على خطى كوريا الجنوبية! - محمد يوسف - بوابة الشروق
الخميس 9 يوليه 2020 12:47 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

على خطى كوريا الجنوبية!

نشر فى : الأحد 18 نوفمبر 2018 - 11:50 م | آخر تحديث : الأحد 18 نوفمبر 2018 - 11:50 م

عندما يفيض المجتمع بسكانه، وتضن الطبيعة بموادها، أو يُساء استخدام ما تتيحه من موارد، تقل فرص التوظف المنتج فى الاقتصاد، وتنتشر البطالة بين أفراد المجتمع، ويصبح تصدير العمالة للخارج حلا سحريا تستهدفه الدولة، ويلهث وراءه مواطنيها.
وتصدير العمالة ليس كباقى أنشطة التصدير؛ لكنه يتشابه معها فقط فى الأثر على أوضاع التوازن فى ميزان المدفوعات. فانتقال العمالة خارج دولة ما، وما يتمخض عنه من تحويلات نقدية داخلة إليها، يزيد المعروض من العملات الأجنبية، ويُعين الدولة على سداد فاتورة وارداتها. غير أن القصة الاقتصادية لا تنتهى بهذه المعادلة الرياضية البسيطة؛ فالنظر لصادرات العمالة على أنها مجرد سلعة تصديرية، والنظر لتحويلات العاملين فى الخارج على أنها مجرد أرقام توازنية لا تنشئ عنها التزامات، يفقد الاقتصاد جزءا مهما من قدراته على النمو، طالما لم يطور من مهارات عماله، وطالما لم يحسن استغلال هذه التحويلات فى صناعة التنمية!
****
حكى لى أحد أصدقائى الخليجيين، أنه فى ثمانينيات القرن الماضى، كان يشاهد بكثرة العمال الكوريين الجنوبيين وهم يعملون فى بلدان الخليج فى مجالات منخفضة ومتوسطة المهارة، فى قطاع العقارات والبنية الأساسية. ولكنه لم يعد يشاهد العمالة الكورية الوافدة هذه الأيام، اللهم إلا فى بعض أروقة الأجهزة الحكومية، كمستشارين متميزين فى أدق التخصصات العلمية والعملية. وفى تعقيبى على هذه الحكاية، أكدت على أنه طالما ظهرت المنتجات الكورية فى الأسواق الدولية، لابد للعمالة الكورية أن تختفى منها.
وبالرغم من البساطة التى يبدو عليها مضمون هذه «الحكاية الخليجية»، فإنها قد عبرت، وبدقة بالغة، عن قضية اقتصادية حازت على جدل ونقاش واسع بين جمهور الاقتصاديين وخبراء التنمية، ودار عليها خلاف شديد بينهم. فبينما يعتقد فريق من هؤلاء الاقتصاديين والخبراء بوجود آثار إيجابية عديدة تترتب على تصدير دولة ما لجزء من عمالتها للخارج، كنتيجة لدور تحويلاتهم المالية فى معالجة قضايا البطالة والفقر، ولدورها الملحوظ فى اشباع الحاجات الأساسية للمحول إليهم، ناهيك عن مساندة هذه التحويلات لقيمة العملة الوطنية؛ فإن فريقا آخر ينظر لهذه الصادرات نظرة اقتصادية يملؤها الشك والريبة فى جدواها الاقتصادية. إذ يرى هذا الفريق أن صادرات العمالة، وما يتمخض عنها من تحويلات، مجرد «عُكّاز ضعيف» يتكئ عليه الاقتصاد، وتساهم بالكاد فى المحافظة على النمو الاقتصادى. ويرون كذلك أن إفراط أى دولة فى الاعتماد على تلك التحويلات، يوقعها فى حلقه مفرغة من الاعتماد على الغير، ومن مخاطر التقلبات الخارجية، ومن زيادة حدة الركود والبطالة؛ ومن ثم، مزيدا من الحاجة لتصدير العمالة للخارج.
ومهما يكن من أمر هذا الخلاف الفكرى، فبالعودة للحكاية الكورية؛ فإن الخطوة التنموية الأولى التى قطعتها كوريا الجنوبية وهى تعانى من ويلات التخلف الاقتصادى، تمثلت فى البحث عن مصادر متجددة ومتنوعة للنقد الأجنبى. فبالإضافة لتحفيزها للاستثمارات الأجنبية المباشرة للتوطن فى قطاعات الصناعة التحويلة، فقد شجعت، فى ذات الوقت، تصدير جزء من عمالتها متوسطة المهارة للخارج. ولكنها، وبالاعتماد على تحويلات هذه العمالة، وجهت جُل مواردها من النقد الأجنبى لبناء قاعدة إنتاجية وطنية فى قطاع الصناعات عالية القيمة المضافة (قطاعى السيارات والتكنولوجيا المتطورة تحديدا). ومن خلال مضاعف النمو الاقتصادى، قطعت كوريا الخطوة التنموية الثانية. فكل زيادة فى الاستثمار الممول جزئيا من تحويلات العاملين فى الخارج، يزيد نصيب الصادرات السلعية المكونة محليا، وتقل حصة الصادرات العمالية من جملة الصادرات الكورية. وبمنطق آخر، فقد قللت كوريا من تصدير عمالتها، وزادت من تصدير منتجاتهم. حتى أضحت، مع مضى السنوات، من كبريات الدول المصدرة للسيارات والتكنولوجيا فى العالم أجمع، وانتفت معها حاجة عمالتها للبحث عن فرص عمل خارج الأراضى الكورية.
***
على أن هذه التجربة الكورية المهمة تضع النقاط فوق الحروف، كى تتمكن الاقتصادات النامية من قراءة دروسها الهامة، وخصوصا إذا كانت من تلك الاقتصادات التى تعتمد بشدة على تحويلات عمالتها الخارجية، كحال الاقتصاد المصرى. ذلك أن التطور فى بيانات تحويلات العاملين المصريين بالخارج، يشير للأهمية النسبية التى تشكلها هذه التحويلات، ويشير لحدوث طفرة فى قيمتها فى العام 2017. إذ نمت قيمة هذه التحويلات بمعدل كبير، بلغت نسبته 26% بين عامى 2016 و2017 (ارتفعت قيمة تحويلات العاملين بالخارج من 18.6 إلى 23.6 مليار دولار أمريكى وفق بيانات البنك الدولي)، وبما يزيد على عُشر الناتج المحلى المصرى فى العام 2017، وللدرجة التى أصبحت معه تلك التحويلات المصدر الأول للنقد الأجنبى فى مصر، متفوقة بذلك على كل المصادر الأخرى لهذا النقد (السياحة، الاستثمار الأجنبى المباشر وغير المباشر، قناة السويس).
ومع تقديرنا لعظيم مساهمة المصريين العاملين بالخارج فى مساندة الاقتصاد المصرى فى ظروفه الراهنة، إلا أن اعتبارات التنمية الاقتصادية تلزمنا التنبيه على صانع السياسة الاقتصادية المصرية بأن يأخذ فى اعتباره ثلاثة أمور، نراها على جانب كبير من الأهمية التحليلية:

أولها: أن يعى صانع السياسة الاقتصادية مصدر هذه التحويلات، وأن يقلب فى جوانب الاستدامة فيها. ولما كان مصدر هذه التحويلات يأتى معظمه من دخول العاملين المصريين فى الخليج العربي؛ فإن قراءة اقتصادية مبسطة للتوجهات المستقبلية فى منطقة الخليج، والاتجاه الحثيث لاعتماد الاقتصادات الخليجية على عمالتهم الوطنية هناك، يجعلنا هنا نقلل من تقديرنا لمؤشرات الاستدامة والتجدد فى تلك التحويلات فى المستقبل المنظور، ويجعلنا نرد هذه الطفرة فى قيمة التحويلات لعمليات «التخارج النهائى» لنسبة معتبرة من العاملين المصريين فى هذه الدول.
ثانيها: أن يتابع الوجهات الاقتصادية التى تذهب إليها تلك التحويلات، وأن يدرس طبيعة استخدام حصيلة ما توفره من نقد أجنبى. فإذا كان معظم هذه التحويلات يذهب لتغطية الإنفاق الاستهلاكى للأسر المصرية محدودة ومتوسطة الدخل، أو يتركز فى أنشطة مضارباتها العقارية ضعيفة الأثر التنموى، ولا يذهب لزيادة قدرات هذه الأسر على الاستثمار وريادة الأعمال الصغيرة والمتوسطة؛ وإذا كانت حصيلة هذه التحويلات تستخدم لسداد فاتورة الواردات الاستهلاكية المصرية، ولا تذهب لتمويل الواردات الوسطية والإنتاجية الضرورية للتنمية الاقتصادية، فإن كل ذلك يدفعنا لتذكير صانع السياسة الاقتصادية بأن هذا النوع من التحويلات ليس لها وجهة تنموية واضحة، وأنها مجرد انتشال لبعض الأسر من الفقر والعوز، وانتشال للاقتصاد من مصيدة الصرف الأجنبى.
ثالثها: أن يحلل الآثار الاقتصادية المترتبة على هذه التحويلات، سواء أثرها على الجوانب النقدية، أو أثرها على الجوانب الحقيقية. فمن المنطقى أن تتسبب الوجهات غير التنموية لهذه التحويلات فى زيادة التضخم النقدى فى أسعار السلع الاستهلاكية، وفى تكريس الفقاعة العقارية، وفى التوسع الاستيرادى من السلع الاستهلاكية؛ طالما ظلت الطاقات الإنتاجية المصرية على حالها دون توسع. ومن المنطقى كذلك أن تتسبب وجهات هذه التحويلات فى إعادة توزيع الدخل والثروة القومية لصالح الأنشطة الريعية وشبه الريعية، على حساب الأنشطة التنموية. فالحوافز التى تخلقها تلك التحويلات فى قطاع العقارات، تجعله الفائز الأكبر بين قطاعات الاقتصاد المصرى، متفوقا على باقى القطاعات. وليس بخافٍ على القارئ النابه، ما للتركز فى قطاع العقارات من أثر محدود وغير مستدام على النمو الاقتصادى المحقق.
وعموما، ولأن المقام لا يتسع لتسليط جزء من الأضواء على الجوانب الاجتماعية والبشرية المرتبطة بتصدير العمالة المصرية للخارج، فإن التحليل السابق لمصادر ووجهات وآثار تحويلات هذه العمالة، تصب نتائجه فى صالح الفريق المؤيد لضعف الأثر التنموى لهذه التحويلات. إذ إن هذا التحليل يزيد من القناعة بأن تلك التحويلات مجرد وسيلة للتثبيت الاقتصادى قصير الأجل، لا أداة لصناعة التنمية المستدامة.
***
وعلى أية حال، فالسؤال الذى يتعين أن نطرحه فى أعقاب هذا التحليل هو: فى ضوء الوضع الاقتصادى المصرى الراهن، كيف يمكن أن نجمع الحسنيين؛ بأن نحافظ على مؤشرات الاستدامة فى قيم تحويلات المصريين العاملين بالخارج، مع توجيه حصيلتها للوجهات التنموية الصحيحة؟!
وباختصار غير مخل، أمام السياسة الاقتصادية المصرية طريقان رئيسيان، عليها السير فيهما على التوازى. أولهما هو التحول من تصدير العمالة منخفضة ومتوسطة المهارة، إلى التركيز على صادرات العمالة عالية المهارة. فمن خلال هذا التحول، يمكن تعويض الانخفاض فى الطلب الإقليمى على العمالة، بزيادة متوسط الأجر المتوقع للعمالة المصدرة. ولن يحدث ذلك دون حدوث دفعة قوية فى إصلاح منظومة التعليم العالى والبحث العملى المصرى، كى نعيد به الاعتبار للمهارات التى يتميز بها العامل المصرى فى الخارج، ولقدرته على صناعة التنمية فى الدول التى تستورده. أما الطريق الثانى، فهو وجوبية التحول الكامل عن تقديم الاغراءات العقارية للعاملين بالخارج. فبدلا من الإلحاح المستمر فى طرح فرص الاستثمار العقارى على مدخرات العاملين بالخارج، يجب أن نطرح عليهم فرص الاستثمار الصناعى والزراعى، عالية العائد الاستثمارى، وعالية القيمة الاقتصادية المضافة. ولكى يمكن المُضى بنجاح فى هذه الاستراتيجية، يجب أن يجهز صانع السياسة الاقتصادية قائمة متميزة من الفرص الاستثمارية فى هذه القطاعات، وأن يعد جميع الدراسات العلمية الضامنة لكفاءة وفاعلية وربحية هذه الفرص، وأن يرسم خطة منضبطة لإدارة هذه الاستثمارات بالوكالة.
وما يدعونا للثقة فى جدوى هذين الطريقين، أن الاقتصاد المصرى يعج بالعمالة الماهرة، ويعج أيضا بالفرص الاستثمارية الجاذبة لمدخرات العاملين بالخارج، لكنه فى حاجه فقط لمن يُنقب عنها.
****
إن أوضاع الاقتصاد المصرى الراهنة، وحاجته الماسة لتحقيق التوازن الاقتصادى الداخلى والخارجى، تحتم على صانع السياسة الاقتصادية إعادة النظر فى التعامل مع قضايا العمالة المصرية فى الخارج، وفى دورها المساند لأهداف التنمية الاقتصادية المستدامة. ويبدو لنا أن صياغة استراتيجية وطنية طموح فى هذا الصدد، يمكنها أن تساعد الاقتصاد المصرى فى أن يسير على خطى كوريا الجنوبية؛ عله يصل يوما لما وصلت إليه!

محمد يوسف أستاذ الاقتصاد المساعد
التعليقات