كيف ستغير مذكرة التفاهم الشرق الأوسط جذريا - سيد قاسم المصري - بوابة الشروق
الخميس 25 يونيو 2026 9:07 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما توقعاتك لـ مصير منتخب مصر في كأس العالم 2026؟

كيف ستغير مذكرة التفاهم الشرق الأوسط جذريا

نشر فى : الخميس 25 يونيو 2026 - 7:20 م | آخر تحديث : الخميس 25 يونيو 2026 - 7:20 م

مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران المكونة من 14 بندا عاما والتى تدور أساسا حول وقف الحرب على جميع الجبهات وفتح مضيق هرمز وإنهاء الحصار الأمريكى على إيران والإفراج عن بعض الأموال الإيرانية المجمدة وبدء مفاوضات لمدة 60 يوما قابلة للتمديد حول الموضوعات الخلافية وأهمها الملف النووى. وهذه المذكرة هى اقتراح إيرانى فى البداية أبرزته مهارة الدبلوماسية الإيرانية وفكرته تدور حول: «دعونا نؤجل قليلا أصعب الموضوعات وهو الملف النووى الملىء بتفاصيل فنية كثيرة ونشرع فى الأشياء العاجلة التى يعانى منها العالم بأجمعه وعلى رأسها فتح مضيق هرمز».

وقد لاقى ذلك قبولا لدى الرئيس ترامب الذى أصبح لا يستطيع الانتظار أكثر من ذلك، وخصوصا وقد حذره الخبراء أن إغلاق المضيق حتى شهر أغسطس سيسبب كوارث اقتصادية عالمية ستطال أمريكا.. ونظرا لأن غالبية الشعب الأمريكى لا تؤيد الحرب، والمواطن الأمريكى يشعر أنه يدفع تكلفتها من جيبه لارتفاع أسعار المحروقات.. فضلا عن اتساع رقعة من يعتقدون أنها حرب لصالح إسرائيل وليست لصالح أمريكا. كما كان تصويت مجلس النواب الأمريكى للحد من سلطات الرئيس فى شن الحروب جرس إنذار إضافيا حيث لم يكن ليصدر لولا انضمام عدد من النواب الجمهوريين إليه

.
• • •
وقد بدا تلهف ترامب على توقيع هذه الورقة واضحا فى مسارعته بالتوقيع الإلكترونى عليها هو ونائبه جى دى فانس يوم الأحد 14 يونيو أى قبل أيام قليلة من الموعد المحدد للتوقيع حضوريا.. وذلك لقطع الطريق أمام محاولات إسرائيل لإفساد الصفقة.. وكان لافتا أن الذى وقع نيابة عن إيران ليس رئيس الجمهورية بل كبير المفاوضين.


• • •
هذه الورقة تتضمن إشارة إلى الموضوع النووى ويباهى ترامب العالم بأن إيران تعهدت فيها بشكل قاطع عدم نيتها إنتاج أو الحصول على سلاح نووى، وهو يعلم بالتأكيد أن إيران أكدت ذلك عشرات إن لم يكن مئات المرات قبل ذلك شفاهة وكتابة وقبلت من ضمانات الوكالة الدولية للطاقة الذرية ما هو اختيارى فى مجال المراقبة والتفتيش وهو البروتوكول الاختيارى الذى سمحت فيه لمفتشى الوكالة بالتفتيش المفاجئ Snap Inspections.

 

أما موضوع اليورانيوم عالى التخصيب فالسبب فى وجوده هو ترامب نفسه.. حيث إن إيران كانت ملتزمة بالاتفاق النووى المبرم عام 2015 والذى كان يحدد نسبة تخصيب بما لا يتجاوز الـ 3.67% .. وعندما انسحب ترامب من هذا الاتفاق وأعاد فرض العقوبات عام 2018 بناء على ضغط من نتنياهو كان الرد الإيرانى هو عدم الالتزام من جانبها بهذا الاتفاق وشرعت فى رفع نسب التخصيب حتى وصلت إلى 60% وهى نسبة عالية وإن كانت بعيدة عن نسبة 90% المطلوبة لإنتاج قنابل نووية.

 

إن كان الخبراء يقولون إن أصعب نسب التخصيب هى الوصول إلى 20% بعدها يفتح الطريق بسهولة.. أى إن أهم مشكلتين حارب ترامب من أجلها لم يوجدا إلا بسبب ترامب وهما: مضيق هرمز الذى كان مفتوحا أمام الملاحة الحرة بدون عوائق ولا رسوم.. واليورانيوم عالى التخصيب لم يوجد إلا بسبب انسحاب ترامب من اتفاق أوباما عام 2015.


• • •
لقد مكر ترامب ونتنياهو مكرا، وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال، ولكن الله وهو خير الماكرين أراد بهم شيئا آخر. لقد وجد ترامب نفسه يوقع بل يهرول ليوقع مذكرة تفاهم مع نفس النظام الذى كان يحاول القضاء عليه، وهى مذكرة ليس فقط تخلو تماما من الإشارة إلى الصواريخ الإيرانية، وتخلو من كبح جماع أذرع إيران فى المنطقة وعلى رأسها حزب الله.. بل تنص على وقف القتال فى لبنان بين حزب الله وإسرائيل، وتم ذلك دون استشارة إسرائيل وبالرغم عنها.


• • •
فماذا نخرج من ذلك.. أنا أرى فى ذلك انتصارا سياسيا واستراتيجيا لإيران سيخرجها من العزلة ويخفف كثيرا من الضائقة الاقتصادية مما سيعزز التأييد الشعبى لنظام الحكم.. كما أن الشعب الإيرانى أثبت شعورا وطنيا قويا مستعدا للتضحية والالتفاف حول العلم. من زاوية بعيدة قد يبدو منها أن أمريكا غيرت النظام.. ولكنه تغير إلى نظام أكثر تشددا فقد تغير من نظام دينى صارم إلى نظام عسكرى أكثر صرامة لا يقوده الملالى وآيات الله بل الحرس الوطنى بقيادات الصف الثالث الأكثر تشددا.


• • •
أما الأثر الإقليمى لهذه التغيرات الجوهرية فهو الأهم بالنسبة للمنطقة العربية على وجه الخصوص.. وباعتقادى أن أهم التغيرات هو صمود إيران فى وجه أقوى دولة فى العالم ولمدة تفوق المائة يوم ثم اضطرار أمريكا لقبول شروط إيران.. فلا حديث عن تغير النظام ولا حديث عن الصواريخ والمسيرات الإيرانية ثم الاحتفاظ بحق إيران فى تخصيب اليورانيوم للأغراض السلمية ثم اشتراط إيران وقف إطلاق النار فى لبنان. ليس هذا فقط بل النص على إنشاء صندوق للتنمية بـ 300 مليار دولار لإعادة الإعمار.. وقد أقر كل من ترامب ونائبه بوجود هذا النص مع الإشارة إلى أن أمريكا لن تساهم وأن الشركات الخليجية ستكون أبرز المشاركين.

 

وبالنسبة للموضوع النووى الذى كان السبب الرئيسى للحرب.. فإن الشواهد تشير إلى قبول أمريكا للموقف الإيرانى الذى يتمسك بحقها فى تخصيب اليورانيوم المنصوص عنه باتفاقية منع الانتشار وأن يتم تخفيف تخصيب كمية اليورانيوم عالى التخصيب البالغ قدرها 450 كيلو جراما داخل إيران. كل ذلك يشير بالتأكيد إلى النتائج التالية:


- ستخرج إيران من هذه الحرب وقد أصبحت القوة الإقليمية المهمة فى المنطقة وليست إسرائيل كما كانت تحلم.


- زعزعة مكانة أمريكا وثقة الدول الخليجية فى الاعتماد عليها لتوفير الحماية، وقد يؤدى ذلك إلى تقارب بين إيران ودول الخليج العربى.


- وبالتالى التشكيك فى فائدة القواعد العسكرية الأمريكية فى الخليج بل والنظر إليها كسبب وهدف لتعرض هذه الدول للضربات.


- قيام تحالفات جديدة لتوفير الحماية والأمن قد تشمل دولا غير عربية.. ولعل التقارب المصرى السعودى التركى والباكستانى الذى وضعت نواته خلال الحرب يتطور إلى ما هو أكثر، بل وقد يشمل إيران أيضا.


- وأخيرا.. فإن الخلاف العلنى الذى انفجر بين الولايات المتحدة وإسرائيل والذى وصل إلى حد انتقاد أمريكا لإسرائيل لأسلوب حربها ضد حزب الله واتهامها علنا لنتنياهو بأنه حاول إفشال الاتفاق بقصفه الضاحية الجنوبية لبيروت ثم تذكير ترامب لنتنياهو بأن إسرائيل ما كانت لتوجد لولا أمريكا ولن يكتب لها الاستمرار فى الوجود بدون أمريكا.. هذا الخلاف مرشح للاتساع فى ضوء تراجع التأييد الشعبى لإسرائيل داخل الولايات المتحدة.


• • •
هناك من يقول إن شهادة ميلاد إسرائيل الحقيقية هى حرب الأيام الستة عام 1967 (النكسة) وأن شهادة وفاة القومية العربية هى غزو العراق للكويت، وشهادة ميلاد إيران كقوة إقليمية لها وزنها ستكون حرب الستة أسابيع مع الولايات المتحدة وإسرائيل. وأخيرا.. أتذكر قول المرحوم الدكتور مصطفى محمود الذى قال: «إنك إذا شاهدت الفصل الأول من المسرحية فلا تحكم عليها قبل أن ينسدل الستار عن الفصل الأخير». «والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون».

سيد قاسم المصري مساعد وزير الخارجية الأسبق
التعليقات