بلدان فى مراحل انتقالية - العالم يفكر - بوابة الشروق
الجمعة 5 مارس 2021 10:26 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد سن قانون يلزم بتحديد النسل لحل مشكلة الزيادة السكانية؟

بلدان فى مراحل انتقالية

نشر فى : السبت 18 أكتوبر 2014 - 12:30 م | آخر تحديث : السبت 18 أكتوبر 2014 - 12:30 م

نشرت مبادرة الإصلاح العربى ورقة بحثية لجافين كاوثرا، مدير مركز إدارة الدفاع والأمن فى جامعة ويتواترسراند، جنوب إفريقيا، تتناول الورقة وقائع الانتقال الديمقراطى فى جنوب إفريقيا. ويشير الكاتب إلى أن هذه التجربة هى واحدة من أقدم وأنجح التجارب على صعيد الانتقال الديمقراطى وإصلاح القطاع الأمنى، ومنها استقت بعض الدول الغربية نظرياتها حول عملية إصلاح القطاع الأمنى. وأهم ما جاء فى الورقة؛ أن عملية الانتقال إلى الديمقراطية شقّت جذورها فى تاريخ ذلك البلد الممتّد على نحو ثلاثمائة عام من الاستعمار ونحو خمسين عام من الهيمنة العنصرية الرسمية فى ظل نظام الفصل العنصرى (الأبارتيد). وقد كانت عملية الانتقال إلى الديمقراطية فى جنوب إفريقيا بمثابة انتصار سياسى لا عسكرى لحراك تحررى مسلح مثله المؤتمر الوطنى الإفريقى، لكن هذا الانتصار تّم من خلال مسار طويل من المفاوضات والتسويات التى أديرت فى معظمها من قِبَل أطراف داخلية.

•••

وأوضح كاوثرا أنه لا يمكن وصف ما حدث فى جنوب إفريقيا على أنه ثورة، رغم اندلاع حرب أهلية محدودة، حيث سقط نحو 15000 شخص خلال العنف الذى شهدته فترة المفاوضات، إلا أن الانتقال تّم فى سياق استمرارية دستورية. ويمكن النظر إلى أواخر القرن العشرين ومطلع القرن الواحد والعشرين على أنها حقبة انتقالات:

ــ من الحرب إلى السلام (نهاية الحروب الأهلية والصراعات الإقليمية التى شكلت حروبا بالوكالة ارتباطا بتناحر القوى العظمى فى الحرب الباردة).

ــ من الاقتصادات المركزية أو المدارة من جانب القيادات إلى اقتصادات السوق.

ــ والأهم، من الأنظمة السلطوية أو أنظمة الحزب الواحد إلى إدارات ديمقراطية تعّددية فى ظاهرها. شهدت بعض البلدان نوعا واحدا فقط من هذه الانتقالات، بينما شهد البعض الآخر الأنواع الثالثة مجتمعة. وقد سارت قلة فقط من هذه الانتقالات على نحو منتظم، فقد تعرض بعضها للعرقلة بينما انقلب بعضها الآخر ليسير فى الاتجاه المعاكس. ونادرا ما جرى الانتقال على أتّم وجه لتنجم عنه فى هذه الحالة أنظمة شبه ديمقراطية. وبما أن هذه الانتقالات استتبعت حتما إعادة تشكيل للسلطة، فإنها اقترنت بنشوب صراعات. ورغم أن هذه الصراعات لم تكن بالضرورة عنيفة دوما فإن الكثير منها تضمن درجة معينة من العنف. وثمة أدلة حيّة تدعم نظرية «السلام الديمقراطى» التى ضمنت عدم اقتتال الديمقراطيات فيما بينها. لكن هناك أدلة توازيها بالأهمية حول الارتباط الوثيق بين أى عملية انتقال نحو الديمقراطية وبين نشوب الصراعات وأعمال العنف، رغم أن هذه النظرية ليست ناضجة بعد.

وأكد كاوثرا على أن التعميم لا يدوم؛ حيث انطوت كل عملية انتقالية (سواء التى حدثت فى أوروبا الشرقية أو الوسطى أو فى آسيا الوسطى أو فى إفريقيا أو حديثا فى العالم العربى) على مميّزات وتحديات فريدة خاصة بها. كما ترتب على كل منها مستويات مختلفة من التدخل الخارجى. من الصعب القياس على تجربة جنوب إفريقيا، وبالتالى استخلاص العبر فى إصلاح الجانب الأمنى من أجل تطبيقها على بلدان أخرى تشهد عمليات انتقالية. لكن تجربة جنوب إفريقيا كانت واحدة من أقدم وربما أنجح محاولات ما يعرف بإصلاح القطاع الأمنى فى سياق الانتقالات الديمقراطية. وكانت العملية تدعى آنذاك بـ«التحول الأمنى» عوضا عن «الإصلاح الأمنى». وكان مفهوم القطاع الأمنى أو النظام الأمنى الأوحد لا يزال فى مراحله الأولى. ورغم ذلك، فإن بعضا من النظريات الغربية المتداولة حول إصلاح القطاع الأمنى مستقى من تجربة جنوب إفريقيا. إلا أن هذا الأمر لا يُعترف به غالبا. وبالتالى فإن الورقة تقوم بالنظر فى المنهج الأوسع الذى تّم تبنّيه فى جنوب إفريقيا من أجل إصلاح القطاع الأمنى، ومن ثّم النظر فى بعض التحديات التى برزت فى قطاعات تابعة أخرى، وأهمها قطاعات الدفاع والشرطة والاستخبارات.

•••

كذلك استعرض الكاتب بداية عملية الإصلاح، من خلال القرار الذى اتخذه الجنوب أفريقيون بقيادة العملية الانتقالية بأنفسهم، فى ظل الانشغال الدولى بقضايا وملفات أخرى، وعدم رغبة الطرفين بالتدخل الخارجى. ونوه إلى الصعوبات التى واجهتها هذه المرحلة فى ظل وجود «طرف ثالث» لم يكن يرغب بسلمية هذا الانتقال. وتوقف كاوثرا عند الدور الذى لعبه نيلسون مانديلا وحزب المؤتمر الوطنى فى العملية الانتقالية، وصولا إلى اتفاق السلام الوطنى فى عام 1991، ومن ثم قدرة البلاد على إجراء الانتخابات عام 1994 والتى أثمرت عن قيام حكومة وحدة وطنية. وتشرح الورقة الصعوبات التى اعترضت هذه المرحلة والتى استمر بعضها حتى هذا اليوم. منها أجهزة الاستخبارات، المؤسسة الأكثر صعوبة من حيث إمكانية ولوجها وتطبيق الحوكمة وإخضاع كوادرها للمحاسبة. وذلك لأسباب تتعلق فى معظمها بالتزام هذه المؤسسة السرية فى العمل. كما أنها أكثر زوايا الأمن عرضة لسوء الاستخدام السياسى.

•••

وخلصت الورقة إلى أن تجربة الانتقال الديمقراطى وإصلاح القطاع الأمنى كانت موفقة بشكل عام، بينما فشلت فيما يتعلق بوضع المؤسسة العسكرية، وعملية دمج المسلحين، وتحديد مهام الأجهزة الأمنية. وفى الختام أوضح الكاتب أن تجربة جنوب إفريقيا حول إصلاح القطاع الأمنى شكلت مختبرا بالنسبة للبلدان التى تشهد انتقال فى نظام الحكم، إذ كانت الكثير من تجارب ذلك البلد موفقة، بينما لم يحظَ بعضها بالنجاح. وقد سبق كثير مما حدث هناك الإجماع الدولى حول ماهيّة الإصلاح الناجح للقطاع الأمنى. كما أن جل ما حدث كان تقريبا من إنتاج محلى وقادهُ الإفريقيون الجنوبيون أنفسهم، ولو أن أفضل الممارسات الدولية جرى اتباعها عند الضرورة، وهذا على الأرجح هو السبب فى أن تجربة جنوب إفريقيا كانت أكثر نجاحا من تجارب معظم البلدان التى تقوم بالمهمة الشاقة المتمثلة بإصلاح القطاع الأمنى خلال فترة انتقالية، وهو ما اعتدنا على تسميته «تغيير إطارات السيارة بينما هى تسير».

كما أشار الكاتب فى الختام إلى حرص الفاعلين الأساسيين فى العملية الانتقالية على تجنب الحرب الأهلية وإرساء الاستقرار، الذى يسر مهمة تبنى رؤية براجماتية تعاونية فى التعامل مع المخربين والعنف المصاحب للفترة الانتقالية، وهو ما ميز بدوره الانتقال فى هذا البلد. أما المؤتمر الوطنى فقد اظهر نجاحا فيما يتعلق بنقل السلطة وإصلاح المؤسسات الأمنية. ولكن لم تمض الأمور على الوتيرة نفسها من المرونة، فقد نجم عن قرار دمج الجماعات المسلحة بالمؤسسة العسكرية وجود قوات مسلحة مكلفة ومتضخمة. أما الجهود المتعلقة بضمان محاسبة جهاز الشرطة من قبل المجتمعات التى كان يقوم بخدمتها فقد شهدت نجاحا جزئيا. ولكن إجمالا، فلا تزال التجربة الجنوب إفريقية مثالا يحتذى به فى كيفية إدارة الأمن والحد من العنف قدر المستطاع خلال عمليات الانتقال السياسى الشاقة.

التعليقات