نتنياهو عاريًا.. مرارة الواقع بعد غيبوبة الخطاب - عماد عبداللطيف - بوابة الشروق
الأربعاء 22 أبريل 2026 9:05 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع النجاح لمقترح دمج الأندية الاستثمارية مع الأندية الشعبية؟

نتنياهو عاريًا.. مرارة الواقع بعد غيبوبة الخطاب

نشر فى : الثلاثاء 21 أبريل 2026 - 6:55 م | آخر تحديث : الثلاثاء 21 أبريل 2026 - 6:55 م

 

تقول الحكمة العربية «راحت السُكْرة وجاءت الفِكرة». ويقصدون بذلك أن الإنسان الذى يُغيِّب عقله، ويفشل فى إدراك واقعه الحقيقى، ويعيش فى الضلال والأوهام، سرعان ما يصحو على الحقيقة المرة، ويتجرع المصائب والآلام. هذه الحكمة تتجسد على نحو رائع فى حالة نتنياهو الآن.

لقد قدَّم نتنياهو منذ صعود ترامب إلى السلطة فى يناير 2025 واحدًا من أكثر الخطابات السياسية تبجحًا ومباهاة. أغرقته أوهام القوة والسيطرة، وظن نفسه إمبراطورًا تخضع المنطقة لجبروته وسطوته. ففى بداية الحرب الصهيو ــ أمريكية على إيران الشهر الماضى، أعماه الغرور، فقال يوم 7 مارس 2026: «لقد غيرنا وجه الشرق الأوسط وتحولنا إلى قوة إقليمية قادرة على الردع والإخضاع». ولم يكتف وهم القوة بأن يزين له قدرته على إخضاع الشرق الأوسط كاملًا فحسب بل تصور واهمًا أن الكيان الصهيونى قد أصبح قوة عالمية! فقال يوم 13 مارس 2026 «نتحول إلى قوة عظمى إقليمية وفى بعض المجالات إلى قوة عالمية»!.

اقترن خطاب نتنياهو المتبجح، المستند إلى الأوهام، بخطاب تنمر على شعوب العالم العربى والإسلامى فى المنطقة. فحين أعلنت مصر وتركيا وباكستان والسعودية عن إمكانية تأسيس تحالف أمنى مشترك، خرج نتنياهو يوم 22 فبراير 2026 ليقول ببجاحة إن: «إسرائيل تعمل على تشكيل محور جديد ضد المحورين الشيعى المنهار والسنى المتشكل». وعلى مدار العامين الماضيين كرر نتنياهو مثل هذا الخطاب المتنمر، الذى تجسده عبارته المتكررة بأنه «لا يوجد مكان فى الشرق الأوسط لا تستطيع إسرائيل الوصول إليه». وهى عبارة لا تصلح مثالا على خطاب التنمر فحسب، بل تصلح دليلا على خطاب الوهم الناتج عن أوهام المغالاة فى تقدير الذات.

لقد أدت أوهام نتنياهو إلى إظهار أطماع توسعية متبجحة، يعلن فيها سعيه لاحتلال البلدان العربية التى تقع فى إطار الخرافة الكاذبة المسماة بإسرائيل الكبرى، وصرح فى 13 أغسطس 2025 بأنه «يشعر بأنه فى مهمة تاريخية وروحية، وأنه مرتبط بشدة برؤية إسرائيل الكبرى». وهو تصريح يعنى أنه يسعى لاحتلال أجزاء كبيرة من مصر والسعودية والعراق والأردن وسوريا وفلسطين ولبنان. وفى الأسابيع السابقة على الحرب الأخيرة على إيران بلغت تصريحاته الاستفزازية المتبجحة ذروة التشبع بالأوهام، وإساءة تقدير الذات. فقبل الحرب بأسبوع، فى يوم 24 فبراير 2026، استعمل التعبير التوراتى «من الهند إلى كوش [السودان]» ليصف دائرة النفوذ التى يتوهم أن إسرائيل تمتلكها، دون أى اعتبار للدول والشعوب العربية والإسلامية الواقعة بين الهند والسودان!

هناك عاملان مؤثران فى ظهور خطاب التبجح والإيهام بالقوة الذى حرص نتنياهو على إنتاجه وتداوله بكثافة خلال العام والنصف الماضيين. الأول هو التأثير الهائل الذى تركه صمود غزة الأسطورى فى وجه الآلة العسكرية الإسرائيلية رغم العدد الهائل من الضحايا الفلسطينيين الأبرياء. لقد لطخ الفشل الذريع لجيش الاحتلال فى العام الأول من طوفان الأقصى سمعة هذا الجيش فى الوحل. وجعله عرضة للسخرية والاستهزاء من الإسرائيليين أنفسهم. فقد تمكن عدة آلاف من المقاتلين فى المقاومة الفلسطينية إذلال هذا الجيش بكل عدده وعتاده، والدعم الهائل الذى حصل عليه من كل قوى الاستعمار. وكانت حالات الرعب المسيطر على جنود جيش الاحتلال من مواجهة المقاتلين الفلسطينيين مُذلة على نحو خاص. وقد تجرع نتنياهو مرارة هذه المذلَة شهورًا طويلة قبل أن يلجأ إلى سلاح التجويع، والإبادة الجماعية، بسبب فشل جنوده المرتجفين من مواجهة المقاومة. وجاء خطاب التبجح والإيهام بالقوة محاولة لغسل عار الجزع والخوف والمهانة التى لحقت بالجيش الإسرائيلى من خصم لا يكاد يقارن عدده وعدته وتسليحه بجيش الاحتلال. وبالتالى فإن خطاب التبجح بالقوة يبدو حيلة خطابية للتخلص من ذاكرة المذلة والهوان.

العامل الثانى المؤثر هو تولى الرئيس الأمريكى دونالد ترامب مقاليد السلطة فى أمريكا. فقد أعطى ترامب لنتنياهو شيكًا على بياض. وجعله متحكمًا فى الإمكانيات العسكرية الأمريكية على نحو غير مسبوق طوال تاريخ العلاقة الوثيقة بين البلدين. وقد ظن نتنياهو أن الدعم غير المشروط من أمريكا يخوله المضى قدمًا فى تحقيق أحلامه التوسعية، فأسكرته نشوة القوة الوهمية حتى قادته إلى مغامرة عسكرية فاشلة بشكل مروع، جعلته وجيشه يتجرع مزيدًا من الهوان.

خلال العدوان الصهيونى الأمريكى الأخير على إيران ولبنان، انكشفت، مرة أخرى، الصورة الحقيقية لجيش الاحتلال. وحاليًا يقف نتنياهو عاريًا من أوهام خطاب القوة والتبجح المعتاد. يراه حلفاؤه وأعداؤه فى حجمه الحقيقي. مجرم حرب، يقود جيشًا ضعيفًا لا يمتلك إلا القصف الجوى الجبان. يخسر أية مواجهة مباشرة مع المقاومة، ويفر جنوده مرعوبين من الميدان. وإزاء المذلة والمهانة المتكررة لا يجد ملجأ إلا قصف المدنيين وارتكاب المجازر ضد الأبرياء.

تُظهر المواجهات المتواصلة مع جيش الاحتلال أن هذا الكيان غير قادر على حماية نفسه، ناهيك عن أن يقدّم حماية لمن اختاروا أن يضحوا بمصالح شعوبهم وأوطانهم، وتحولوا إلى «حلفاء» للاحتلال. لكننى مع ذلك لا أتوقع أن يتراجع خطاب التبجح والتنمر عند نتنياهو، على الرغم من زوال السكرة، ومجىء الفكرة، وتجرع مرارة الإفاقة بعد غيبوبة الخطاب. فهو يُدرك أن الخطاب المتبجح المتنمر ضرورى لإخفاء واقع جيش المذلة والهوان؛ لعله بخطاب الأوهام يهرب من مرارة الحقيقة التى يتجرعها الآن.

أستاذ البلاغة وتحليل الخطاب

 

عماد عبداللطيف أستاذ البلاغة وتحليل الخطاب
التعليقات