اصرفوا نظر عن البورصة ومضارباتها... البنوك العامة والإنمائية هى الحل - محمود الخفيف - بوابة الشروق
الثلاثاء 19 نوفمبر 2019 2:23 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما توقعك لنتائج منتخب مصر في كأس الأمم الأفريقية تحت 23 سنة؟

اصرفوا نظر عن البورصة ومضارباتها... البنوك العامة والإنمائية هى الحل

نشر فى : الثلاثاء 22 أكتوبر 2019 - 10:25 م | آخر تحديث : الثلاثاء 22 أكتوبر 2019 - 10:25 م

فى أواخر شهر سبتمبر 2019، أطلق مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد) تقرير التجارة والتنمية لهذا العام تحت عنوان «تمويل اتفاق أخضر عالمى جديد»، وهذا تقرير سنوى تصدره الأمم المتحدة لتناقش فيه أوضاع الاقتصاد العالمى وأهم التحديات الاقتصادية والتنموية التى تواجه العالم النامى، وتقترح توصيات بسياسات بديلة لمواجهة تحديات عالم اليوم الذى تسيطر عليه العولمة المفرطة وتسوده أفكار وسياسات ليبرالية جديدة متوحشة لا ترحم فقراء العالم النامى.
ومن ضمن ما ناقش تقرير هذا العام دور البنوك الإنمائية وبنوك القطاع العام ودور التمويل العام فى إمكانية تحقيق التنمية المستدامة وأهدافها وذلك فى موازنة مع دور التمويل الخاص. ومن تحليل الأوضاع الاقتصادية فى العديد من البلدان النامية، يخلص التقرير إلى أنه فى ظل العولمة المفرطة غالبا ما يوفر القطاع الخاص مصادر تمويله من الأموال العامة أو من خلال بنوك عالمية أو مؤسسات مصرفية عملاقة، وعادة ما يكون هذا أقل قدرة على خلق فرص عمل ودفع عجلة التنمية وأيضا أكثر كلفة من الاستثمارات العامة الممولة مباشرة من البنوك الإنمائية العامة وبنوك القطاع العام التى تسعى للاستثمار فى القطاعات الإنتاجية (الزراعة والصناعة) والوصول إلى الأهداف التنموية للدولة وتحقيق الصالح العام، بما فى ذلك الحد من الفقر والمحافظة على البيئة.
ولذلك يجب تغيير قواعد اللعبة المصرفية التى رُسِخت فى الثلاث عقود الأخيرة، وكبح جماح «الأمْولة» (financialization) التى تعمل على تحويل كل شىء مادى وذو قيمة نفعية للبشر إلى قيمة مالية ونقدية بهدف التربح من المضاربة فى بورصات وأسواق أخرى ليس لها ضابط أو رابط وليس لها أهداف تنموية اجتماعية، أسواق يُباع ويُشترى ويُضَارب فيها على كل شىء بما فى ذلك ديون العالم الثالث وسلع ومنتجات مستقبلية لم تُنتج بعد، وحتى البشر لم يُستثنوا من هذه الأسواق كما هو الحال مع لاعبى كرة القدم والرياضين المحترفين.
إن البنوك العامة والبنوك الإنمائية طبيعتها تختلف عن البنوك الخاصة، فأهدافها تركز على المشاريع طويلة الأجل التى تتجاوز فوائدُها الاجتماعية والتنموية العائدَ التجارى البحت، وتستهدف القطاعات ذات الأهمية الاستراتيجية التى يتجاهلها، أو غير قادر على تمويلها، القطاع الخاص. ولذلك تتحمل البنوك العامة العبء الأثقل، وبالتالى يجب أن تحظى بالاهتمام والمعونة الأكبر من قبل الدول النامية الساعية لتحقيق أهداف التنمية المستدامة.
وعلى الرغم من سيطرة أيديولوجية الليبرالية الجديدة، فقد تمكنت بنوك إنمائية عامة فى كثير من البلدان النامية من القيام بدورها وضخ مئات المليارات من الدولارات من القروض التنموية. ففى حالة بنك الصين الإنمائى تمثل قيمة قروضه الجارية أكثر من 13 فى المائة من الناتج المحلى الإجمالى للصين (قيمة قروض بنك الصين تقدر بنحو 1.64 ترليون دولار أو ما يقرب من سبعة أمثال حجم الاقتصاد المصري)، وتمثل قروض بنك كوريا الإنمائى نحو 11 فى المائة من الناتج المحلى الاجمالى لكوريا. ولكن على الجانب الأخر هناك بنوك عامة فى بلدان مثل روسيا وجنوب أفريقيا والمكسيك والهند أقل إسهاما، حيث لا تزيد قيمة قروضها عن 1 إلى 2 فى المائة من الناتج المحلى الإجمالى لهذه الدول. وفى دول أخرى، تتبع وصفة سياسات الليبرالية الجديدة بإخلاص وحماس شديدين وبدون تقييم وافى، فالأمر لم يتوقف عند تقليص دور البنوك الإنمائية بل امتد إلى خصخصة بنوك عامة كشرط من شروط قروض صندوق النقد الدولى أو البنك الدولى، وكما يفيد تقرير الأونكتاد هذا أمر لا يساعد على تحقيق أهداف التنمية المستدامة.
وتفيد تحليلات الأونكتاد أن البنوك العامة، وبالأخص البنوك الإنمائية، فى كثير من البلدان النامية ينقصها رأس المال للقيام بدورها التنموى ولتمويل المشاريع ذات الأهمية الاستراتيجية للدولة والمجتمع، وهذا أمر يجب التعامل معه، وكذلك يجب تقوية دور السياسات الاقتصادية للحكومات (المالية والنقدية والزراعية والصناعية والتجارية) للاستفادة من الفرص الإيجابية التى يمكن للبنوك العامة والإنمائية أن تخلقها وكذلك لتمكين البنوك العامة للقيام بدورها.
وقد اقترح تقرير الأونكتاد عدد من الإجراءات والسياسات التى قد تساعد صانع القرار فى العالم الثالث على تحقيق ذلك، ومن هذه التوصيات:
تحرير البنوك المركزية من التركيز الضيق على استهداف التضخم وسعر الصرف وتمكين هذه البنوك من استعادة دورها التاريخى الداعم للتنمية وخلق فرص عمل ودفع الاستثمارات نحو القطاعات الإنتاجية، واستحداث أدوات ائتمان تركز على الصناعات ذات الأهمية الاستراتيجية.
توفير المزيد من رءوس الأموال للبنوك الإنمائية والعامة لتوسيع قاعدة الإقراض الإنتاجى، ويجب دعم تلك البنوك بالأطر القانونية والسياسية المناسبة وتكليفها بدور واضح وأهداف واضحة، مع وضع مجموعة من مؤشرات الأداء وآليات المساءلة التى تركز على العائد الاجتماعى والاقتصادى فى الأجل الطويل ولا تقتصر على العائد المالى فقط، وهذا يتطلب إصلاح النظام المصرفى لتعزيز دور البنوك العامة ومنحها معاملة خاصة بما يتناسب مع الدور المنوط بها.
وحذر تقرير الأونكتاد من المخاوف المتعلقة بما يُرَوج له كإصلاحات للنظام المصرفى والبنكى وعادة ما تدعو للخصخصة وغالبا توضع كشروط وضمانات لقروض البنك الدولى.
النسخة الانجليزية للتقرير https://unctad.org/en/PublicationsLibrary/tdr2019_en.pdf، الترجمة العربية ستُتاح على موقع الأونكتاد قريبا.

محمود الخفيف اقتصادي بالأمم المتحدة
التعليقات