سلام الحكومات.. وسلام الشعوب - محمد المنشاوي - بوابة الشروق
الأربعاء 19 يناير 2022 6:35 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما هي توقعاتك لمشوار المنتخب المصري ببطولة إفريقيا؟


سلام الحكومات.. وسلام الشعوب

نشر فى : الأحد 21 أغسطس 2011 - 8:25 ص | آخر تحديث : الأحد 21 أغسطس 2011 - 8:25 ص

 جاء بيان مجلس الوزراء المصرى شديد اللهجة، والذى اعتبر حادث الاعتداء على وحدة عسكرية مصرية عند الحدود الدولية المشتركة «خرقا لبنود اتفاقية السلام المصرية ــ الإسرائيلية» وحمل إسرائيل المسئولية السياسية والقانونية المترتبة على هذا العمل، ليجدد المخاوف بين الدوائر اليهودية الأمريكية وجماعات اللوبى الإسرائيلى من تبعات نجاح ثورة 25 يناير على مستقبل معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية الموقعة منذ 32 عاما.

ولم تفهم تلك الدوائر كيف لمعاهدة سلام أن تستمر لأكثر من ثلاثة عقود كاملة بدون أن تتحول من «معاهدة سلام بين الحكومات» إلى «معاهدة سلام بين الشعوب» وسط رفض شعبى عريض للتطبيع مع نظيره الإسرائيلى. وسيطرت سعادة كبيرة على هذه الدوائر عندما خرجت مظاهرات مليونية مصرية تطالب بالحريات السياسية والقضاء على نظام سياسى فاسد، بدون أن تخرج هتافات معادية لإسرائيل، أو حتى مؤيدة للحقوق الفلسطينية، وهو ما جعل الكثيرين فى واشنطن وخارجها يعتقدون عدم وجود تأثير لهذه الثورة على معاهدة السلام.

إلا أن ما تجاهلته هذه الدوائر هو مدى تأثير القوة المتصاعدة للرأى العام الشعبى فى مصر حتى عندما يتعلق الأمر بالقضايا الخارجية الحساسة، وأخذه فى حسابات المعادلات السياسية الجديدة.

وتعد هذه الدوائر أن مكاسب مصر من التزامها بمعاهدة السلام خلال العقود الثلاثة الماضية تفوق أى خسارة لحقت بها، وتكرر الكثير من المكاسب التى جنتها مصر ومن أهمها:

1ــ استعادة سيناء بعد حرب 1973، وهى الحرب التى قتل فيها نحو 8000 مصرى و2700 إسرائيلى، إلا أنها كانت آخر حروب مصر.

2 ــ حصول مصر على مساعدات أمريكية، فقد تلقت القاهرة بعد توقيعها للمعاهدة على مساعدات هائلة من واشنطن. وتقدم واشنطن سنويا مساعدات عسكرية أمريكية قدرها 1.3 مليار دولار ومساعدات اقتصادية تبلغ حاليا 250 مليون دولار. وتذكر دراسة أمريكية حديثة حصول مصر على 69 مليار دولار منذ عام 1979.

3 ــ الحد من الإنفاق العسكرى، حيث تمكنت مصر من تقليص ميزانيتها العسكرية بشكل حاد منذ حرب عام 1973. ووفقا للبنك الدولى، استهلكت نفقات مصر العسكرية نحو 2 بالمائة فقط من «الناتج المحلى الإجمالى» للبلاد فى عام 2009 (نحو 3.8 مليار دولار) مقارنة بأكثر من 20 بالمائة فى عام 1976.

4 ــ التأسيس لعلاقات عسكرية جديدة بين واشنطن والقاهرة، حيث سهل السلام إقامة علاقة بعيدة المدى بين المؤسستين العسكريتين الأمريكية والمصرية. مما مكن مصر من استبدال العتاد السوفيتى القديم. كما أتاحت هذه المساعدات إجراء تدريبات عسكرية مشتركة بشكل منتظم، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، والتدريب، والإنتاج المشترك للدبابات، والمشاورات العسكرية المنتظمة مع كل من الولايات المتحدة وإسرائيل.

5 ــ زيادة إيرادات الطاقة، حيث بدأت مصر بيع كميات كبيرة من النفط إلى إسرائيل؛ وبحلول عام 1995، شكلت تلك المبيعات نحو ثلث واردات إسرائيل من الوقود. ورغم أن تبادل النفط فى حدوده الدنيا اليوم، إلا أن البلدين وقعا على اتفاقية للغاز الطبيعى فى عام 2005. ونتيجة لذلك، بدأت مصر تزود ما يصل إلى 40 بالمائة من احتياجات إسرائيل من الغاز، ومقابل ذلك تحصل على 2 مليار دولار سنويا.

6 ــ الدعم التجارى الأمريكى، حيث تأتى ثلث الصادرات المصرية إلى الولايات المتحدة من المناطق الصناعية المؤهلة «الكويز» التى بدأ العمل بها منذ 2004 وهو ما يتيح إمكانية الوصول التجارى الحر إلى الأسواق الأمريكية، طالما كانت نسبة مئوية من سلعها المصدرة تدخل فى صناعتها مكونات إسرائيلية.

وترى تلك الدوائر أن مصر سوف تتكبد تكاليف ضخمة إذا ما ألغت معاهدة السلام مع إسرائيل، حيث ستفقد كل المكاسب السابقة، إضافة إلى تضخم ميزانيتها العسكرية على حساب ميزانية التنمية الاقتصادية، وسيتعين عليها الاستغناء عن المساعدات العسكرية والاقتصادية الأمريكية التى تبلغ 1.5 مليار دولار سنويا.

إلا أن هذه التحليلات تتجاهل حقيقة أن عائد السلام على إسرائيل أكبر بكثير. فالحكومة الإسرائيلية تعتبر معاهدة السلام مع مصر والتعاون الأمنى والعسكرى معها حجر الأساس الأهم للأمن القومى، واعتبار مصر الركيزة الرئيسية لحرب العرب أو سلمهم مع إسرائيل.

ما لا تدركه هذه الدوائر هو حجم عدم الثقة من قبل عموم الشعب المصرى فى القيادة الإسرائيلية وفى سياساتها تجاه الفلسطينيين أو اللبنانيين أو السوريين أو حتى المصريين، وهو إيمان لن يتغير فى المستقبل القريب.

لم ينجح نظام حكم الرئيس الراحل أنور السادات، أو نظام الرئيس السابق حسنى مبارك خلال سنوات المعاهدة الطويلة، وخلال حالة الاسترخاء العسكرى، فى تحقيق أى تنمية حقيقية يشعر بها غالبية الشعب. ولم تحقق سنوات المعاهدة بناء أى جسور ثقة بين الشعبين، ولم يحدث تطبيع إعلامى أو ثقافى أو رياضى، ولا يتوقع أحد أن يتم مثل هذا التطبيع على الإطلاق.

سياسة مصر تجاه إسرائيل بعد ثورة 25 يناير، باتت مصدر قلق لصانعى القرار السياسى فى تل أبيب بعدما فقدت حليفها الاستراتيجى فى المنطقة برحيل نظام الرئيس السابق حسنى مبارك. ويدرك الجانب الإسرائيلى أن سياسة الحكومة الجديدة فى مصر لن تسير فى نفس الاتجاه الذى كانت عليه خلال عهد مبارك، على الرغم من أن القيادة السياسية الجديدة فى مصر التى تولت الحكم إثر تنحى مبارك عن الحكم أكدت أنه من غير الوارد بالنسبة إليها إعادة النظر فى معاهدة السلام الموقّعة بين مصر وإسرائيل.

وأخيرا، فإن الظاهرة المصرية الجديدة المتمثلة فى احترام القيادة السياسية للرأى العام للشعب تعتبر المعضلة الأساسية التى لا تجد الدوائر النافذة فى واشنطن وسيلة لاحتوائها أو حتى فهمها، وتخشى أن تؤدى إلى الوصول ليوم لا تملك فيه إسرائيل لا سلام الشعوب ولا حتى سلام الحكومات.

محمد المنشاوي كاتب صحفي متخصص في الشئون الأمريكية، يكتب من واشنطن - للتواصل مع الكاتب: mensh70@gmail.com
التعليقات