياديه بالامتيازات لمحاباة الشركات الكبرى فى البلاد التى تكافئ ذلك بصب أموال سخية فى تلك الأيادى.
كما تمتلك بعض هذه المؤسسات شركات إعلامية تعمل بشكل مؤثر كأبواق للحكومة ومراكز للهتاف لها مقابل تدفق مستمر للعائدات من الإعلانات العامة. وقد كان من أوقح التحركات التى قامت بها مجموعة أدانى فى هذا الصدد استحواذها الجبرى على قناة NDTV الإخبارية الهندية المستقلة.
لقد أشعلت فضيحة أدانى عاصفة إعلامية نارية مؤطَّرة برواية عن مواجهة غير متكافئة بين حمل وذئب. (تجدر الإشارة هنا إلى أن كثيرا من المعلومات المكتشفة كانت معروفة بالفعل للصحفيين الاستقصائيين فى الهند، الذين لُوحقوا بالدعاوى القضائية لسنوات). لكن ينبغى للمؤسسات المالية العالمية والمستثمرين أن يدركوا أن جوتام أدانى ليس إلا مجرد عرض لمرض متفش. وعلى الأرجح ستعمد القلة الثرية المجسِّدة لرأسمالية المحسوبية إلى إبقاء معظم أجزاء الاقتصاد عالقة فى مستنقع الإنتاجية المنخفضة لوقت ليس بقصير.

النص الأصلى

التعليقات