الإعلام الغربى وحقوق الإنسان.. الخلفيات والرهانات - العالم يفكر - بوابة الشروق
الخميس 23 يوليه 2026 8:58 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما تقييمك لنسخة كأس العالم 2026؟

الإعلام الغربى وحقوق الإنسان.. الخلفيات والرهانات

نشر فى : الخميس 23 يوليه 2026 - 7:05 م | آخر تحديث : الخميس 23 يوليه 2026 - 7:05 م

عصام العدونى


إذا كانت قضايا حقوق الإنسان قد برزت على سطح النقاش العمومى، بما فى ذلك السياسى والإيديولوجى والإعلامى، منذ عقود عدة، فالملاحظ أن بريقها وثقلها لم يخفت أو يتراجع إلى اليوم. بل إن هذا النقاش دائما ما يتجدد أو يتكرر بظهور سياقات أو وقائع أو رهانات دولية وجيوسياسية مختلفة (سياق الربيع العربى مثلا).


وإذا كانت الفترة التى تلت الحرب العالمية الثانية من القرن الماضى شهدت إصدار العديد من الإعلانات والمواثيق الدولية الخاصة بحقوق الإنسان، فإن ما كان يميزها هو اندراجها فى إطار التقاطبات والصراعات السياسية والإيديولوجية بين المعسكرين الغربى والشرقى، وبالتالى فى إطار صراع المصالح والتموقعات والمنافسات الدولية، وكانت إحدى مزايا هذا الصراع هو إقرار نوع من التوازن والتكافؤ فى التعاطى مع حقوق الإنسان، وذلك بالمزاوجة بين الحقوق السياسية المدنية من جهة، والحقوق الاقتصادية والثقافية من جهة أخرى، أو بين الحقوق الفردية الليبرالية والحقوق الجماعية وحقوق التنمية والتضامن بين الشعوب.


ومما لا شك فيه أنه بفضل تطور مجتمع الإعلام والمعرفة أصبحت الوسائط الإعلامية اليوم من أهم وسائل الإخبار والمعلومة، وبالتالى من أهم قنوات التأثير فى الاتجاهات والمواقف وصناعة الرأى العام. فقد بات من المؤكد أن الإعلام بمكوناته المختلفة (السمعية والبصرية والمكتوبة والرقمية والتفاعلية) أصبح سلطة خارقة لا تضاهيها السلطات الأخرى من حيث القدرة على إنتاج المعلومات وترويجها فى مدة وجيزة على نطاق الكوكب. إن الوسائط الإعلامية لا تنقل الوقائع كما هى كـ «معطى خام» وإنما تعيد بناءها، فهى تعيد تشكيل الوقائع المادية والذهنية لأفراد اليوم ومجتمعاته. وبين الوقائع كما هى وإعادة تمثيلها وتصويرها فى الإعلام يكمن رهان الموضوعية والاستقلالية.


• • •
إن أى مراقب محايد لا يحتاج إلى عناء كبير لملاحظة أن الحوادث أو الوقائع أو الممارسات الثقافية والتربوية أو أى مسألة ذات صلة من قريب أو من بعيد بحقوق الإنسان وحرياته، بخاصة حين يكون مسرحها بلدانٌ تقع فى أطراف النظام الرأسمالى الغربى، أو ضمن مجموعات سياسية وثقافية مختلفة عن البلدان الغربية، وسواء تمظهرت فى خروقات أو تجاوزات جزئية ومعزولة أم فى أشكال من الحرمان والإقصاء، أم فى ممارسات مرتبطة بالبناء السوسيوثقافى أو بطبيعة التنظيم الاجتماعى والاقتصادى (نذكر على سبيل المثال الهدر المدرسى للفتاة الريفية باعتباره حرمانا من الحق فى التعليم، حيث يتأرجح تفسيره بين العوامل السوسيوثقافية المرتبطة بالثقافة المحلية كالدين والتقاليد والشرف، أو بمحددات مرتبطة بطبيعة التنظيم الاجتماعى/ الاقتصادى، كالحاجة الملحة لليد العاملة النسوية فى الأشغال الاقتصادية الأسرية)، أم كانت بمثابة انتهاكات ذات دوافع بنيوية لها صلة بطبيعة النظم السياسية وأنماط الحكم والثقافة السائدة فيها، فإنها فى جميع الأحوال تشكل مادة دسمة، ودائمة الحضور فى الإعلام والسياسة الغربيين.


إن فهم الأساليب والآليات التى من خلالها يتم انتقاء أحداث ووقائع وممارسات بعينها دون غيرها وبثها للعموم واستيعابها، ومن ثمة إعطاؤها نعت «الخبر» أو «المعلومة» أو «الظاهرة» التى تستحق أن تسلط عليها الأضواء، وتصدر فى شأنها التقارير والأحكام «الموضوعية» و«المحايدة» خدمة للحقيقة، يرتبط لزوما فى نظرنا بضرورة الأخذ بالاعتبار بعض العناصر الأساسية التى تدخل فى خلفيات ورهانات تشكيل هذه الوقائع وصوغها.


• • •
- أول هذه العناصر يتعلق بمضامين الأحداث ودلالاتها وعلاقتها بمرجعية حقوق الإنسان بشكل عام أو بمبدأ وحق معين من حقوق الإنسان بشكل خاص؛ انطلاقا منه يظهر أن التمييز والانتقائية هما السمتان الغالبتان، حيث يتم انتقاء الوقائع التى تستحق التغطية الإعلامية. إن الحقوق الاقتصادية والتنموية من قبيل الحرمان الاقتصادى أو الاجتماعى، الهشاشة، البطالة، الفقر... تعتبر أقل أهمية، بينما الحقوق السياسية والثقافية من قبيل حرية التعبير والاجتماع والرأى، حرية الضمير، الحياة الخاصة للأفراد، الولوج للإنترنت، تحظى بالأولوية القصوى. فى هذا السياق تنطرح أمامنا التساؤلات التالية: هل يخضع انتقاء الوقائع وتصويرها ونقلها وتدوينها لاعتبارات موضوعية/ مهنية، وإنسانية/ حقوقية، كما يتم الادعاء، أم لاعتبارات أخرى قد تكون سياسية واقتصادية وأخلاقية؟ الأكيد اليوم أن الحرب الإعلامية، حرب الصورة والأيقونة واللقطة والكلمة، لا تقل خطورة عن الحرب العسكرية؛ وأن الرواج الإعلامى لخطاب تقسيم العالم إلى محورين أحدهما «محور الخير» والآخر «محور الشر»، والدول إلى صديقة و«مارقة» خير مثال.


- العنصر الثانى تكنولوجى «فالتقنية ليست محايدة، ولكل حامل محموله». يتعلق هذا العنصر بطبيعة الحامل الوسائطى ونوعيته، حيث تختلف حدة وصدى التأثير الذى يخلقه الحدث أو الخبر بحسب نوعية الوسيلة التى تمرره. إن كان يتم عن طريق الصورة التلفزية أو الرقمية فإن تأثيره يكون أكبر نظرا لطبيعة الصورة ونمط اشتغالها وتأثيرها على المتلقى، حيث فى الغالب يتم تشكيل القناعات والأفكار من خلال التركيز على البعد العاطفى الانفعالى والذى يترسخ فى لا وعى المتلقى، بشكل يجعل استجاباته وردود أفعاله تصدر بداهة وبشكل تلقائى من هذه الرواسب اللاشعورية التى يتم تمريرها له من خلال سلطة وإثارة ودهاء الصورة والبث المباشر والنقل الحى. أما إن كان تلقى الخبر أو الحدث يتم من خلال الكلمة أو الكتابة الورقية سواء الصحافية أم الأكاديمية، فإن تأثيره يكون أقل نسبيا باعتبار أن اللغة كوسيلة لبلوغ المعنى تتطلب من المتلقى التوفر على أولويات وقواعد لغوية ونحوية ودلالية. بمعنى أن الخبر المنقول بواسطة الكتابة والكلمة يأخذ فيه البعد العقلانى مجالا أوسع، ويكون تأثيره أقل حدة من الصورة، بخاصة المتحركة (فيديوهات، أفلام، وثائقيات، أخبار على الهواء…) فى ترسيخ القناعات والتصورات والأحكام الجاهزة. وبما أن الكتابة أصبحت فى تراجع مستمر لفائدة الصورة والرقمنة، فالأكيد أن الصور والكليشيهات النمطية التى يبثها التليفزيون والسينما والإعلام الرقمى والإنترنت فى التعاطى مع قضايا حقوق الإنسان فى البلدان غير الغربية سيكون تأثيرها قويا فى المتلقى الغربى لأنها تخاطب العاطفة والوجدان وتدغدغ المشاعر، وتنهل من مخزون سيكولوجية الجماهير، وبالنتيجة تؤدى إلى استبطانه لتلك الصور النمطية الموروثة عن الاستشراق والاستشراق الجديد، عن الآخر ذلك البدائى، المتوحش، أو المتخلف المستبد، الذى يعيش فى العنف والفوضى، وحالة الطبيعة التى ليست سوى حياة الغريزة والحيوانية.


- ثالث العناصر يخص طبيعة الرهانات والمنافسات الدائرة بين منتجى الخبر ومروجيه وصانعيه، نقصد المؤسسات الصحفية والإعلامية الرأسمالية المتنافسة فى ما بينها من جهة أولى، على اعتبار أنها مقاولاتٌ اقتصادية/ إنتاجية هاجسها الأول تحقيق الأرباح ومراكمة الثروات من خلال استهداف الجمهور والمستهلكين، وبين باقى المؤسسات السياسية والمدنية والمنظمات الإنسانية والحقوقية من جهة ثانية، والتى قد يكون لها اختصاصٌ أو صلةٌ ما بالأحداث المراد نقلها وبثها والترويج لها، وذلك بحسب حاجة كل طرف على حدة ومبتغاه (مصالح اقتصادية، جيوسياسية، ثقافية، حقوقية...). كما يهم الرهانات والمصالح الجيوسياسية والإيديولوجية للدول والحكومات فى ما يخص قضايا حقوق الإنسان وحرياته (تحالفات أو تقاطبات سياسية/ إيديولوجية: ليبرالية، اشتراكية، ثيوقراطية، هوياتية (تثار مسائل حقوق الإنسان فى الصين وإيران أكثر من بعض الدول العربية الأخرى، يتم التغاضى عن انتهاكات إسرائيل لحقوق الإنسان الفلسطينى…). إن أخذنا بعين الاعتبار لمجموع هذه العناصر والمعطيات فى التحليل، يسمح باستنتاج أن خطاب حقوق الإنسان وحرياته، كما هو متداول ورائج اليوم فى وسائل الإعلام الغربية ولدى الحكومات والمنظمات الإنسانية ومراكز القرار العالمى، يستند إلى دوافع وخلفيات كثيرا ما تتجاوز البعد الحقوقى والإنسانى المحض لتسقط فى فخاخ المصالح وعلاقات القوة والهيمنة الملازمة للعلاقات بين الدول، ولعلاقة الفكر الغربى بالآخر، منذ نشأته فى كنف الحداثة الغربية ورديفتها المركزية الغربية، التى ظلت بمثابة اللا مفكر الغربى فى النظرة إلى الآخر والتعاطى معه، فهو بدائى، غير متحضر، متخلف، وفى أحسن الأحوال فى طور التحديث، ناهيك بمزاوجة عنف المعرفة (العلم/ التقنية) مع عنف المصالح المادية والاقتصادية والجيوسياسية التى أضحت وقود العولمة.


إن هذا الاستنتاج لا يعنى تجريد خطابات حقوق الإنسان من كل مصداقية، ولا تبرير التطاول والتعدى على حقوق الإنسان وحرياته، التى تبقى مقدسة ولا يمكن المساس بها تحت أى مسمى خصوصى أو ثقافى. إن غرضنا من بحث كيفيات وسبل تعاطى الإعلام الغربى مع حقوق الإنسان وحرياته يتمثل فى إذكاء الوعى بحقيقتها وخلفياتها ورهاناتها، وذلك من أجل أخذ المسافة النقدية تجاهها.


مؤسسة الفكر العربى
النص الأصلى:

التعليقات