مسلمو فرنسا.. بين التطرفين العلمانى والإسلامى - ناجح إبراهيم - بوابة الشروق
السبت 5 ديسمبر 2020 4:12 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

مع أم ضد استمرار التعليم عن بُعد إذا انتهت أزمة كورونا؟

مسلمو فرنسا.. بين التطرفين العلمانى والإسلامى

نشر فى : الجمعة 23 أكتوبر 2020 - 8:30 م | آخر تحديث : الجمعة 23 أكتوبر 2020 - 8:30 م

«فرنسا على صفيح ساخن» ومما أجج ذلك الغليان الفرنسى ثلاثة أخطاء متتالية أحدها خلط الرئيس الفرنسى بين الإسلام وبعض المتطرفين من أتباعه وهو خطأ لا يليق بمثله.
فقد وقع الإرهاب من يهود ومسيحيين وبوذيين ومن كل الملل والأديان ولم يقع أى رئيس فرنسى ولا أحد من أهل الدبلوماسية والسياسة فى هذا الخلط المعيب.
فلو قال ماكرون «إن المسلمين فى أزمة» لما كانت هناك ثمة مشكلة، فهم حقا فى أزمة صنع الاستعمار الفرنسى والغربى جزءًا منها، فهم الذين مزقوا العالم العربى والإسلامى قطعا متناثرة وحالوا بين وحدتها بالحديد والنار.
أما الخطأ الثانى فهو الذى يصر عليه بعض المدرسين الفرنسيين أو كتاب الصحافة وهو إقرار حرية التعبير بالإساءة للنبى «ص» خاصة تحت دعوة حرية الرأى المطلقة، وهل لا تتم حرية الرأى دون الإساءة للأنبياء والرسل.
حرية التعبير المطلقة أكذوبة فرنسية فقد حكم على روجيه جارودى وهو من أكبر الدبلوماسيين والمفكرين الفرنسيين بالسجن لأنه شكك فى إعداد مذابح النازى لليهود، مع أن هذه معلومات ليست مقدسة وهى معلومات تاريخية تقبل الرأى والرأى الآخر والأخذ والرد.
وهل يمكن لمدرس فرنسى أن يهاجم إسرائيل مثلا فى الدرس أو يهاجم احتلالها للأرض الفلسطينية ستقوم الدنيا ولا تقعد، لكن الأنبياء عموما ونبى الإسلام خاصة لا كرامة لهم فى الغرب عامة وفى فرنسا خاصة.
أما الخطأ الثالث فهو خطأ الشيشانى الذى اندفع لكى ينفع الإسلام فأضره وليحييه فإذا به يقتله فى تلك البلاد، ويزيد من حالة الاحتقان والتضييق ضد الإسلام والمسلمين، وهل كل من سيهاجم الأنبياء فى الغرب سنقتله.
قتل المدرس الفرنسى جعل المسلمين جميعا فى قفص الاتهام، ووضع الإسلام والمسلمين فى فرنسا فى حرب لا يريدونها ولا يرغبونها وليسوا على استعداد لها، وربما تكون هذه بداية لموجة تهجير لكثير من مسلمى فرنسا، والتضييق على آخرين.
لقد تسامح النبى «ص» مع رأس المنافقين عبدالله بن سلول، ورفض أن يقوم ابنه بقتله رحمة من الرسول به وبأبيه، ورغم طعنه فى عرض أم المؤمنين عائشة من باب خفى إلا أن الرسول «ص» برحمته وعفوه استجاب لنداء ابنه فى طلب ثوبه ليكفن أباه فيه وهم أن يذهب للصلاة عليه بطبيعته الحنونة إلا أن القرآن نهاه عن ذلك.
ولك أن تتأمل آيات العفو والصفح وهى 19 أية فى القرآن تدعو للصفح عمن أساء للرسول وللدين ومنها « فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ» «فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ» وهى أولى الآيات بالتطبيق الآن وفى كل وقت وهى لم تنسخ كما يتصور البعض.
وأفضل المجتمعات التى تصلح لتطبيق هذه الآيات هى المجتمعات الغربية التى أصبحت الآن فى حالة تربص وحذر من كل ما هو إسلامى، وسوف يزيد مخاوفها عمليات الاغتيال التى يقوم بها بعض الشباب المسلم المتطرف ضيق الصدر الذى يغضب لدينه ولكنه يخرج هذا الغضب بطريقة تسىء للإسلام وتضر الدين وتضر المسلمين وسمعتهم العالمية.
طريق العنف والدماء لن ينصر دنيا ولن يحيى أمة ولن ينصر نبيا، ولن يعيد حقا، ولن يعيد الحق المهضوم بل سيعطى الذريعة تلو الأخرى لوصم الإسلام وأهله بالعنف والإرهاب.
لقد تعاطف سكان نيوزيلندا وحكومتها جميعا مع المسلمين الذى قتلهم الإرهابى العنصرى اليمينى «برينتون تيرانت»، وكان موقف المسلمين فى المحكمة رائعا، وهذا أفاد الإسلام وأعطى صورة بيضاء عنهم.
أما طعن المدرس الفرنسى فقد كان أسوأ خيار اتخذه هذا الطالب الشيشانى، وكان بوسعه أن يلجأ للقضاء الفرنسى طعنا فى حق المدرس استخدام هذه الرسوم المسيئة فى قاعة الدرس لأن المناهج الرسمية لا تنص على ذلك، وتصرفه كان تعسفا فى استخدام حقه فى الشرح، وخروجا عن آداب المهنة.
أما قتل المدرس الفرنسى فصب الزيت على النار ووضع مسلمى فرنسا جميعا فى دائرة الاتهام والشك، وعضد موقف ماكرون، الذى يهوى مع أمثاله من الأحزاب الأوربية أيام الانتخابات فى تحميل المهاجرين المسلمين وزر معظم الأزمات والمشاكل والإرهاب والعنف الذى يحدث فى بلادهم.
وكان ذلك قديما يحدث من الأحزاب اليمينية العنصرية مثل حزب مارن لوبان الفرنسى والآن تقوم الأحزاب الجمهورية واليسارية بالأمر نفسه سعيا وراء كسب الأنصار.
والمستغرب أكثر أن يقع ماكرون فى ذلك ويكرره مرات بل ويتحدث عن مشروعه لسن قانون ضد ما أسماه «الانفصالية الإسلامية»، والذى اضطر لتغيير اسمه حين كشف للجميع مدى القصور وخطورة الدلالة فى مسماه.
ويلاحظ الجميع أن أوربا رحبت بالإسلام والمسلمين فى نهاية الخمسينيات والستينيات والسبعينيات درءًا للخطر الشيوعى الداهم عبر الاتحاد السوفيتى وأوربا الشرقية.
فلما زال هذا الخطر، وانتقل الإرهاب ذات الدافع الدينى الإسلامى إلى أوربا عابرا من المجموعات التى رعاها ودعمها الغرب نفسه مثل القاعدة وغيرها فى أفغانستان وشجعها بالمال والسلاح لضرب وكسر رأس الاتحاد السوفيتى.
ماكرون يخشى فى الحقيقة العدد المتزايد لمسلمى فرنسا، فهم الآن ستة ملايين، ومعدل المواليد والخصوبة لديهم مرتفع عند الفرنسيين العاديين، ومعظمهم مهمش ويعيش فى الضواحى الفقيرة، وبعضهم لديه استعداد للتطرف، وخاصة أنه يعيش فى مأزق دينى وإنسانى ومأزق هوية.
فالمواطن الشيشانى ترك بلده بعد أن داستها مرارا الدبابات الروسية وحولت مدنها الجميلة إلى دمار وحرائق وأطلال، وذهب إلى فرنسا بجيله الأول وهو يحاول التمسك بدينه ويحاول أن يلقن أولاده الانتماء إلى بلده ودينه الأصلى، وأن العلمانية هى فكرة للحياة وليست دينا بديلا، فإذا مس أحد رسوله أو قرآنه بسب أو طعن كأنه أمسك سلك الكهرباء بيده فلا يدرى ماذا يصنع.
فهذا الطالب الشيشانى لم يعرف عنه من قبل أى تطرف ولم يسجل عنه فى دوائر الأمن أية علامات للتطرف، ولكن ما لا يفهمه الغرب عن الإسلام حتى اليوم هو أن المسلم مهما عصى أو تحلل فإن مقدساته الكبرى لا تهون عليه أبدا.
وعلى المسلمين فى الغرب أن يفهموا عقل الغرب أنه عقل علمانى بحت لا يوقر رسولا ولا نبيا ولا كتابا مقدسا، وأن أصلح طريقة للذب عن مقدسات الأديان هى الحوار والقضاء.
وقد أنتجت فى أمريكا أفلام بذيئة تسب المسيح وتتطاول على سيدة نساء العالمين مريم العذراء، فهل قام أحد بقتل ممثليها ومنتجيها ومخرجيها.
فكرة القتل والاغتيال والدماء والعنف لم تنفع أصحابها لا فى بلاد العرب ولا الغرب، ولن تنفع فى أى مكان.
الغرب جهلة بالأنبياء والرسل والكتب والملائكة، وما زال أمامهم شوط طويل لمعرفة ذلك، ولا يعرفون إلا لغة الاقتصاد والنفوذ السياسى فلو كانت هناك دول إسلامية تخاطبهم وتردعهم وتمنعهم عن ذلك بنفس اللغة لربما ارتدعوا.
التطرف والعنصرية الغربية ستولد تطرفا إسلاميا والأخير سيولد موجات متتالية وعنيفة ضد الإسلام والمسلمين فى أوربا قد تنتهى فى النهاية بطرد المسلمين من أوروبا.
ماكرون الذى اتهم «الإسلام بأنه أزمة» نسى الأزمات التى أوجدها الاستعمار الفرنسى فى بلادنا، نسى ملايين الشهداء الذين قتلهم الجنود الفرنسيون بدم بارد فى الجزائر والمغرب وتونس وسوريا وغيرها، نسى أنه مازال يريد الوصاية على إفريقية حتى اليوم، نسى قهره للسان العربى والثقافة العربية وفرضه الفرنسية فرضا ثقافة ولغة.
ولم تعتذر فرنسا حتى اليوم عن شىء من ذلك كما لم تعتذر أمريكا عن هيروشيما وناجازاكى وقتل مليون فيتنامى.

التعليقات