من «الليبرالية الجديدة» إلى «الليبرالية الرديئة».. وماذا بعد..؟ - محمد عبدالشفيع عيسى - بوابة الشروق
الأحد 11 أبريل 2021 8:43 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد قرار تدريس اللغة الهيروغليفية بالمدارس؟

من «الليبرالية الجديدة» إلى «الليبرالية الرديئة».. وماذا بعد..؟

نشر فى : الخميس 21 ديسمبر 2017 - 9:50 م | آخر تحديث : الخميس 21 ديسمبر 2017 - 9:50 م

عجب أمر القائمين على صياغة المذهب الاقتصادى والسياسات الاقتصادية فى مصر الآن، وخاصة من الطاقم المسمى إعلاميا بالمجموعة الاقتصادية، ممثلة فى محافظ البنك المركزى وبعض الوزراء المختصين بالشأن المالى والتجارى بالذات. فلقد اختاروا، أخيرا، السير على طريق ما يسمى فى الكتابات الاقتصادية المتخصصة بالليبرالية الجديدة، وهى التى لا تبالى كثيرا بالطبقات المنتجة الواقعة أدنى سلّم الدخل وفى أوسطه، ممن يطلق عليهم هذه الأيام مصطلح أعيد تأهيله واسترداد صلاحيته المفقوده فى الفكر الاجتماعى، مصطلح «الفقراء»، من رطانة «الصندوق والبنك».
لا تبالى تلك «الليبرالية الجديدة» خاصة بالطبقة الوسطى كثيفة الحضور فى السياسة والثقافة، عظيمة الوجود فى خضم علاقات الإنتاج؛ وإنما تضع على كاهلها أعباء ما يسمونه (الإصلاح الاقتصادى) دون التفات واجب إلى مقتضيات العدل الاجتماعى، بلهُ الإنصاف فى توزيع المغارم المفروضة.
ولكنهم حين تبنّوا – ضمنيا دون تصريح – مذهب «الليبرالية الجديدة» وسمّوه «الاقتصاد الحر»، لم يختاروا للأسف إلا أسوأ النسخ المثبوتة فى بعض الأعمال الدولية، وبالتحديد أعمال «الشقيقين الشقيّين»: صندوق النقد الدولى والبنك الدولى. ومن هنا جاء التركيز فى مجال الاستثمار والإنفاق الإنمائى على أنشطة البنية الأساسية والسكن والعقارات والطاقة، وجرى إهمال متعمد، أو غير متعمد، لا فرق بينهما، للصناعة التحويلية، وهى قاطرة التنمية دون منازع، وللاستهلاك الجماهيرى، وهو قوة دافعة للنمو من باطن «الطلب».
***
والحق أنه حينما تم «استيراد» تلك النسخة الليبرالية الجديدة، إلى البلاد النامية، وخاصة البلدان المحمّلة بأعباء الدين المحلى والخارجى، خلال الثمانينيات والتسعينيات وأوائل الألفية الجديدة، فقد أُخِذ منها أسوأ ما فيها، بالسعى إلى تحقيق التوازن النقدى والمالى، على حساب التوازن الحقيقى، أو «الإنتاجى»، و«الاجتماعى»، تحت إشراف مباشر من الوسطاء الدوليين للتمويل الأجنبى، أو «القروض الإسعافية»، وأبرزهم «الصندوق والبنك».
لم تكن تلك مجرد «ليبرالية جديدة» فى البلاد النامية، مقابل «ليبرالية قديمة» ــ كلاسيكية كانت أو كينزية ــ ولكنها، فيما نرى، يمكن أن نسميها «الليبرالية الرديئة». ذلك تعبير أفضل من مصطلح «الليبرالية الجديدة» التى لا تعنى شيئا فى المضمون سوى أنها «جديدة» مقابل أخرى قديمة غير معرّفة بالتحديد. أو قل إن الليبرالية الجديدة لها نسختان: نسخة مهيمنة رديئة، هى التى انتشرت وطبقت فى مصر وغيرها، ونسخة أخرى «طيبة إلى حدّ ما» ولكنها مهّمشة وتهملها الأدبيات السائدة وخاصة الأدبيات الرأسمالية الغربية الراهنة.
هذه الليبرالية «الطيبة نسبيا» ولكن المهّمشة، لا تمثل ما سمّى بتوافق واشنطن الذى تم برعاية الصندوق والبنك منذ عقود، ولا «ما بعد توافق واشنطن» الذى حاول إصلاح ما أفسده الدهر بالتوافق الأول، ولكنها تذهب شوطا أبعد فى مضمار تقديم نوع من البديل «المعقول» نسبيا، تجاه شطر عظيم من البلاد النامية.
فإنه فى خضم «توافق واشنطن» و«ما بعد توافق واشنطن» نسى الجميع – أو تناسوا ــ جوهر عملية التنمية الحقيقية، التى لحمتها وسداها عملية «التصنيع» من ناحية، و«إنصاف القوى الاجتماعية المنتجة»، من ناحية أخرى.
***
ولقد اكتشفنا فى ثنايا الكتابات الأخيرة لبعض المنظمات الدولية، وخاصة «منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية» ــ اليونيدو ــ و«مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية» ــ الأنكتاد ــ وجها آخر لليبرالية ليس رديئا إلى الحدّ الذى يطبع الليبرالية الجديدة المنتشرة.
ولاحظنا ما يمكن أن يكون ردا مباشر وغير مباشر على نهج السياسات الاقتصادية السائدة فى مصر الآن، والتى بلغت ذروتها من خلال (تعويم الجنيه)، وما يسمى «استهداف التضخم»، ما أدى من الناحية العملية إلى تعميق حالة الركود والكساد، فصار التضخم النقدى «تضخما ركوديا» بحق. وجاء ذلك من جراء الاهتمام الزائد بالقطاعات الأعلى ربحية لدى القطاع الخاص الكبير، كالعقارات والاتصالات، وقطاعات أخرى للبنية الأساسية والمفصولة نسبيا عن عملية الإنتاج، ولكن الأقل قدرة على تحقيق النمو الأصيل والتنمية الشاملة فى الأجل الطويل. ذلك الاهتمام الزائد هو الذى يعطل العملية التنموية الحقيقية –عملية «التحول الهيكلى» القائم على ترجيح كفة القطاعات السلعية والخدمية الأعلى قدرة على زيادة الإنتاجية والكفاءة الاقتصادية ــ الاجتماعية عبر الزمن، وخاصة الزراعة والصناعة التحويلية والخدمات القائمة على توطين العلم والتكنولوجيا.
ثم إن السياسة الاقتصادية الجارية فى مصر وفى غيرها من البلدان السائرة على خطى «الليبرالية الجديدة –الرديئة» بدعوى (الاقتصاد الحر)، تهمل قوة الدفع التنموى المعالج للركود، التى يمكن استمدادها انطلاقا من عنصر «الطلب» بالمعنى الاقتصادى، وخاصة الطلب الاستهلاكى، الذى أخذ فى التراجع خلال السنة الأخيرة تحت وطأة انخفاض «الدخل المتاح للاستهلاك»، و«الإنفاق الجارى» لدى الأغلبية الاجتماعية الشاسعة Vast Majority. تلك هى ظاهرة «نقص الاستهلاك الجماهيرى» المعروفة جيدا فى أدبيات الفكر الاقتصادى، حين تتعاظم فتؤدى إلى الكساد، أو تعمقه إن كان قائما.
وقد وجدنا أن كلا من «اليونيدو» و«الأنكتاد» – وهما من المنظمات المتخصصة القائمة ضمن أسرة «الأمم المتحدة» على كل حال ــ تدعوان إلى الاهتمام بالتصنيع، وبالإنفاق الاستهلاكى كآلية لدفع النمو والتنمية من خلال الطلب.
***
وبالفعل فإننا نقرأ فى الأدبيات «غير الرديئة» من تلك المنظمات الدولية، ما يدل على احتفال شديد بهذين الأمرين، ونترك التفصيل فيهما للباحثين، خاصة الشباب منهم. الأمر الأول، كما رأينا، هو التصنيع، بمعنى إحداث زيادة جوهرية فى نصيب قطاع الصناعة التحويلية من الناتج المحلى الإجمالى، بحدّ أدنى 20% ــ 25% (مقابل ما يتراوح بين 13% و16% فى مصر على امتداد العقود الأربعة الأخيرة). والأمر الثانى هو الدعوة إلى التخلّى عن سياسة التقشف، التى يقع عبئها الأساسى على عاتق الأغلبية.
وهذا هو «تقرير التنمية الصناعية 2018» ــ الصادر عن «اليونيدو»ــ عنوانه: «الطلب على الصناعة التحويلية: دفع التنمية الصناعية الشاملة والمستدامة». وفى تناول الطلب نجد تركيزا على الطلب المحلى والخارجى، وفى الطلب المحلى تركيز على أهمية التوسع فى الاستهلاك الخاص وفى الإنفاق الحكومى. أما عنوان «تقرير التجارة والتنمية لعام 2017» ــ الصادر عن الأنكتاد ــ فهو: ما بعد التقشف، نحو سياسة عالمية جديدة. ونجد مثلا فى صحيفة «الشروق» (عدد 13/12/2017) مقالا مترجما عن (الجارديان) البريطانية بعنوان: «السياسة التقشفية البريطانية وعدم المساواة بين الجنسين».
بل ونجد عندنا فى مصر ــ فى «التقرير الوطنى للتنافسية» عن عام 2016 ــ والذى يمثل نخبة رجال الأعمال إلى حد كبير ــ تأكيدا قويا على أهمية حفز الاستهلاك والإنفاق الحكومى للنمو الاقتصادى. وهذا ما نستقيه أيضا من تغطية لتقارير صادرة عن «غرفة الصناعات الغذائية باتحاد الصناعات المصرية»، و«المجلس التصديرى للصناعات الغذائية» تحت عنوان: «انكماش الطلب يهبط بأرباح شركات الأغذية». وعنوان آخر فى «الشروق» (بتاريخ 13/12/2017): «ارتفاع أسعار الاسمنت يقود سوق العقارات للركود». وهذه كلها مجرد أمثلة قليلة.
فماذا بعد..؟ وهل عرفنا إذن كيف أن صانعى السياسة الاقتصادية من الطاقم الرسمى عندنا قد اختاروا من «الليبرالية الجديدة» أردأ ما فيها؟

محمد عبدالشفيع عيسى أستاذ باحث في اقتصاديات التنمية والعلاقات الدولية
التعليقات