يوميات جراح - ناجح إبراهيم - بوابة الشروق
الإثنين 17 فبراير 2020 11:42 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل يستطيع الأهلي والزمالك الصعود لنصف نهائي أفريقيا؟


يوميات جراح

نشر فى : الجمعة 20 ديسمبر 2019 - 9:50 م | آخر تحديث : الجمعة 20 ديسمبر 2019 - 9:50 م

يمر اليوم شاقا وطويلا على جراح العيون؛ حيث يبدأ يومه بالعمليات الجراحية التى تحتاج إلى قمة التركيز والدقة فأقل خطأ يفقد المريض الرؤية، ويعمل جراح العيون بأدق الآلات فى أصغر المساحات وفى أهم أعضاء الجسم «العين» التى وصفها الرسول صلى الله عليه وسلم «بحبيبتى الإنسان» لأنه بغيرها أو بفقدها لن يستطيع الحياة دون مساعدة الآخرين، وبعد انتهاء جراح العيون من العمليات الجراحية يبدأ فى الكشوفات والاستشارات للمرضى.

وقد يمتد ذلك حتى الساعات الأولى من الليل، يتخلل ذلك دقائق معدودات لتناول القليل من الطعام لإقامة صلبه دون شعور بمتعة الطعام المنفرد العجول، مع دقائق أخرى لشرب الشاى أو القهوة.

ينقذه أذان الصلوات من شدة الإرهاق والفكر فى التشخيص والمتابعة ليخطف قسطا يسيرا من الراحة الذهنية والروحية للوضوء والصلاة، يلتقط فيها أنفاسه ويستجمع فيها قواه لاستكمال العمل الشاق، ليبدأ دورته العلمية مع المرضى من جديد.

بين الحين والآخر يدخل عليه مساعده منبها «شد حيلك يا باشا الناس زهقت» فيقول فى نفسه: فما بال الطبيب وهو يعمل دون كلل من الثامنة صباحا.

آه هذه الكلمات تزيدنى هما إلى هم، فكل مريض لابد أن يأخذ حقه فى الفحص والشرح، وعلينا جميعا الصبر.

الحمد لله انتهى اليوم، لملم جراح العيون الشهير أوراقه ومفاتيحه وتليفونه واستعد للذهاب إلى أمه المقيمة بنفس المبنى وهذا الذى شجعه على البقاء فى هذه العيادة البعيدة عن منزله.

رؤية أمه يوميا تساوى كنوز الدنيا، تقبيل يديها يوميا تعطيه طاقة خلاقة لا حدود لها، يمكث معها بعض الوقت فتشعر بتعبه وإرهاقه فتأمره بالمغادرة إلى أسرته الصغيرة وهو يتأبى فتصر عليه.

كان موعد انصرافه من العيادة وتمام عمله يشعره بنفس الفرحة التى كان يشعرها وهو طفل حينما يسمع صوت جرس الحصة الأخيرة فى مدرسة النصر الابتدائية، كان صوت الجرس هو الأعذب والأحلى على الإطلاق؛ حيث كنا نجرى وكأننا أسرى قد أطلق سراحهم من سجون عتيقة.

تتمنى الأم جلوسه طويلا ولكنها تقدم راحته على سعادتها، وتغمره وأولاده بدعوات كثيرة أهمها دعوتها له بالستر فى الدنيا والآخرة.

قبل انصرافه من شقة والدته يدخل مساعده وفى شفقة ورجاء يعرفها جيدا ويحفظها عنه من طول عشرتهما يردفها بهمسة فى أذنه: كشف لوجه الله تعالى، كانت الكلمة الأخيرة تلجمه وتخرسه فلا يستطيع إلا الموافقة رغم مشقة العودة للعيادة مرة أخرى.

إنها لوجه الله، فمن ذا الذى يستطيع الرفض أو الرد، ويستكمل الممرض حديثه الهامس: «يا باشا رجل كبير السن جارت عليه الدنيا ولا يملك شيئا، وجاء متأخرا وبدلا من عودته غدا نفحصه اليوم، وربنا يسترنا ويرزقنا بهؤلاء الغلابة».
استجمع جراح العيون قواه النفسية والجسدية الواهنة وعاد إلى عيادته لفحص المريض.

هو فى العقد السابع يبدو عليه الفقر من بساطة ملابسه وقدم حذائه مع سابق عز يبدو عليه فى نظافته الشديدة داخليا وخارجيا وفى شعره المصفف باهتمام، فكم من عزيز ذل فى هذه الدنيا الدوارة.

قلت للمريض: أنت مصاب بمياه بيضاء ناضجة وتحتاج لجراحة عاجلة، وبحركة مفاجئة وسريعة انكب المريض يقبل يد الجراح الذى اهتز من أعماقه وسحب يده سريعا، نظر إليه بعتاب تحول إلى شفقة بعد أن رأى دموع المريض وهو يقول: إنه لا يملك حق الكشف فكيف يملك أجر الجراحة.

مادت الأرض تحت أقدام أ.د/ «الأحمدى السمان» لجلال الموقف الذى لم يكن ليتحمله أول العيادة فكيف فى آخرها، وقد خارت قواه الجسدية والنفسية.

حينها صغرت الدنيا أمام عينيه وشعر بمدى قسوتها حيث تجبر مثل هذا الرجل على البكاء من أجل جراحة غير مكلفة، قال لنفسه: فما بال مرضى جراحات العظام أو القلب المعقدة كيف تسير بهم الحياة وكيف تذلهم الحاجة ويقتلهم الفقر.

لملم شتات نفسه وربت على كتفه: «سوف أقوم بإجرائها فى الجامعة دون نفقات على الإطلاق، توقع بذلك نهاية سعيدة للأزمة، لكن الرجل ازداد نحيبا قائلا: لدى بنت لها ظروف خاصة لا أستطيع تركها بمفردها وأريد أن تجرى لى الجراحة فى عيادتك لوجه الله.

لم يتأخر قرار الجراح بالموافقة، فكلمة لوجه الله تأمره وتلزمه وتلجمه فلا يستطيع ردها أبدأ، فالله هو الذى منحه العلم والمهارة والدكتوراه والسعة والرزق والزوجة والذرية والسيارة وكل شىء، ومنحه مع ذلك حب الدين والناس والإحسان.
إنها كلمة ساحرة تخترق القلوب، وبنبرة سريعة ومحددة أراد أن ينهى هذه اللحظات التراجيدية «المطلوب يا عم الحاج الآن كشف باطنة وقلب وآشعة ومقاس عدسة».

شعر المريض باستعجال الجراح فقام ممتنا وسعيدا ومعتذرا عن تأخير الدكتور، وخرج إلى الممرض المتعاطف معه ليسر إليه بكلمات دخل على إثرها الممرض ليقول لطبيبه «يا باشا الرجل لا يملك من حطام الدنيا شيئا ولن يستطيع تحمل أعباء فحص القلب والأشعة ولا مقياس العدسة».
أجابه الجراح الشهير: لا بأس «خلى على الميه ميه وأردب» هكذا تذكر المثل المصرى الذى سمعه كثيرا من والداته، وفيه حث على زيادة الإحسان وأن هذه الزيادة مطلوبة ومفيدة وغير ضارة.

جاء المريض فى اليوم الثانى مباشرة فأجريت له كل الفحوصات التى تسبق الجراحة مجانا، وتم إجراء الجراحة وزرع عدسة لينة بدلا من العدسة المصابة وتمت بنجاح بحمد الله رغم صعوبتها فقد كانت من نوعية Brown Catarct نسبة إلى اللون البنى الغامق الذى يدل على تصلب العدسة من طول إصابتها بالمياه البيضاء.

بعد الجراحة قبل المريض يد الجراح ورأسه ممتنا لصنيعه، عاد بعد أسبوع وهو فى منتهى السعادة، وفجأة وبعد 15 يوميا أصيب بضعف فى النظر فى هذه العين.

فحصه د/الأحمدى فتبين إصابته بجلطة فى العصب البصرى أثرت بشدة على النظر وهذه الحالات لا يرجى شفاؤها عادة.

تمتم الجراح فى نفسه: يا لحظ هذا المريض العاثر، فهذه الحالة نادرة، لم يكن يعلم أن حظه هو العاثر.

كتب الجراح العلاج المتاح وأوصاه بالفحص لدى طبيب الباطنة لاستجلاء سبب الجلطة وعمل الأشعات والتحاليل المطلوبة.

بعد أيام قليلة عاد المريض دون تحسن، شرح د/السمان للمريض حالته مع الأمل فى الشفاء من الله، وطلب منه العودة للاستشارة بعد ثلاثة أيام.

فى هذا اليوم المحدد لاستشارة المريض إياه، جاء لجراح العيون اتصال من النيابة «أنت مدعو للتحقيق معكم بمعرفتنا» أصابته غصة واستغراب، سألهم لماذا؟ قالوا: مريض لديكم قدم شكوى بأنك أجريت له جراحة فاشلة؟ ازاداد عجبا وألما، فكر سريعا فى اسم هذا المريض فلم يهده عقله إليه، فلو عدوا له أسماء المرضى فى حياته المهنية كلها واحدا واحدا ما توقع أنه المريض الفقير الذى أحسن إليه هو ذاته الذى شكاه فى النيابة ويريد جرجرته إلى السجن.

هكذا قال لنفسه بعد أن سمع اسم هذا المريض، هتف صارخا: «فلان» لا حول ولا قوة إلا بالله، إنا لله وإنا إليه راجعون، وقال لمندوب النيابة: يا سيدى تأكد من اسم المريض والطبيب، فلان هذا يشكونى هذا هراء، ردت النيابة بحزم: ليس هناك مزاح، مطلوب غدا أمام وكيل النيابة ولا تتأخر، ولكن غدا أول يوم فى شهر رمضان ولكنه ليس بإجازة، هكذا تم الحوار.

ذهب إلى النيابة فى يوم هو الأشد عليه فى الصيام فهو يغبط الذين يصومون الإثنين والخميس فما بالكم باليوم الأول فى شهر رمضان.

مكث فى النيابة ثلاث ساعات كاملة ما بين س، ج من شاب يصغره عشرين عاما، ولكن أدبه أزال رهبته، أما حزنه وذهوله وإحباطه لم يزل كما هو، فكيف ينقلب الإحسان إلى السجن والنيابة.

انتهى التحقيق بتحويل المريض للطب الشرعى ومعرفة نجاح العملية من فشلها وهل كان لها دور فى الجلطة التى حدثت بعدها بـ 15 يوما أم ماذا؟!.

تمر الأيام ثقيلة على أستاذ جامعى وجراح شهير ومحسن كبير، أخذ يردد فى نفسه إنه صنع الخير والله لابد ناصره، ولكن أسوأ السيناريوهات تقذف على رأسه من الشيطان فيدفعها دفعا مستحضرا دعوات أمه الدائمة له بالستر وكأنها تقرأ المستقبل.

وأخيرا وبعد أن تناوشته الوساوس تارة والرجاء فى ربه أخرى، ظهرت براءته فى تقرير الطب الشرعى وتم حفظ القضية، وأن الجراحة كانت ناجحة ولا علاقة لها بالجلطة.

ذهب إلى العيادة بعد أن انزاح همه وخف حزنه، أخذ يفحص مرضاه بنفس كسيرة وشعور بالمهانة وقلب مكلوم بعد أن سمع فى أيامه الماضية عشرات القصص لأساتذة وجراحين كبار سيقوا إلى قسم الشرطة أو باتوا فيه أو ذهبوا إلى السجن أو هربوا منهم من أجل خطأ مهنى أو طبى يمثل خطأ مهنيا لا جنائيا، وكم آلمه أن يساوم أهل المريض جراحا كبيرا لأخذ معظم ماله الذى تعب فيه عمره كله وإلا فالسجن مصيره.

وبينما هو فى غفوته إذا بصوت مساعده يفاجئه بنفس نظرته المعتادة وصوته الهامس «يا باشا كشف لوجه الله» سكت د/الأحمدى برهة فقال له المساعد: أصرفه يا باشا، استجمع الجراح قواه الإيمانية ورد عليه بصوت مبحوح لا يكاد يسمع: دعه يدخل وربنا يستر، وهو يدعو ربه فى سره ألا يكون «مياه بيضاء».

التعليقات