ما الذى يوجد فى الدساتير المتقدمة ولا يوجد لدينا؟ - سليمان عبدالمنعم - بوابة الشروق
الإثنين 5 يناير 2026 2:46 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

من ترشح لخلافة أحمد عبدالرؤوف في تدريب الزمالك؟

ما الذى يوجد فى الدساتير المتقدمة ولا يوجد لدينا؟

نشر فى : السبت 24 أغسطس 2013 - 9:35 ص | آخر تحديث : السبت 24 أغسطس 2013 - 9:35 ص

يظل التطلع إلى النماذج الدستورية المتقدمة أمرا مطلوبا فى الحالة المصرية. لكن ثمة ملاحظتين سريعتين الأولى أن الحذر واجب عند المقارنة مع نظم دستورية أجنبية ومحاولة الاقتباس عنها. فلا يمكن النظر لدستور ما بمعزل عن الظروف التاريخية والاجتماعية التى وضع فيها، ولا عن درجة التطور السياسى والثقافى للمجتمع، ولا أخيرا عن مدى فاعلية واستقلالية مؤسسات الدولة.

فهذه المقومات الثلاثة هى باختصار البنية الأساسية التحتية لأى دستور متقدم. وعلينا الاعتراف بأن ما توافر لدول أخرى من هذه المقومات على مدى مائة أو مائتى عام لم يتوافر لدينا فى مصر بعد.

الملاحظة الثانية أن فتح النقاش العام حول الدساتير المقارنة يتطلب مناخا ومساحة زمنية لا تتوافر لدينا فى مصر اليوم ونحن محكومون بإطار زمنى لإنجاز التعديلات الدستورية. لكن هذا كله لا يصادر جدوى التأمل ولو من باب القاعدة الشهيرة ما لا يدرك كله لا يترك كله.

●●●

تختلف منهجية صياغة الدساتير فى العالم بحسب إحدى نظريتين. نظرية تقليدية فى طريقها إلى الأفول ترى أن الدساتير بوصفها الوثيقة الأسمى قانونيا يجب أن تكتفى بإيراد المبادئ العامة الأساسية فى مجالات الحقوق والحريات، وتحديد العلاقة بين السلطات تاركة إلى التشريعات الأدنى مهمة التنظيم وتفصيل الأحكام فى شتى هذه المجالات.

ومثال ذلك الدستور الأمريكى والفرنسى واليابانى. أما النظرية الحديثة التى تتأثر بها معظم دساتير الجيل الرابع حاليا فمؤداها أن يصبح الدستور وثيقة مطولة تنزع أحيانا إلى التفصيل وتتسم بالشمول وذلك لمواكبة اتساع رقعة الحقوق والحريات الفردية وتعقد الحياة الحديثة ومتطلبات تطور المجتمعات. ومثالها الدستور الهندى والبرازيلى.

بل إن الدستور الألمانى وهو أيضا وثيقة دستورية مطولة يتطرق مثلا إلى أمور تفصيلية هى أقرب لمجال التشريع العادى مثل ما ينظمه فى مادته الـ48 من التزام الدولة بتربية الحيوانات على أسس علمية حديثة والحفاظ على سلالتها وتحسينها وحظر ذبح الأبقار والعجول وغيرها من الماشية المدرّة للألبان والتى تستخدم فى الجر. هذا نص مكانه الدستور الألمانى وليس التشريع أو اللائحة!

والآن أيهما أنسب لمصر: وثيقة دستورية موجزة أم وثيقة مفصلة تتجاوز المبادئ والعموميات إلى ما هو أكثر؟ المؤكد أننا نحتاج إلى دستور من النوع الأخير لأن مرحلة التحول الديموقراطى التى نسعى لاجتيازها ستفرض الكثير من التساؤلات وتطرح العديد من الخيارات التى لا يمكن أن يحسمها سوى الدستور. يضاف إلى ذلك أن الدساتير الموجزة التى تقتصر على المبادئ العامة إنما تناسب دولا ذات تراث دستورى عريق وتراكم مؤسساتى طويل وثقافة ديموقراطية راسخة مثل الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا.

فالدستور فى مثل هذه الديموقراطيات العريقة يبدو أشبه بإعلان المبادئ لأن المجتمع هناك راكم من الأعراف والممارسات والتقاليد الديموقراطية ما يجعل دور الدساتير فيها أقرب ما يكون إلى الوثيقة (الكاشفة) وليس (المنشئة) للواقع السياسى والديموقراطى. ونحن ما زلنا نفتقر فى مصر إلى هذه الدرجة من التطور والرسوخ. ولهذا فالأمل أن يسهم الدستور فى بناء هذا الواقع الجديد.

●●●

لا يقتصر الأمر فى دساتير الدول المتقدمة على مجرد تكريس الحقوق والحريات العامة للأفراد وقد صارت جميعها من المحفوظات التى لا تخلو منها المواثيق الدولية الحقوقية، لكن ما تفعله هذه الدساتير هو خلق آليات لتطبيق هذه الحقوق والحريات ووسائل لحمايتها وسبل للانتصاف متاحة للمواطنين جميعا حال وقوع انتهاك لحقوقهم وحرياتهم. وهذا ما ينقصنا على وجه التحديد فى مصر اليوم. رائع أن يجىء دستورنا الجديد مرصعا بهذه المبادئ النظرية لكن إلى أى حد يضمن تطبيقها وحمايتها؟ هذا هو السؤال.

فدستور جنوب أفريقيا (م38) ينظم على نحو محدد وتحت عنوان إنفاذ الحقوق وسائل الإنصاف المتاحة حال انتهاك أو التهديد بانتهاك أحد الحقوق المقررة فى الدستور. وكذلك يفعل الدستور الهندى (م32 ). بل إن الدستور اليابانى (م16) يدرج ضمن سبل الانتصاف عن الأضرار التى تلحق بحقوق الأفراد حقهم فى إقالة المسئولين العموميين المتسببين عن هذه الأضرار.

نحن فى مصر أكثر احتياجا من الدول المتقدمة لآليات محددة للانتصاف على أن يكون ذلك من خلال نص دستورى. فنحن لا نتصور مثلا كيف يمكن إعلاء مبدأ المواطنة وحظر التمييز من دون آلية محددة مثل مجلس أو هيئة للعدل والمساواة تتيح للمتضررين التظلم أمامها بإجراءات ميسرة خلال مهلة معينة. يمكن إذن للدستور أن يضفى قوته الملزمة على مثل هذه الآلية ويقرر حق الأفراد فى اللجوء إليها تاركا أمر تنظيمها التفصيلى إلى تشريع عادى يصدر لاحقا.

●●●

تولى دساتير الدول المتقدمة اهتماما بالغا وملحوظا بأولويات ومقومات تنموية اجتماعية واقتصادية وثقافية لا تقل أهمية عن نظيراتها السياسية. وهو ما يفتقر إليه الدستور المصرى. فالدستور الألمانى مثلا يصل اهتمامه بمؤسسة المدرسة كعنصر للهوية الوطنية حدا يسترعى الانتباه. فهو ينظم فى ستة نصوص تحت عنوان الشئون المدرسية بعض المسائل بالغة الأهمية.

من ذلك مثلا أنه يقرر إخضاع الحق فى إنشاء مدارس خاصة لمجموعة من الشروط المنصوص عليها فى الدستور ذاته. ويستوجب موافقة الدولة على إنشاء المدارس الخاصة رهنا بشروط دستورية منها ما يرتبط بالأهداف التعليمية للمدرسة الخاصة (هذه مسألة هوية وطنية) واستيفاء مرافقها وهيئتها التعليمية لمعايير الكفاءة (وهذه مسألة جودة) وألا تنطوى الرسوم المدرسية المقررة على تمييز بين الطلاب الملتحقين بها بحسب الدخل المادى لعائلاتهم (هذا بعد اقتصادى).

المؤكد أننا فى مصر أكثر احتياجا لمثل هذه الحماية الدستورية المتوازنة للحق فى نمط تعليمى معين هو التعليم الخاص إزاء ما بلغته المنظومة التعليمية فى مجملها من تراجع وتدهور. جدير أيضا بالملاحظة ما يبديه الدستور البرازيلى من اهتمام دستورى بحقوق العمال الريفيين والحضريين. والاهتمام هنا لا يعنى مجرد النص على بعض المبادئ العامة التى تكرس حقوق العمال بل بلغ اهتمام الدستور البرازيلى حد وضع إطار تنظيمى محكم ومفصل لحماية حقوق العمل قوامه خمسة وأربعون نصا دستوريا. نعم 45 نصا دستوريا.

تتعدد الأمثلة الدستورية سواء لدول بالغة التقدم مثل ألمانيا أو لدول ناهضة أو متوسطة التقدم مثل البرازيل لكن الفكرة الجوهرية واحدة وهى أن بعض الأولويات والمقومات التنموية ليست أقل احتياجا للحماية الدستورية من مثيلاتها السياسية. إضافة إلى أن رعاية هذه الحقوق يعكس فهما واقعيا وعميقا لمسألة تكامل وعدم تجزئة منظومة حقوق الإنسان.

●●●

ينفرد الدستور الألمانى بنص نكاد لا نجد له نظيرا فى الدساتير المقارنة. ويبدو أن هذا النص قد فرضته التجربة التاريخية المؤلمة فى العهد النازى. مؤدى هذا النص (م18) هو إسقاط الحقوق الأساسية المنصوص عليها فى الدستور الألمانى وذلك إذا كان استعمالها يمثل تهديدا للنظام الديموقراطى. مثل هذا النص يبدو مفيدا ومطلوبا فى الدستور المصرى بل لعله يمثل مخرجا مقبولا وديموقراطيا يغنى عن إشكالية حظر إنشاء الأحزاب على أساس دينى خصوصا أن هذا الحظر يمكن الالتفاف عليه بوسائل شتى.

كما أن فرص تطبيق هذا الحظر تبدو ضئيلة من الناحية الواقعية. أما إسقاط الحقوق ومن بينها الحق فى إنشاء الأحزاب اذا ترتب عليها الخروج على قواعد النظام الديموقراطى (مثلما يحددها الدستور) فهو أحد المكابح الدستورية التى لا يمكن الاعتراض عليها إذ تعتبر النظام الديموقراطى هو السقف الذى يحتكم إليه الجميع دون مصادرة لحريات الرأى والفكر والتعبير.

عينا أن ندرك فى نهاية المطاف أن الدساتير ليست فقط صياغات قانونية لكنها مؤسسات تبنى على الأرض وآليات لتطبيق الحقوق والحريات وحمايتها. هذا هو الفارق بين الدستور وبين الحياة الدستورية. فالدستور نص ومعنى والحياة الدستورية واقع ومبنى.

سليمان عبدالمنعم أستاذ بكلية الحقوق ــ جامعة الإسكندرية
التعليقات