لنبن حداثتنا وأيديولوجياتنا الذاتية - علي محمد فخرو - بوابة الشروق
الجمعة 12 أبريل 2024 4:32 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد دعوات مقاطعة بعض المطاعم التي ثبت دعمها لجنود الاحتلال؟

لنبن حداثتنا وأيديولوجياتنا الذاتية

نشر فى : الأربعاء 21 فبراير 2024 - 8:25 م | آخر تحديث : الأربعاء 21 فبراير 2024 - 8:25 م
فى مقال سابق بينّا خصائص ومخاطر الوضع الحالى السائد لعملية التثقيف السياسى للأجيال الشابة، سواء فى كثير من البلدان المتقدمة أو فى بلدان العالم الثالث، ومن بينهم بلدان الوطن العربى.
ولقد ألمحنا إلى أن تلك الإشكالية تبدأ بشتى المحاولات، لأسباب فى أغلبها غير مقنعة، للتهجم على مكون تاريخى رئيسى من مكونات ذلك التثقيف، ونعنى به المكوّن الأيديولوجى، بمسمّياته المختلفة.
من أجل الإقناع بعدم الالتفات لتلك الهجمة وتوضيح الصورة لشابات وشباب الوطن العربى سنبدأ بتوضيح مكانة الأيديولوجيا: تعريفا وتكوينا وأهدافا، والإشارة إلى بعض صورها وممارساتها الخاطئة من جهة، والنتائج المجتمعية الكارثية فى حالة غيابها بشكل صحيح فى معركة إخراج كل أجزاء الوطن العربى من محنه الحالية من جهة أخرى.
لعل أفضل تعريف للأيديولوجية السياسية هى أنها مجموعة من الآراء الفكرية، ومن القيم، ومن المناقشات/ التصورات التى تتفاعل مع بعضها لتقدم صورة شاملة عقلانية متناغمة عن المجتمع البشرى الذى يراد العيش فيه أو بناؤه. ولقد طرحت تلك الأيديولوجيات تحت مسميات كثيرة من مثل: الليبرالية، والاشتراكية، والشيوعية، والمحافظة، والوطنية/ القومية، والفاشية، والبيئية، وغيرها، وما زالت المسميات تتراكم وتتنوع.
مواجهة موضوع الأيديولوجية فى الغرب يختلف كثيرا عن مواجهته فى بلاد العرب. هناك انبثقت كل تلك الأيديولوجيات من رحم الفلسفات التى قامت عليها الثورات الكبرى منذ قرنين من الزمن وبالتالى من أجل تحقيق أهدافها فيما نادت به الأنوار والحداثة. الحداثة الغربية الحالية منتقدة الآن عندهم بشدة ومتهمة بأنها فشلت فى تحقيق مبادئ فلسفات الأنوار، الداعية إلى بناء المجتمعات العقلانية، والأنظمة الديمقراطية الحقيقية؛ المشاركة لعموم المواطنين والمواطنات، وعدالة توزيع الثروة المادية والمعنوية، ومساواة المواطنين والمواطنات فى الكرامة والإنسانية، والمؤمنة بحتمية التقدم الحضارى واستمراريته. بل إنها فشلها أيضا فى التعامل الإنسانى المطلوب مع تحديات وأخطار التقدم المعرفى الهائل والتطور التكنولوجى المتسارع فى العصور الأخيرة.
ومن هنا المناداة بالتخلى عن الحداثة والانتقال إلى فلسفات ما بعد الحداثة المختلفة فى كثير من جوانبها عن فلسفات الحداثة. وهذا يعنى تلقائيا التخلى عن الأيديولوجيات التى نبعت عن الحداثة وارتبطت بها، أى المناداة بتقديم ثقافة سياسية جديدة لشبابهم خارج إطار الأيديولوجيات القديمة.
ولكن لنعد إلى أرض الوطن العربى ونسأل سؤالا صريحا موجعا: هل الأمة العربية نجحت عبر القرنين الماضيين فى بناء حداثتها الذاتية المنبثقة عن تاريخها وثقافتها، ومواجهة واقع تخلفها التاريخى وكوارث انتقالها من أيادى استعمار إلى أيادى استعمار آخر عبر عدة قرون؟ وهل الأيديولوجيات التى سادت فى الوطن العربى طيلة القرن العشرين كانت حصيلة تلك الحداثة الذاتية، أم أنها لم تكن أكثر من تبنّ لأيديولوجيات طرحتها حداثات الآخرين؟
نطرح تلك الأسئلة لنؤكد أهمية ابتعاد أيديولوجياتنا المستقبلية، وبالتالى ثقافة شاباتنا وشبابنا السياسية التى ندعو لها، عن معارك الحداثة وما بعد الحداثة فى الغرب وبالتالى عن معارك نواقص أو فشل الأيديولوجيات فى تلك المجتمعات الغربية الأوروبية والأنجلوسكسونية على الأخص.
ففى وطن العرب نحتاج أن نتكلم عن فلسفات حداثتنا وأهدافها وأولوياتها، والتى يفضل أن تقدم لمواطنينا ومواطناتنا العرب فى شكل مكونات ومنهجيات عمل وأهداف متناسقة ومتناغمة. وبالتالى، وبصوت عالٍ واضح مستقل، فى شكل أيديولوجيات عربية.
ولن يضير تلك الأيديولوجيات أن تطرح تحت مسميات قديمة أو تتجاوز ذلك إلى مسميات جديدة، ولا أن تتبنّى أجزاء من أيديولوجيات الآخرين المختلفة إذا كانت تلك الأجزاء ستتناغم وتتعايش وتقوى الأجزاء المنبثقة عن حداثتنا الذاتية.
وحتى تتضح الصورة أكثر دعونا نتصور كيف نتعامل مع مكون أيديولوجى غربى تحت مسمى العلمانية. فهل حقا إننا مجبرون أن نتبنّى التعريفات والتطبيقات المتواجدة فى هذا البلد الغربى أو ذاك، خصوصا وأن الغرب نفسه، وتحت مسمى أيديولوجى مشترك واحد مثل الليبرالية، يتعامل مع مكوّن العلمانية بأشكال مختلفة وأحيانا متعارضة؟ أم نجتهد ونضع فهمنا وتطبيقنا الذاتى للعلمانية، والنابع من حاجاتنا وأوضاعنا الحالية التى نعيشها؟ فقد نجد أن تجديد الفقه يجب أن يسبق الدخول فى الاختلافات والمماحكات حول مفاهيم وتطبيقات العلمانية التى هى بدورها تترّنح يمينا وشمالا مع ما تطالب به فلسفات ما بعد الحداثة التائهة هى الأخرى.
أخذنا هذا المثل لنبرز أهمية أخذ المحاذير فى طرحنا للأيديولوجيات العربية المستقبلية. وقبل وضع الأيديولوجيا المنشودة تحت مسمى معين دعونا أولا نتفق على أهمية وواقعية وصدق وصلاحية مكونات الأيديولوجية العربية التى باستطاعتها تكوين ثقافة سياسية توعوية نضالية لشابات وشباب الأمة العربية، والاتفاق على ماهية الأخطاء الفكرية والسلوكية التى يجب تجنبها حتى لا نعطى فرصة لأحد فى التشكيك والاستهزاء بحاجة العمل السياسى فى الوطن العربى أن يكون ضمن التعدّدية والأخذ والعطاء والتسامح فى الاختلاف، وتجنب الأخطاء السابقة التى ارتكبها الغير وارتكبها العرب بحق مبدأ تواجد الأيديولوجيات والاستفادة من الميزات الكامنة فيها.
موضوع الأيديولوجيات العربية المستقبلية هو فى صلب نجاح أو فشل المستقبل.
علي محمد فخرو  شغل العديد من المناصب ومنها منصبي وزير الصحة بمملكة البحرين في الفترة من 1971 _ 1982، ووزير التربية والتعليم في الفترة من 1982 _ 1995. وأيضا سفير لمملكة البحرين في فرنسا، بلجيكا، اسبانيا، وسويسرا، ولدي اليونسكو. ورئيس جمعية الهلال الأحمر البحريني سابقا، وعضو سابق المكتب التنفيذي لمجلس وزراء الصحة العرب، وعضو سابق للمكتب التنفيذي لمنظمة الصحة العالمية، وعضو مجلس أمناء مؤسسة دراسات الوحدة العربية، وعضو مجلس أمناء مؤسسة دراسات فلسطينية. وعضو مجلس إدارة جائزة الصحافة العربية المكتوبة والمرئية في دبييشغل حاليا عضو اللجنة الاستشارية للشرق الأوسط بالبنك الدولي، وعضو في لجنة الخبراء لليونسكو حول التربية للجميع، عضو في مجلس أمناء الجامعة العربية المفتوحة، ورئيس مجلس أمناء مركز البحرين للدراسات والبحوث.
التعليقات