القراءة بين المتعة والضرورة - هنا أبوالغار - بوابة الشروق
الأربعاء 26 فبراير 2020 9:00 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل يستطيع الأهلي والزمالك الصعود لنصف نهائي أفريقيا؟


القراءة بين المتعة والضرورة

نشر فى : الإثنين 20 يناير 2020 - 9:45 م | آخر تحديث : الإثنين 20 يناير 2020 - 9:45 م
تربيت فى بيت تملأ حوائطه مكتبات خشبية بسيطة طلبتها أمى واحدة تلو الأخرى من عم حسن النجار، ملأتها هى وأبى بالأدب العربى والسويدى والإنجليزى المعاصر وكتب مترجمة من الأدب العالمى. كان لدى أنا وأختى «منى» مكتبة أصغر فى حجراتنا بها أدب أطفال. وعندما تزوجت كل منا كانت هدية زواجنا من أبى معظم ما نشر لنجيب محفوظ، سلامة موسى، توفيق الحكيم، طه حسين، يوسف السباعى، وصلاح عبدالصبور، كنواة مكتبة بيتنا الجديد، أضفت أنا إليهم كتب كثيرة على مر السنوات، وكانت وما زالت مكتبتى أعز مقتنياتى.
***
وأنا صغيرة وإلى أبعد ذكرى لى، كانت أمى تقرأ لنا كل ليلة قصة من أدب الأطفال السويدى (وهى لغتها)، إنتاج متنوع وغزير من حيث جاذبيته ومحتواه إلى أن تعلمت فك شفرة الحروف وبدأت أن أقرأ بمفردى. فى ابتدائى كانت قراءاتى أساسا لكاتبة سويدية عالمية لم تحظَ باهتمام كافٍ فى مصر وهى «استريد ليندجرين» Astrid Lindgren (كتبها مترجمة إلى كل لغات العالم منها العربية)، «استريد» كتبت فى الخمسينيات من القرن الماضى عن فتاة اسمها بيبى ذات الشراب الطويل Pippi longstrump. «بيبى» كانت بنت صغيرة بشعر أحمر مربوط فى ضفيرتين تلبس شرابا طويلا وملابس مرقعة، مبتسمة دائمة ولديها نمش على وجهها، بيبى «قوية جدا» تعيش بمفردها فى فيلا مهجورة فى قرية فى السويد مع حصانها وقردها، بنت شقية، قوية العضلات والشخصية، طيبة، مستقلة، دمها خفيف جدا، وبالرغم من أنها مختلفة تماما عن المجتمع فى ذلك الوقت إلا أن الكل يحبها. «استريد» قدمت لنا سلاسل من القصص التى تحكى عن أطفال وأسر سويدية فى ظروف مختلفة كلها تشجع الأطفال على التعبير والفضول والمغامرة وقبول الاختلاف وتفهمه، ليسوا بالضرورة هادئين وملتزمين كما كان معتادا تصويرهم فى ذلك الزمن، وهو ما جعل نجاحها مدويا وباعت أكثر من ١٦٨ مليون نسخة من كتبها بلغات مختلفة حول العالم. السويد أعطت العالم العديد من كتَّاب الأطفال الآخرين الذين كسروا بالقصة والرسومات النمط المعتاد لأدب الطفل، بعيدا عن الخطاب الواعظ وفيها تصوير حقيقى لأفكار ومشاعر الأطفال.
***
فى عام ١٩٠١ طلبت وزارة التربية والتعليم السويدية من الروائية الشهيرة سيلما لاجيرلوف «Selma Lagerlöf» صياغة كتاب الدراسات الاجتماعية للمرحلة الابتدائية، الكاتبة أمضت عامين تدرس محافظات السويد بجغرافيا وتاريخها وثقافتها وطبيعتها وحيواناتها المختلفة، فاخترعت شخصية الطفل «نيلس» الذى يركب على ظهر أوز برى يطير به فى مغامرة يزور فيها كل محافظات السويد فيلتقى بأهلها وطبيعتها وحيواناتها وتاريخها، هذا الكتاب هو الذى درست منه أمى فى طفولتها فى قريتها فى جنوب السويد وهو الذى قرأته أنا عندما أرادت هى أن أتعلم أكثر عن بلدها. فى كل ما سبق من أدب كان للصورة دور مهم جدا، وكان الفنان الذى يرسم الشخصيات شريك أساسى فى نجاح انتشارها وارتباط الأطفال من القراء بها.
كنت أقرأ بالتوازى كتب أطفال باللغة الإنجليزية معظمها من الأدب البريطانى وبعضها الأمريكى ولا أتذكر أنى قرأت باللغة العربية حيث إن المتوفر من أدب الأطفال لجيلى كان معظمه من سلسلة المكتبة الخضراء وكانت كلها قصص مترجمة لم تجذبنى. أتممت عامى الحادى عشر وأعطانى أبى رواية «يوميات نائب فى الأرياف» لتوفيق الحكيم، وبدأت رحلتى مع الأدب المصرى الحديث، فانفتح لى عالم لا نهائى من الخيال والجمال والأمكنة والشخصيات، فالتهمت الأدب المصرى المعاصر فى مكتبة أبى ثم الأدب الإنجليزى والأمريكى والسويدى وجزء من كلاسيكيات الأدب العالمى المترجم.
ولأن القراءة لم تكن فقط مصدر متعة لى وإنما شكلت جزءً مهما من ثقافتى العامة وقدرتى اللغوية فى الثلاث لغات التى أستخدمها (العربية والسويدية والإنجليزية)، ولأنها كانت ملاذا لى فى لحظات التيه والحيرة، فكان من الطبيعى أن ينعكس هذا على تربيتى لابنتىّ «منى» و«ندى»، وكانت نصف الساعة الأخيرة من يومهما ونحن الثلاثة منكمشون تحت الغطاء الدافئ نتحدث ونحكى عن يومنا ثم نقرأ من كتاب يحبونه، وكان الخيار مرة أخرى بين الثلاث لغات، وبقيت المكتبة السويدية غنية وشيقة لهما، لكن المفاجأة الجميلة أن المكتبة العربية المصرية التحقت بها، فظهرت كتب لجيلهم من الأطفال يملؤها الخيال وخفة الدم والمواقف الحياتية الحقيقية بعيدا عن الوعظ والخطاب المباشر، ومعها صور رائعة لفنانين مصريين سواء من جيل الأساتذة مثل «إيهاب شاكر» الفنان التشكيلى ذى اللمسة المصرية و«سميرة شفيق» الكاتبة الحساسة اللذين نشرا سلسلة من كتب الأطفال تعتبر قطعا فنية فى رسوماتها ومضمونها وطباعتها مستوحاة من تجربتهم الشخصية فى الحكى لابنتيهما وأحفادهما من أول «شمسة؟؟؟؟؟؟؟؟؟ ودانا» الفتاتين اللتين تجوبان العالم لاستكشافه مرورا بالملك الطفل «بير» الذى ظل يبالغ فى طلبات صعبة من شعبه من لبس أسود للنساء وأبيض للرجال وطراطير للحمير وظلوا يجارونه فى طلباته حبا فيه إلى أن حدثت مفاجأة مدوية. بالإضافة إلى كتب «فاطمة المعلوم» التى رسمها لها «وليد طاهر»، ثم مغامرات «فيزو» الطفل اللذيذ الذى ولد من خيال «وليد طاهر» الحنون الغنى ليكتب ويرسم له سلسلة من الحواديت الصغيرة، و«عبدالوهاب المسيرى» الذى استطاع ببراعة أن يضع جديته جانبا ويكتب كتبا رسمها «صفاء نبعة» وكلها مستوحاة من التراث المصرى الأصيل، إلى جانب قطعته الفنية والتى كانت القصة المفضلة لابنتى الصغرى ندى «هلال القدس البسام» من كلماته ورسوم الفنان المصرى الأصيل «حلمى التونى» والتى تحكى ببساطة قصة فلسطين المحتلة، أما «فرحانة» البنت العفريتة التى توضع فى مواقف يوضع فيها أبناؤنا كل يوم فتتساءل وتجد الحلول والتى كتبتها ورسمتها ببراعة «رانية حسين أمين».
***
مع دخول منى وندى المدرسة اكتشفت أن اللغة الإنجليزية تدرس عن طريق القراءة، وأن حصة النحو الإنجليزية (Grammar) وكتبها غير موجودة أصلا، فالطفل فى المرحلة الابتدائية لديه عشرة مستويات للقصص القصيرة، كلها ذات رسومات فنية جميلة من تأليف ورسم أدباء أطفال وفنانين، كل يوم يقرأ الطفل كتابا صغيرا ما بين المدرسة وإذا أتقن فهمها وشرحها ينتقل إلى المرحلة التالية دون أن ينتظر زملاءه فكانت دراسة اللغة سلسلة من الحكى والمتعة. واستمر هذا الأسلوب فى إعدادى وثانوى بعد أن انتهوا من استكمال كل مراحل القراءة العشر ودخلوا فى الأدب الإنجليزى المعاصر كجزء من منهج اللغة.
أحسست بغيرة على لغتى العربية، وحزنت لأن بنتى وزملاءهما وجدتاها «مملة فى دراستها» «صعبة فى قواعدها»، وبالرغم من تشجيعى لهما لم أنجح فى محاولاتى أن يستكشفا مكتبتى العربية، وهما قارئتان جادتان بالإنجليزية. لاحظت نفس الملل فى أبناء أختى الذين درسوا فى مدرسة فرنسية وهى أيضا لغة لم تطور أسلوب تعليمها ولم تحدثه فبقيت ثقيلة ومملة لدارسيها من الأطفال ولم أرَ أحدهما قط يمسك بكتاب فرنسى أو رواية وإنما كل قراءاتهما بالإنجليزية التى يريانها أقرب إلى فهمهما.
***
لأن القراءة توسع مدارك الأطفال وتفتح أعينهم على ثقافات وحضارات مختلفة، وتزيد لديهم محصلة الكلمات وتساعدهم على أن يكونوا متعددى اللغات بسلاسة فهى تضبط النحو والقدرة على التعبير بالكتابة أو بالقول بشكل تلقائى ومنضبط لغويا بدون إنفاق وقت وجهد كبير فى دراسة قواعد اللغة، كما أنها تحفز على التفكير والبحث والمعرفة ولهذا تخيلت لو أن وزارة التربية والتعليم كان لديها شجاعة وجرأة لتغير من طريقة تدريس اللغة العربية التقليدية ولتتبنى أسلوبا مختلفا تماما مبنيا على القراءة وليس على حفظ القواعد النحوية والإملائية، فلو أن أدواتنا فى تعليمها تم تحديثها حتى تصبح جاذبة للطالب فقد ينجذب إلى لغة بلده، وإذا تنازلنا عن كتب يكتبها «خبير تعليم» وليس «أديب ولا فنان» قد نستطيع أن ننقذ الجيل القادم مما أوصلتنا إليه مناهجنا الحالية من تَدَنٍّ فى مستوى استخدام اللغة فى الجيل الحالى ليس فى المدارس الدولية أو مدارس اللغات فقط وإنما أيضا فى مدارس الدولة، وبدلا من انتقاد الطالب ولومه نجتهد فنواجه أسباب هذا العزوف ونحول مادة «اللغة العربية» إلى مادة شيقة وجذابة فنستعين بفنانينا وكتابنا الموهوبين فى مناهج المرحلة الابتدائية وبأدبنا المصرى الحديث الغزير فى مناهج الإعدادى والثانوى، علنا نستعيد هويتنا المصرية ولغتنا الجميلة.
هنا أبوالغار أستاذ طب الأطفال بجامعة القاهرة
التعليقات