بياض - داليا شمس - بوابة الشروق
الخميس 21 نوفمبر 2019 8:19 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على سن قانون جديد لمكافحة الشائعات وتشديد عقوبة مروجيها؟

بياض

نشر فى : السبت 21 مايو 2016 - 9:55 م | آخر تحديث : السبت 21 مايو 2016 - 9:55 م
نشتاق لمن يغيبهم الموت، فيأتون لزيارتنا فى المنام. كائنات نورانية تلبس الأبيض، ويحيط بها ضوء خفى فيصنع من حولهم هالة تشبه نجوم السينما أو تماثيل آلهة الإغريق. يبعثون برسالات الطمأنينة أو التحذير، كما كانوا يفعلون فى وجودهم. ويتفقدون الأشياء وكأنهم على وشك العودة. يقولون أحيانا كلمات قليلة أو يكتفون بنظرة أو ابتسامة ذات مغزى، فنحس أننا نعيش معهم بقدر ما نعيش مع الأحياء وأن هناك غيابا يشبه فى حضوره الحضور. الكفن أبيض والضوء أبيض وملابسهم بيضاء، هو لون الحياد التام، الخواء الذى يفصل الليل عن النهار. وكلما تذكرنا الموت أيقنا أننا لا نعرف شيئا، لكن ذلك لا يمنع الشعور بالاشتياق والرغبة فى الوصل، فيصبح الحلم هو تلك المساحة التى قد تربط بين عالمين، أحدهما معلوم والآخر مجهول، خاصة فى مجتمعات شرقية مثل بلادنا. يدفعنا حب الاستطلاع أحيانا لعقد مقارنات أنثربولوجية بين طبيعة هذه المجتمعات ومثيلاتها فى أمريكا اللاتينية أو اليونان أو كورسيكا، حيث تتشابه الثقافات والمعتقدات الشعبية، فى بعض الأوجه. نقف فى حيرة من أمرنا، ما بين العقل والأرواح التى تسكن حياتنا ورسائلها المشفرة التى تصلنا من بعيد.

***

وفى الآونة الأخيرة أصبحنا نحسد أمواتنا كثيرا على غيابهم، وكلما مرت الأيام نحسدهم أيضا على كونهم ليسوا مجبرين على أن يدلوا بدلوهم تجاه ما يحدث ولا أن يحركوا ساكنا من أجل من اختار الموت طواعية، نحسدهم على عمائهم وطرشهم وخرسهم، ونتمنى لو ولدنا ميتين. فى منطقتنا العربية، أصبحنا كمن يحيى كرنفالات دائمة للأموات. المقابر مفتوحة، والصغار يعيشون وسط الركام، يحلمون بذويهم، يهربون إلى الماضى، ويتلمسون الأشياء من حولهم، تلك التى حملت ذكرياتهم مع الأهل الذين تحولوا إلى أرواح تعطى إشارات من بعيد. الهواء الذى يملأ الغرفة يعبث بأشياء العائلة التى كانت: كرسى الأب المفضل، لا تزال وسادة الظهر موضوعة عليه، تحمل ربما بعضا من رائحة عرقه. الساعة المعلقة على الحائط، والتى تؤكد كل دقيقة أن المعارك دائرة منذ عدة سنوات وأن الوقت يمر دون جدوى. أشياء الحياة اليومية صارت متحفية.. خلقت أساطيرها الشخصية.

***

نتشمم أثر الأرواح فى الأشياء التى بقيت، ونحسد من ذهب على الذهاب، ونستأنس بهم. نتبادل روايات من كانوا قد أوشكوا على الرحيل، ثم رجعوا قبل الوصول إلى نهاية النفق الأبيض الطويل، هؤلاء الذين رجعوا إلى حياة بعد أن اقتربوا من الموت. ربما كان ذلك أثناء إحدى الحرائق التى اشتعلت هنا وهناك، أو خلال اقتحام أو تفجير للقوات، نظامية أو ميليشيات.

كل يوم هناك «قتلى مجهولون. لا نسيان يجمعهم، ولا ذكرى تفرقهم...»، كما يقول محمود درويش. نحسدهم على أنهم ولجوا إلى مرحلة البياض كالمومياوات، فى حين تركونا نحن على أرض السواد. فقط ننتظرهم فى الحلم، ونتلهف على إشارة أو علامة أو ابتسامة رضا.
التعليقات