النفسية.. مع د. محمد طه: هنا ودلوقت - محمد طه - بوابة الشروق
السبت 5 ديسمبر 2020 8:25 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

مع أم ضد استمرار التعليم عن بُعد إذا انتهت أزمة كورونا؟

النفسية.. مع د. محمد طه: هنا ودلوقت

نشر فى : السبت 21 نوفمبر 2020 - 8:40 م | آخر تحديث : السبت 21 نوفمبر 2020 - 8:40 م

فى هذا الباب الأسبوعى الذى يظهر كل يوم احد، يتواصل د. محمد طه أستاذ م. الطب النفسى، معكم، للإجابة على أسئلتكم واستفساراتكم فى كل ما يخص أحوال النفس، والطب النفسى، والعلاقات الإنسانية.

راسلونا على: http://m.me/mohamedtaha.net

●● كل الرسائل تخضع للسرية والخصوصية التامة، والإجابات عليها تكون بطلب المُرسل وبدون ذكر أية معلومات شخصية.

ــ سلام عليكم يا دكتور..

أنا عايش لبكرة مش هنا ودلوقتى أبدا.. أنا لو فى يوم متحركتش إنى أعمل حاجة جديدة، باحس بجمود، وإنى زيرو.. أنا مش حاسس بنفسى هنا ودلوقتى من كتر ما بكره شاغلنى. أنا مسئول ومهتم، لكن مش عايش اللحظة لأنى لو ركزت هنا ودلوقتى فأنا عايز نتيجه تعبى هنا ودلوقتى. امتى هاستمتع بدلوقتي؟
هل أنا عندى مشكله كبيرة؟ أرجو من حضرتك الرد.

صديقى العزيز..
سؤالك مهم جدا.. وهو فرصة جيدة جدا علشان أكلمك وأكلم القراء عن مفهوم ومعنى وفايدة (هنا ودلوقت).. وأرجو أن كلامى يفيدك ويفيد الجميع.
عارف يا صديقى إيه أصعب سجن فى الدنيا؟ سجن «خايف من بكرة»..
عارف إيه السجن اللى أصعب منه؟ سجن «زعلان على امبارح».
عارف إيه أصعب حاجة فيهم هما الاتنين؟ إن احنا اللى بنسجن نفسنا فيهم بإيدينا.
مافيش سجن بيبهدل صاحبه، ويعذبه، وماينيمهوش الليل.. زى سجن «خايف من بكرة».. ومافيش زنزانة ضيقة ومظلمة وموحشة.. زى زنزانة «زعلان على امبارح».
كل يوم باسمع مئات الشكوى.. من عشرات الأشخاص.. تتلخص معظمها فى الندم على فات.. أو الرعب مما هو قادم.. إما واحد غرقان فى امبارح ومش قادر يفلت من شباكه.. أو واحد مشنوق من بكرة ومش عارف يفك حبل المشنقة..
ده متشعبط فى علاقة قديمة.. أو زعلان على فشل سابق.. أو ندمان على فرصة ضائعة.. وده خايف من فقد الموجود.. أو ضياع المحسوب.. أو خسارة المُكتَسب.
ولا ده عايش.. ولا ده عايش..
لا.. فى الحقيقة.. هما الاتنين عايشين.. بس مافيش حد فيهم على قيد الحياة..
الاتنين بياكلوا ويشربوا ويتنفسوا.. بس محدش فيهم حاسس بطعم الأكل أو الشرب أو النفس.
ده عايش فى حزن.. وده عايش فى هم.. والاتنين عايشين فى غم..
يعنى واقع الحال.. إن الانشغال بامبارح وببكره.. بيضيع علينا النهاردة.. بيضيع علينا فرحة النهاردة.. خوفا من حزن (قد) يأتى بكرة.. بيحرمنا من حب النهاردة.. تعلقا بحب امبارح.. بيخطف مننا جمال النهاردة.. فجأة وبدون انذار..
مش بس كده.
ده الانشغال بدقيقة فاتت.. أو دقيقة جاية.. بيضيع علينا الدقيقة اللى احنا فيها حاليا.. والانشغال بلحظة فاتت.. أو لحظة جاية.. بيحرمنا من هنا ودلوقت.
احنا فى الحقيقة لا نملك فى حياتنا غير (هنا ودلوقت).. مافيش فى ايدينا غير اللحظة دى، فى المكان ده..
اللى فات انتهى.. حتى لو كان ساب أثر أو كدمة أو جرح.
واللى جاى.. ما زال بإيد ربنا.. مانعرفش هانشوفه أصلا واللا لأ.
مافيش غير (هنا ودلوقت)..
كل حياتك مُركّزة فى هذه الثانية.. اللى هاتروح ومش هاترجع تانى..
هى فعلا راحت بعد قرايتك للسطر اللى فات..
واللى بعدها راحت أول ما وصلت للسطر ده..
شوفت؟
فى بعض تدريبات «الوعى اليقظ» Mindfulness، بيحطوا قدام الناس أكل.. ويطلبوا منهم ياكلوا على مهلهم جدا.. ويوجههوهم إنهم يعملوا كل خطوة فى عملية الأكل ببطء شديد.. يمضغ اللقمة براحته.. ياخد وقته فى إنه يتذوقها.. يحس بطعمها.. وبعدين يبلعها بدون أى استعجال.. ويبدأ اللى بعدها.. وهكذا..
فى بعض التدريبات الأخرى، بيخلّوا الناس يغمضوا عنيهم.. ويتنفسوا بهدوء.. ويحسوا بالهوا وهو داخل وخارج من صدرهم.. ويحسوا بعضلات الصدر والبطن وهى بتنقبض وتنبسط.. ومايفكروش فى أى حاجة غير النَفَس اللى بيتنفسوه..
كل ده علشان يورونا قيمة اللحظة الحالية.. ويعلمونا إزاى نركز فيها.. ونمسكها.. ونقتنصها.. ونحسها.. ومانسيبهاش تضيع هباء.
بأقولك..
هو إنت إمتى آخر مرة حسيت بطعم الأكل فى بقك؟ أو آخر مرة غمضت عينيك وسيبت نَفَسك يدخل ويخرج فى هدوء؟ من زمان أوى.. مش كده؟
واللا ماحصلش أصلا؟
طيب..
علشان كل ده.. اتعملت قاعدة مهمة جدا فى جلسات بعض أنواع العلاج النفسى.. اسمها (أنا وانت، وهنا ودلوقت).. يعنى لما أحب أتكلم.. أتكلم بصيغة (أنا).. مش صيغة الواحد.. أو الإنسان.. أو البنى آدم.. ماينفعش أقول: «والله الواحد تعبان النهاردة».. أو «الإنسان طول عمره ضعيف».. لكن ينفع أقول «أنا تعبان النهاردة».. و«أنا حاسس بضعفى».. ولما أحب أكلم حد.. أكلمه فى وشه وأقوله: «انت».. ماتكلمش عن حد غايب.. وماتكلمش مع حد عن حد موجود بالفعل بصيغة الغائب.. وفى كل ده.. احنا عايشين هنا ودلوقت.. وحاسين هنا ودلوقت.. وماسكين فى هنا ودلوقت..
أنا شايف إن القاعدة دى مش بس تنفع فى العلاج.. دى ممكن تكون قاعدة حياة.. ليه أخفف عن نفسى مسئولية كلامى ومشاعرى وتصرفاتى.. وأقول (الواحد عمل).. بدل (أنا عملت)؟ ليه أهرب من مواجهة حد موجود أو غايب.. فى حين إنى أقدر أكلمه مباشرة؟ ليه أهرب من هنا ودلوقت.. فى امبارح وبكرة؟
يعنى مانفتكرش اللى فات يا دكتور؟
لا طبعا نفتكره.. بس نتعلم منه.. من غير ما نسجن نفسنا فيه..
يعنى مانعملش حساب اللى جاى؟
مين قال كده؟ نعمل حسابه طبعا.. ونخطط له.. بس برضه.. من غير مانسجن نفسنا فيه..
عاوز تبدأ؟
جرب حاجة من اللى مكتوبين فوق.. حاول تحس بطعم الأكل.. حاول تاخد نفسك على مهل.. حاول تحس بملمس الأرض تحت قدميك.. هنا والآن..
اعمل ده كل يوم ولو خمس دقايق.. وستذهل من النتيجة..
وهاتعرف بجد.. يعنى إيه (هنا).. ويعنى إيه (دلوقت)..
دعواتى معك..

محمد طه أستاذ مساعد الطب النفسي بكلية طب المنيا
التعليقات