المرزوقى والرقص على الحبلين - امال قرامى - بوابة الشروق
الثلاثاء 23 أبريل 2024 1:02 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد دعوات مقاطعة بعض المطاعم التي ثبت دعمها لجنود الاحتلال؟

المرزوقى والرقص على الحبلين

نشر فى : الثلاثاء 25 فبراير 2014 - 4:30 ص | آخر تحديث : الثلاثاء 25 فبراير 2014 - 4:30 ص

يبدو أنّ السمة المميزّة لعدد من الشخصيات السياسيّة التى تُدير المرحلة الانتقاليّة هى التقلّب بين خطاب ينهل من معين حداثى قوامه مرجعيّة حقوقيّة كونيّة لها قيمها، ومعجمها الدلالى الخاصّ، وخطاب ضارب فى القدم تأسّس على فقه صاغه أصحابه فى زمان غير هذا الزمان، وبلغة وآليات فهم تلاءمت مع حاجات مجتمعات تقليديّة. وكأنّه لا سبيل للتحرّر من الأسر، وتسمية الأشياء بمسمّياتها، والقطع مع ممارسات، وخطابات تستسيغ التقيّة، وتهوى الضبابيّة، واللبس، والمراوغة.. وكأنّه يعزّ على مهندسى الشأن السياسى الاعتراف بأنّ التأسيس للجمهوريّة الثانية يقتضى وضوح الرؤية، وتحديد الاختيارات بدقّة، وتحمّل المسئوليات. ولكن أنّى لمن افتقر إلى رؤية سياسيّة واضحة أن يحسم أمره، ويعلن صراحة التزامه باحترام كلّ متطلّبات تأسيس الدولة المدنيّة؟

•••

ها هو السيّد المرزوقى يثبت بما لا يدع مجالا للشكّ، أنّ التأرجح بين مرجعيتين قد صار سمة مميّزة لديه، وأنّ اللعب على الحبلين صار محبّذا لديه. يكفى أن نتبيّن المخرج الذى ارتآه رئيس جمهوريّة ليحسم أمر جابر الماجرى ذاك الشابّ الذى وزّع رسومات مسيئة للرسول، وصدر بشأنه أقسى حكم بالسجن (7 سنوات)؟

لم يكن بمقدور السيد الرئيس أن ينتصر للمرجعيّة الحقوقيّة فقط، وأن يصطفّ إلى جانب الحقوقيين، وقد كان ذات يوم خلّهم الوفى، ليعلن العفو من موقع المناضل عن حريّة الفكر، والضمير والتعبير، فى زمن استشرت فيه دعوات التكفير، فيرسم بذلك سياسة الدولة المدنيّة الفعلية بكلّ عزم، وإنّما رام التلفيق والتوفيق والجمع بين الثنائيات: المبادئ الحقوقية و«التعاليم الإسلامية»، القانون الجنائى وأحكام الردة، القانون/الفقه ساعيا من وراء ذلك إلى إرضاء الناشطين الحقوقيين، و«العلمانيين»، واليساريين، والحداثيين، ومنظّمى الحملات العالمية لإطلاق سراح الماجرى.. من جهة، وعلماء الشريعة، والمتشدّدين والمحافظين من الإسلامويين، من جهة أخرى.

وحتى يتم إصدار القرار الرئاسى بالعفو عن جابر الماجرى أوّل سجين رأى بعد الثورة، ارتأت الرئاسة أن تستنجد برئيس الهيئة العليا للحقوق والحريات، وأن تستشير لجنة العفو، وفى الآن نفسه أن تستفتى وفد المشايخ. وهكذا تمّ سيناريو الإخراج: رئيس الهيئة العليا للحقوق والحريات يزور السجين بتاريخ 11/10/2013، وبعدها بأيام قليلة يقدّم الماجرى رسالة اعتذار إلى المسلمين فتعدّ فى نظر علماء الدين، توبة إلى الله، وبذلك عفا الحاكم الدنيوى فى انتظار عفوّ الرحمان القدير.

•••

يومئ اللعب على الحبلين إلى ميل المرزوقى إلى ذات اليسار وذات اليمين، يريد أن يحكم بأحكام الأرض وأحكام السماء، الدنيوى والأخروى، القوانين المدنية والشريعة، أن يعيد للقانون هيبته دون أن يتغافل عن هيبة أصحاب العمائم، أن يتلاعب باللغة: سجين الرأى/المتهم/والمرتدّ، رسالة اعتذار/استتابة، حكم صادر عن هيئة محكمة، حكم المستتيبين.

موقف المرزوقى مشابه لموقف «برداك أوغلو» رئيس إدارة الشئون الدينية التركية سابقا حين سئل عن رأيه فى تحوّل عارضة أزياء إلى المسيحية فقال: «تركيا دولة علمانية ولكلّ إنسان الحقّ فى أن يغيّر دينه من وجهة نظر قانونية إلاّ أنّ هذا الأمر يعدّ ردّة من وجهة دينيّة».

وبقطع النظر عن موقف الماجرى هل استسلم للضغوط فاعتذر من موقع الباحث عن مخرج لمحنته أم أنّه «تاب» من موقع إيمانى أم أنّه اضطر إلى ممارسة الرياء الدينى.. فإنّ حسم قضية الماجرى يطرح عدة إشكاليات منها:

• ما الوجهة التى ستتجه إليها البلاد بعد صدور الدستور؟ هل نحن فى طريق بناء الدولة المدنية وفق مبدأ احترام القوانين الدستورية أم أننا سنحاول البحث عن المخارج وفق فقه الحيل، وتكييف المسائل حسب موازين القوى؟

• إلى أى مدى نحن مدركون خطورة ما سيترتّب على حرب المواقع التى انطلقت منذ سنتين؟ فقد سعت وزارة الشئون الدينية تحت إمرة الخادمى إلى زحزحة النخب الممثلة «للفرانكوفونية، والتغريب» عن مكانها والحدّ من أدوارها وتأثيرها واستبدالها بالمشيخة والعلماء، فى محاولة لاحتكار السلطة والهيمنة على الجموع.

• هل ستعيش تونس ما عاشته السودان والجزائر ومصر وإيران وماليزيا وغيرها من البلدان الإسلامية من قضايا حسبة يطالب فيها محتكرو النطق نيابة عن الله بتطبيق حدّ الردّة تزامنا مع بداية مسار العدالة الانتقالية؟

• ما تأثير هذه السابقة فى المجال القانونى: دور القانون ووظيفته فى التنظيم الاجتماعى والسياسى؟ هل ستتحول قضية الماجرى إلى قرار يشبه «قرار حورية» يدرس ويقاس عليه أم أنّها ستتحول إلى «حدث معزول» وخطأ من أخطاء مسار التحوّل؟

• إلى أى حدّ سنتفاعل مع هذه الهجمة اللغوية أو الهبّة المعجمية التى تروم النفاذ إلى بنى التفكير وإعادة تشكيل رؤيتنا لذواتنا وللآخر وللحياة؟ فبعد الاقتصاد الإسلامى، وبنك التكافل، والأوقاف والحبس..ها هى الردة، وأحكام الردة، وحد الردة، والمرتد، وأحكام الاستتابة، والتفريق بين الزوجين، ومال المرتد، وذبيحته.

• كيف سنتدبّر واقع الحريّة الدينيّة فى ظلّ ارتفاع أصوات تطالب بتنفيذ حكم الله، وإقامة دولة الخلافة، وتعلن الجهاد على الطواغيت، وترفع السيوف فى وجوه التونسيين، متسلّحة بما تلقته من تدريبات فى أفغانستان وليبيا والجزائر والعراق وسوريا؟

•••

إنّ إصدار قرار العفو الرئاسى على الماجرى لا يتماهى فى تقديرنا، مع روح الثورة وقيمها. فالماجرى لن يغادر السجن على إثر حوار وطنى حول موقع الحريات فى تونس وعلى رأسها حرية المعتقد، وحرية الضمير، وحرية التعبير، حوار يجسّد ممارسة ديمقراطية تشاركية تجعل السياسى متفاعلا مع «إرادة الشعب» وحقه فى إدارة الاختلاف.

حرية الماجرى خضعت للمقايضة والتفاوض ومنطق «التوافق» العاطفى لا العقلانى ودارت فى الكواليس، ولذلك منّ عليه المرزوقى، ومنّت عليه «مشيخة الزيتونة»، وككلّ فعل منّ ستغدو حريّة الماجرى دَينا فى رقبته وغُلاّ يأسره إلى أبد الآبدين. حريّة الماجرى تطلّبت تنازلا ورضوخا للإكراهات ولسياق الهوس الهووى، والتذرّع بالدفاع عن المقدسات، وسيّان أكان اعتذارا أو توبة فإنّ تدخّل الجماعة لانتزاع هذه الرسالة لا معنى له سوى سحق الفرد وارتهانه والتصرّف فى قراراته، واختياراته فى تونس ما بعد الثورة.

اللعب على الحبلين أو الازدواجية علامة على انفصام سياسى ثقافى وعطب فى صياغة التصوّرات. ولكن لكلّ بهلوانى مهما أجاد الرقص على الحبلين، زلّة وسقطة.. قد يتحمّل التونسيون عددا من السقطات ولكن حين يتعلّق الأمر بنصب محاكم التفتيش، والإطاحة بالرءوس فذاك أمر جلل لشعب صرخ مدوّيا مطالبا باحترام حقّ الحياة وحرمة الأجساد.

التعليقات