لماذا تسعى ألمانيا لإعادة تعريف علاقاتها بالصين؟ - قضايا إستراتيجية - بوابة الشروق
الأربعاء 22 مايو 2024 6:37 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد دعوات مقاطعة بعض المطاعم التي ثبت دعمها لجنود الاحتلال؟

لماذا تسعى ألمانيا لإعادة تعريف علاقاتها بالصين؟

نشر فى : الثلاثاء 23 أبريل 2024 - 6:55 م | آخر تحديث : الثلاثاء 23 أبريل 2024 - 6:55 م

نشر مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة مقالا لباحثى المركز، أوردوا فيه توجه المستشار الألمانى أولاف شولتس، للصين، فى 14 إبريل 2024، فى زيارة استمرت لثلاثة أيام، بناءً على دعوة من رئيس مجلس الدولة لى تشيانج. وتُعد تلك الزيارة هى الثانية له منذ توليه منصبه، فقد جاءت الزيارة الأولى فى عام 2022. وشهدت الزيارة الأخيرة مُناقشة العديد من الملفات التجارية والاقتصادية والسياسية، فضلًا عن لقائه بالرئيس الصينى شى جين بينج، ورئيس مجلس الدولة للتباحث بشأن القضايا المشتركة.
• • •
يقول باحثو المركز إن هذه الزيارة تأتى فى ظل وجود عدد من المتغيرات التى تجعل السياق العام للعلاقات الألمانية الصينية يشهد قدرًا من التناقضات، لعل أبرزها:
• الحفاظ على علاقات مُتوازنة: يستهدف الاتحاد الأوروبى بناء علاقات متوازنة مع الصين دون فك الارتباط معها؛ إذ يدرك الأوروبيون أن فك الارتباط بشكل كامل سوف يضر بالضرورة باقتصاديات أوروبا. فى السياق ذاته، يجرى الاتحاد الأوروبى عدة تحقيقات حول ما إذا كانت صادرات التكنولوجيا الخضراء الصينية مثل السيارات الكهربائية التى استفادت من الدعم الحكومى الصينى من الممكن أن تمثل ضررًا للمنتجين المحليين فى الكتلة الأوروبية بفعل الإغراق، وتخشى صناعة السيارات الألمانية أن تؤدى هذه التحقيقات إلى حرب تجارية قد تضر بالصناعات الألمانية المتصلة بالصين فى هذا الإطار.
• خصوصية الارتباط مع ألمانيا: وذلك فى ظل تزايد الاعتماد المتبادل بين الطرفين على بعضهما بعضًا. فعلى الرغم من التحسبات الموجودة فى العلاقات بين الطرفين؛ ظل التعاون الاقتصادى حجر الزاوية فى العلاقات الثنائية؛ إذ تُعد ألمانيا أكبر شريك تجارى للصين فى الكتلة الأوروبية، بينما تستحوذ الصين على نحو 10.3% من الاستثمارات الألمانية الخارجية.
وفى الشهر الماضى، أكد سفير الصين لدى ألمانيا أن الشركات الألمانية قد عززت الثقة فى السوق الصينية عبر الإبقاء على أنشطتها بها؛ مما يعبر عن قوة العلاقة الاقتصادية بين البلدين.
• توجهات السياسة الألمانية إزاء الصين: يمكن الوقوف على أبرز تلك التوجهات من خلال استراتيجية السياسة الخارجية الصادرة العام الماضى (2023)، والتى أشارت إلى أن ألمانيا تنظر إلى الصين باعتبارها قادرة على التأثير فى أمنها ومصالحها الاقتصادية، لكن دون التوجه للانفصال عنها، بل العمل على ضبط التعاون لعدم الإضرار بالمصالح الألمانية، مع إعطاء الأولوية لتقليص الاعتماد على الصين فى القطاعات الاستراتيجية.
يتبنى المستشار الألمانى شولتس، منهج التقارب وتدعيم التبادل التجارى مع الصين، فى حين يخشى عدد من وزرائه من أن هذا يُعد تكرارًا لخطأ الاعتماد على الموارد البترولية الروسية، والذى أثر لاحقًا فى الأوضاع الاقتصادية الألمانية بعد اندلاع الحرب الأوكرانية، وهو ما عبّرت عنه وزيرة الخارجية الألمانية أنالينا بيربوك، بشكل واضح عندما قالت إن الأخطاء التى تم ارتكابها سابقًا مع روسيا يجب تجنبها مع الصين، كما سبق واعترض ستة وزراء ألمان على صفقة استحواذ الشركة الصينية «كوسكو» على حصة فى محطة الحاويات بميناء هامبورج، اعتقادًا منهم أن ذلك بمثابة خطوة لاستحواذ الصين على بعض البنى التحتية الاستراتيجية فى ألمانيا.
• • •
يضيف باحثو المركز أنه يمكن الاستدلال على القضايا ذات الأولية لتلك الزيارة من خلال تسليط الضوء على الوفد المرافق للمستشار الألمانى، والذى لم يقتصر فقط على الوفد الحكومى الذى شمل وزراء البيئة والزراعة والنقل، وإنما ضم كذلك ممثلى الشركات الألمانية خصوصًا فى مجال صناعة السيارات مثل شركتى مرسيدس وفولكس فاغن، وشركة التكنولوجيا سيمنز، وغيرها. وعليه؛ يمكن الوقوف على أبرز دوافع الزيارة على النحو التالى:
• مُناقشة العراقيل الصناعية والمالية: التى تُعد أحد أهم جوانب التوتر فى العلاقات الاقتصادية، فقد تضمنت تلك الزيارة التوجه إلى المركز الصناعى فى تشونجتشينج، الذى يُعد قاعدة إنتاجية للعديد من الصناعات، خصوصًا السيارات، مع زيارة شنغهاى التى تضم مكاتب إقليمية للشركات الألمانية، وشارك المستشار الألمانى فى حوار طلابى بجامعة تونغجى، التى تربطها شراكات مع الجامعات الألمانية، فضلًا عن زيارته مركز الابتكار فى منطقة آسيا والمحيط الهادئ التابع لشركة كوفيسترو الألمانية.
جدير بالذكر أن المستشار الألمانى، قد اطلع خلال تلك الزيارة على المشكلات التى تواجهها الشركات الألمانية العاملة بالسوق الصينية، والتى يبلغ عددها نحو 5 آلاف شركة، وتتمثل أبرزها فى الإجراءات والسياسات التى تؤدى للممارسات والمنافسة غير العادلة.
• مخاوف من تفاقم الحرب التجارية: خاصة فيما يتعلق بصناعة السيارات والتكنولوجيا الخضراء والسيارات الكهربائية فى ضوء السياسات التى يتبناها الاتحاد الأوروبى. وقد تضمنت الجولة زيارة مصنع خلايا وقود الهيدروجين التابع لشركة بوش الألمانية، فى تشونجتشينج.
جدير بالذكر أن صناعة السيارات الألمانية تعتمد على السوق الصينية، إلا أن تزايد التوترات بين الغرب والصين يُثير مخاوف برلين التى يستفيد اقتصادها من طلب الصين على الاستثمار وعلى السلع الألمانية المصنعة، والتى تتراوح بين السيارات والمواد الكيميائية؛ مما يجعل تلك المصالح المتبادلة عرضة للخطر فى إطار المنافسة المتزايدة من الشركات الصينية وتشديد القواعد التنظيمية، وكذا التدخل السياسى الذى أدى لانخفاض الاستثمار الأجنبى بالصين.
• الملفات السياسية والاستراتيجية: إذ كان من المقرر أن يتطرق شولتس، إلى دعم الصين لروسيا؛ لحث الصين على تبنى دور أكثر نشاطًا فى الجهود المبذولة لإنهاء الحرب، وأن تؤثر فى روسيا وسلوكها؛ من خلال حث بكين على عدم الاستمرار فى تقديم الدعم لموسكو.
كما أن الأزمة فى الشرق الأوسط كانت حاضرة؛ إذ تم التطرق لها فى تلك المحادثات خاصة مع تزامن الهجمات الإيرانية مع بداية تلك الزيارة، من أجل تجنب سيناريوهات التصعيد. كما أعرب المسئولون الألمان قبل الرحلة عن أملهم فى أن تؤدى بكين دورًا إيجابيًا فى تهدئة التوترات المتزايدة فى الشرق الأوسط.
• • •
خلصت الزيارة إلى بعض المخرجات والنتائج التى لها العديد من الدلالات والتداعيات؛ الأمر الذى يمكن تبيانه على النحو التالى:
• تعزيز العلاقات الثنائية: وفقًا لتصريحات شى، فإنه يتعين على البلدين العمل على تطوير العلاقات بمنظور استراتيجى طويل الأجل برغم الاختلافات عبر البحث عن أرضية مشتركة، والعمل معًا لضخ المزيد من الاستقرار والأمن فى العالم؛ من خلال التعاون بين القوى الكبرى فى خضم هذه الحقبة المتسمة بالاضطرابات. كما تُشير التقديرات إلى أن تلك الزيارة هى محاولة لتعزيز آفاق سياسات التعايش السلمى بدلًا من إحياء جوانب الحرب الباردة عبر تأكيد أهمية نهج الشراكة بدلًا من التنافس.
ومن جهة أخرى، فقد أكّد شولتس، أن المحادثات شهدت تطورات إيجابية فى القضايا الاقتصادية التى تحتاج إلى مناقشتها بشكل عاجل، مثل: توفير فرص مُتكافئة للشركات الألمانية فى الصين، وقضايا حقوق النشر والملكية الفكرية، معربًا عن أمله فى أن تترجم هذه المناقشات إلى إجراءات ملموسة فى أقرب وقت ممكن.
• موقف مُستقل عن الاتحاد الأوروبى: أكّد شولتس، أن أوروبا بحاجة إلى تكثيف الاتصالات القائمة وبناء اتصالات جديدة مع الصين، فضلاً عن تأكيد أهمية المنافسة العادلة والمتكافئة بين الشريكين ورفض الممارسات الحمائية؛ نظرًا لأن المنافسة أمر حتمى لا يمكن تجنبه، ورفض شولتس، الإقرار بوجود ممارسات إغراق، وفائض فى الإنتاج، وكذا انتهاك حقوق الطبع والنشر كما تقول السرديات الأوروبية. كما أشارت تقديرات رويترز، إلى أن بكين حثت برلين على عدم دعم إجراءات الاتحاد الأوروبى لوقف تدفق المركبات الصينية الصنع ومعدات طاقة الرياح والطاقة الشمسية إلى أوروبا. ولهذا الأمر تأثيره البالغ فى فعالية السياسات الأوروبية وفرص نجاحها.
اختتم باحثو المركز المقال بالقول إن تلك الجولة من المحادثات تمثل عزم برلين على التمسك بمصالحها فى السوق الصينية وخصوصية علاقتها ببكين دون الاضطرار للتماهى مع الموقف الأوروبى والأمريكى فى هذا الإطار، خاصة فى ظل المساعى الألمانية لتذليل العقبات والتحديات ومناقشة المخاطر التى تتعرض لها مع الجانب الصينى؛ إذ ثمة حالة من الترقب لتقييم تبعات الموقف الألمانى وحدود التقارب مع الصين على النحو الذى قد يجعله يمثل فراقًا عن السياسات الأوروبية أو قد يجعله يسهم فى تذليل العقبات بين الصين والتكتل الأوروبى، خاصة فى ظل ترقب زيارة الرئيس شى، لأوروبا والتى ستتضح فيها ملامح الآفاق المستقبلية للعلاقات الأوروبية الصينية.

النص الأصلى

التعليقات