الأزهر والبرلمان - محمد عصمت - بوابة الشروق
السبت 19 سبتمبر 2020 9:25 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

الأزهر والبرلمان

نشر فى : الإثنين 24 أغسطس 2020 - 9:55 م | آخر تحديث : الإثنين 24 أغسطس 2020 - 9:55 م

قد لا يمكن فهم أسباب وخلفيات وأبعاد مشروع القانون الذى قدمه عدد من نواب البرلمان حول تنظيم دار الافتاء، بعيدا عن العلاقات المتوترة بين الأزهر وبين السلطة التنفيذية فى مصر خلال السنوات الماضية حول عدد من القضايا التى تتعلق بتجديد التراث وحرمة الدم وتكفير داعش والطلاق الشفهى وغيرها.
مشروع القانون التى تقوم فلسفته على استبعاد دور الأزهر الشريف فى معظم شئون الفتوى فى البلاد، يصطدم بعنف مع نصوص الدستور حول اختصاصات الأزهر كما جاء فى تقرير مجلس الدولة، فى حين أعلنت هيئة كبار العلماء ان هذا المشروع يستهدف النيل من الأزهر بمحاولة إنشاء كيان موازٍ له، وأن الأمر يتجاوز حدود النزاع على الاختصاصات، فالخطورة تكمن فى تجزئة رسالة الأزهر وإهدار استقلاله الذى هو عماد وسطيته واعتداله، أما شيخ الأزهر نفسه فقد ارسل طلبا للدكتور على عبدالعال لحضور الجلسة العامة المقرر عقدها الاسبوع المقبل لإقرار القانون، فى محاولة منه لإثناء البرلمان عن الموافقة عليه.
أداء البرلمان الرقابى والتشريعى خلال السنوات الأربع الماضية قد لا يعطى أى فرصة للحصول على أجوبة عن أسئلة كان من المفترض توجيهها له، تتعلق بأسباب رفضه لرأى مجلس الدولة حول عدم دستورية مشروع القانون، أو بتجاهله للمخاطر التى تحيق برسالة الأزهر التى أشارت إليها هيئة كبار العلماء، أو حتى بهيبته ووزنه الدينى الكبير فى دول العالم الاسلامى.
قد يكون مبرر البرلمان لتمرير القانون هو إعلان تضامنه مع مواقف السلطة التنفيذية التى ترى أن الأزهر لا يقوم بدوره المأمول فى تجديد الخطاب الدينى، وفى تنقية التراث من الآراء الفقهية التى تستند إليها التنظيمات المتطرفة فى تكفيرها للمجتمعات الاسلامية ومحاولة تغييرها بالعنف والارهاب، وأيضا فى استنباط أحكام شرعية جديدة تتناسب مع متغيرات عصرنا الحالى.
لكن ما تناساه البرلمان أن كل هذه المهام لن يمكن القيام بها إلا فى مناخ عام من الحريات، فتجديد الخطاب الدينى لن يتحقق بقرارات سلطوية تأتى من فوق، ولكنه سيتحقق فقط عبر حراك اجتماعى ــ سياسى ــ ثقافى، يتطلب نجاحه فتح المجال العام أمام الجميع بدون حجر أو وصاية أو توجيهات، وإلا كيف مثلا يمكن أن نسمح بالتعددية التى هى أساس أى مناقشات جادة لتراثنا الدينى فى ظل أوضاع سياسية يهيمن عليها الصوت الواحد؟ وكيف يمكن أن تكتسب هذه المناقشات اهتماما جماهيريا تشارك فيه بفعالية كل طبقات وفئات المجتمع فى ظل أوضاع متدهورة معيشيا؟
تجديد الخطاب الدينى لن يمر إلا باستقلالية الأزهر واحترام اختصاصاته الدستورية مع تنقيته من العناصر الوهابية التى تسللت بأفكارها إليه، وقبل ذلك كله بتشجيع الروح النقدية فى حياتنا السياسية والاجتماعية، وهو الدور الذى كان واجبا على برلمان الشعب أن يضطلع به، بل وأن يحارب من أجله!

محمد عصمت كاتب صحفي