لا أريد رجلًا يحبنى.. - جميل مطر - بوابة الشروق
الإثنين 19 أغسطس 2019 7:24 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

بعد إقالة لاسارتي.. من المدرب المناسب للنادي الأهلي؟





لا أريد رجلًا يحبنى..

نشر فى : الثلاثاء 23 يوليه 2019 - 11:05 م | آخر تحديث : الثلاثاء 23 يوليه 2019 - 11:05 م

«منذ تعارفنا وأنت تقول إننى حتما وقريبا جدا سوف أقابل من يحبنى. يومذاك سوف أجد نفسى على مفترق طرق كلها تؤدى إلى السعادة. سوف اختار طريقا منها أمشى فيه، الأشجار بخضرتها اللامعة على جانبيه والطيور على أغصانها تشدو مرحبة ومهنئة، رصيفاه على الجانبين تزينهما أحواض زهور، كل زهرة بلون مختلف. الرصيف باقة يهديها حبيب إلى حبيبة أطلت من شباك غرفة نومها وسعادتها غامرة وقلبها عامر. نسمة الصباح الناعمة تنفذ تحت قميصى فتدغدغ الجلد ويهتز لها البدن. أسمع لحنا محببا فأتخيل الحبيب على خط النهاية يعزف على آلته الوترية لحننا، لحن حبنا. هناك ينتظرنى ومئات الصغار وقد ارتدوا الثياب التقليدية المزركشة بأحلى الرسوم ينتظرون معه تباشير الموكب. السعادة كلها فى انتظارى. تذكر ولا شك تفاصيل ما بقى من هذه الحكاية. وصلت أتقافز كعصفور يحلم بيد تفرغت لاحتوائه. تذكر أننى وجدت فى انتظارى فتى أحلامى وبطل قصتى يلوح ويهتف. امتلأت بالفخر والرضا حتى أن سمعته يعلن اكتمال سعادته بحصوله هذا الصباح على جائزة تفوق لا يحصل عليها إلا المجتهدون المتفرغون للدرس أو الفائزون فى المسابقات الرياضية. أطرقت الرأس، والقلب أيضا. أعتب عليك أنك لم تُعْدِدْنى لهذه النهاية. تركتنى اندفع على طريق لم تكن فى انتظارى عند نهايته السعادة التى وعدت بها.
سبقتنى إلى خط النهاية جائزة. ليتنى ما أحببت.
***
أعلنوا فى النادى عن رحلة بحرية تجوب أهم موانئ البحر الأبيض المتوسط. استشرت الأهل فرحب كبير العائلة مبديا رغبته فى تمويل جانب من تكاليفها تقديرا لنتائج امتحاناتى للماجستير. استشرتك فكنت كعادتك مشجعا، وعند اقتراب موعد السفر كنت الناصح بأولوية ما أزور وأفعل فى الموانئ التى يزمعون التوقف فيها. كنت أيضا أول من تمنى أن أختلط بالركاب وأتعرف على من هم فى مثل عمرى أو أكبر قليلا. قلت، وكنت خير قائل، ليس كل الرجال متحرشين، عامليهم بالحسنى حتى يثبت العكس. وعندما يثبت هذا العكس أنت حرة لتتخذى الإجراء المناسب. تبدأ حكايتى عند المضيفة الأرضية المكلفة بإنهاء إجراءات بطاقة السفر وشحن الحقائب. هناك وقف شاب فى منتصف العمر وقد أنهى اجراءات سفره ولم يتوجه مثل ركاب آخرين ناحية أكشاك الشرطة والمغادرة. بأدب مستساغ عرفنى بنفسه، هو مرشد الرحلة. شرح لى وظائفه وأظن أنه نفس الشرح الذى يتعين عليه تقديمه لجميع أعضاء المجموعة. أعترف بأننى ارتحت إليه منذ اللحظة الأولى. ارتحت أكثر عندما تطوع أكثر من مرة بأن يحمل بعض مقتنياتى. بعد يوم أو يومين صار الناطق باسمى فى مطاعم برشلونة وفى أسواقها. كان كريما معنا جميعا فى شرح تاريخ أشهر كنيسة، أو فى الحقيقة أم الكنائس الأوروبية ــ كنيسة لا فاميليا ساجرادا ــ ولكنه كان معى أكثر كرما. ففى أكثر من مرة خصنى بمعلومات أوفر من تلك التى طرحها أمام عامة الأعضاء. وفى كل المرات كان حريصا على أن أجلس بجانبه. وفى جنوة مثلا دعانى للذهاب معه فى رحلة حرة بريفييرا الزهور ومنتجع سان ريمو حيث يوجد كازينو ينافس كازينو مونت كارلو الشهير فى الريفييرا الفرنسية. قضيت ليلة من ليالى العمر. لم اعترف إلا بعد أن همس فى أذنى أثناء الرقص معلنا بكل الدفء المهذب والممكن أنه يقضى معى وقتا ممتعا لم يقض مثله فى أى رحلة أو مناسبة سابقة. لن أنسى الدقائق التى قضيناها معا ومع فنجانى الاسبريسو نشاهد انبلاج الفجر فى كافيتيريا على طريق العودة إلى السفينة المقرر لها أن تبحر مع شروق الشمس. كانت ككل الدقائق الصامتة أعلى صوتا من صخب الزبائن الآخرين وأغلبهم من سائقى النقل الثقيل من شتى الجنسيات.
استمر حظى مواتيا فى إستانبول. إذ قضيت معه خارج المجموعة أمسية أخرى فى مطعم يطل على البوسفور. كان سعيدا أو هكذا بدا لى. أو قل هكذا فضحته يده التى تسللت لتمسك بيدى الممدودة بالصدفة ناحيته. برر احتضان اليد لليد بأنه حدث تعبيرا عن إعجاب شديد بأداء المغنية التركية والفرقة الموسيقية المصاحبة لها. لا أبالغ إن قلت لك إننى رأيت سحابة خجل أو اعتذار تكسو وجهه وهو يقدم هذا التبرير الساذج وغير المطلوب لِيَدٍ احتضنت يَدًا أخرى.
عدنا إلى القاهرة وفى مطارها اختلفت مراسم وداعنا ــ هو وأنا ــ عن غيرنا. الآخرون تبادلوا معه أرقام الهواتف الشخصية ووعود بلقاءات قريبة، أما أنا فربتة على يدى. مشيت نحو باب المطار أجر حقيبتى. هناك عند الباب وقفت السيدة نازلى، رفيقتنا فى الرحلة، تنتظر سيارتها. اقتربت منى تعرض توصيلى وعلى الفور قبلت العرض شاكرة. ركبنا السيارة. لم أنطق بحرف ولم تنطق حتى اقتربنا من حيث أنوى النزول من السيارة. التفتت ناحيتى وقالت بعد اعتذار مناسب إنها ربما أخطأت لأنها لم تنبهنى منذ بداية الرحلة إلى أن الشاب الوسيم المهذب مرشد الفريق تزوج قبل أسابيع قليلة من سيدة أحبته وأحبها حبا جما. أظن أننى عززت ما قالت وأنه كان بالفعل نعم المرشد والرفيق. نزلت من السيارة مطرقة الرأس والقلب مرة أخرى. سبقتنى إليه سيدة وتبادلا حبا جما. ليتنى ما أحببت.
***
حكايات حبى كثيرة وأنت تعرف بعضها. لم أقصر فى تنفيذ إرشاداتك ونصائحك. العيب على كل حال ليس فيها. أنا فاشلة فى الحب. القدر يعاكسنى. تارة أصل قبل الوقت المناسب وتارة بعده. مرة أقع على الشخص غير المناسب ومرات أحب رجالا لم يحبوا أحدا أو شيئا قدر حبهم لذواتهم. تعبت يا صديقى. يكفينى عذاب ما بعد الفشل. انتهى الأمر، لا أريد بعد اليوم رجلا يحبنى، أريد رجلا يتبنانى».

جميل مطر كاتب ومفكر مصري كبير مهتم بقضايا الإصلاح والتحول الديمقراطي ، ويعد من أبرز الكتاب في المنطقة العربية ، وله سمعة كبيرة في هذا المجال على الصعيد الدولي أيضا ، فضلا عن كونه محللا سياسيا معروفا .