المصالح ثم المصالح ثم المصالح - عماد الدين حسين - بوابة الشروق
الأربعاء 29 سبتمبر 2021 3:59 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد تبرع المشجعين والمواطنين للأندية الرياضية للخروج من أزماتها المالية؟

المصالح ثم المصالح ثم المصالح

نشر فى : الإثنين 19 يوليه 2021 - 7:40 م | آخر تحديث : الإثنين 19 يوليه 2021 - 7:40 م

ما الذى يجعل هذه الدولة أو تلك تؤيد مشروع قرار أو ترفضه فى مجلس الأمن أو أى هيئة دولية أو إقليمية؟!

إنها المصالح والحسابات الثابتة أو المتغيرة، وليس فقط المؤامرات.

أطرح هذا السؤال لأن عددا من المصريين لا ينظر للأمور والقضايا المختلفة، إلا من زاوية أن هناك مؤامرة دائمة ضد مصر، والبعض ألمح إلى ذلك حينما ناقش بعض المواقف الدولية، أثناء نظر قضية سد النهضة الإثيوبى فى مجلس الأمن يوم الخميس قبل الماضى. وهذه الفريق نسى جزئية مهمة يمكن ان تنسف كل حججه، وهى أن الدولة التى نتهمها بأنها وراء معظم المؤامرات كانت أقرب لموقفنا مقارنة بدول نتعامل معها دائما باعتبارها صديقة جدا ولنا معها علاقات تاريخية.

المؤامرة موجودة منذ بدأت الخليفة، وستستمر إلى قيام الساعة، لكن ليس كل شىء يمكن أن نطلق عليه مؤامرة، إلا إذا كنا نريد شماعة سهلة نعلق عليها أخطاءنا.
نعم، مصر تعرضت وتتعرض لمؤامرات كثيرة، لكن هناك أيضا جانب كبير اسمه صراعات المصالح والحسابات الخاصة بكل دولة.
على سبيل المثال، حينما تكون هناك حالة حرب بين دولة وأخرى، وتسعى كل دولة للإضرار بالدولة الأخرى، فتلك ليست مؤامرة، لأن هناك حالة حرب معلنة، وكل طرف يحاول أن يضر بالآخر ويهزمه.
بعضنا يتصور أن العلاقات الدولية قائمة على العواطف والعلاقات الشخصية، أو الاستلطاف، وهو تفسير ساذج وكارثى.
على سبيل المثال، فإن الولايات المتحدة غزت أفغانستان عام ٢٠٠١، وظلت تحتلها لعشرين عاما، وجهت خلالها ضربات عسكرية ضخمة لحركة طالبان وتنظيم القاعدة، ردًا على هجمات ١١ سبتمبر، لكنها قبل أيام قليلة أعلنت هى وبريطانيا أنها ستتعامل مع أى حكومة أفغانية مستقبلية، حتى إذا كانت حركة طالبان تشارك فيها. لو أن أمريكا فكرت بالطريقة التى يفكر بها بعضنا، لظلت فى حالة عداء أبدى مع «طالبان». وقبلها تعاملت مع «القاعدة» لاستنزاف الاتحاد السوفيتى السابق، ثم دخلت معه فى حرب ضروس، لكنها قد تتعامل معه قريبا مرة أخرى إذا تلاقت المصالح.

المصالح هى الحاكمة، وإذا طبقنا ذلك على ما حدث فى مجلس الأمن الخميس قبل الماضى، سنكتشف أن كل دولة تحدثت وأعلنت مواقفها بناء على ما تعتقد أنه مصالحها الخاصة سواء أعجبنا ذلك، أم أغضبنا.
مثلا الموقف الأمريكى من سد النهضة كان جيدا نسبيا، وكان أكثر قوة فى عهد الرئيس السابق دونالد ترامب، لدرجة أنه قال إنه لن يستعجب إذا قامت مصر بتدمير سد النهضة، ورعى المفاوضات فى واشنطن، وكادت تصل لاتفاق لولا الهروب الإثيوبى فى اللحظة الأخيرة. وحتى فى عهد الإدارة الحالية فإن موقفها أفضل إلى حد ما مقارنة بموقفى روسيا والصين.
ورغم ذلك فإن أمريكا أيضا لا تريد إغضاب إثيوبيا، لأنها تعتبرها نقطة ارتكاز للمصالح الأمريكية والغربية فى شرق إفريقيا. واشنطن قالت كلاما طيبا فى مجلس الأمن لكنها لن تحارب معركتنا، والتعديلات التى أدخلتها على نص القرار التونسى ليست فى صالحنا.

روسيا لا تتآمر ضدنا، ولكن لها مصالح متنامية فى إثيوبيا، ثم إنها تريد مناكفة أمريكا فى أى مكان بالعالم.
نفس الأمر بالنسبة للصين، لديها مصالح كبرى فى إثيوبيا، وبالتالى لا تريد إغضاب أديس أبابا، والدول الإفريقية الأخرى، ناهيك عن أن لديها مشكلة كبرى مع بعض جيرانها تخص الأنهار التى تنبع من الأراضى الصينية، وبالتالى لا تريد أن يصبح الأمر سابقة يمكن القياس عليها فى أزمات مماثلة.
النقطة الجوهرية هى أن نحاول إقناع أكبر عدد من الدول المؤثرة فى العالم بعدالة قضيتنا.
كيف يحدث ذلك؟!

ليس فقط بالكلام النظرى، ولكن بتبادل المنافع والمصالح. فى مثل هذه الأزمات تقول الدول لبعضها البعض بصريح العبارة: سوف أؤيد موقفكم فى سد النهضة مثلا، مقابل أن تؤيدوا موقفنا فى قضية تخصنا، أو مقابل صفقة اقتصادية أو تجارية أو عسكرية أو حتى تصويت فى محافل دولية.
عدد قليل من الدول هو الذى يتصرف فقط بناء على المبادئ الأخلاقية، فى حين أن غالبية القرارات الدولية يتم اتخاذها على أساس المصالح، أو على أساس قدرة أى دولة على تسويق وترويج وجهة نظرها، أو خوفا من قوتها وبطشها مما يجعل بقية العالم يتبناها. أما إذا اعتقدنا أن الأمر كله عبارة عن مؤامرة، فربنا يكون فى عوننا!

عماد الدين حسين  كاتب صحفي