ليلة الوداع - داليا شمس - بوابة الشروق
السبت 26 سبتمبر 2020 2:10 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

ليلة الوداع

نشر فى : السبت 25 يوليه 2020 - 9:10 م | آخر تحديث : السبت 25 يوليه 2020 - 9:10 م

شعرت وكأن روح تقي الدين المقريزي ترفرف على القرافة التي تعرف بصحراء المماليك.. تلك المنطقة الواقعة بين شارع صلاح سالم وطريق الأتوستراد من الأزهر وحتى العباسية. تردد اسم المؤرخ الشهير الذي ولد وتوفي في القاهرة (1364-1442)، خلال الأيام الماضية التي بكى فيها الناس على أطلال مدافن من سبقونا إلى الرحيل. قيل ضمن ما قيل إن قبره هُدم ضمن مدافن آخرين في خضم عمليات "التطوير" وإنشاء محور الفردوس الجاري العمل فيه على قدم وساق، لكن ذكرت مصادر أخرى أنه تمت إزالته قبل سنوات لتوسعة الطريق الرابط بين الدراسة وباب الشعرية والتي راح ضحيتها "حوش الصوفية" الذي حوى عددا كبيرا من العلماء والزهاد، بالقرب من باب النصر، إذ كان مقبرة لصوفية خانقاه سعيد السعداء والخانقاه البيبرسية ولعلماء مثل ابن خلدون مؤسس علم الاجتماع وتلميذه المقريزي "مؤرخ الديار المصرية".
تساءلت كيف كان المقريزي سيبدأ روايته حول تدمير منطقة شهدت العديد من الأحداث على مر العصور؟ هل كان سيقول: "في ذلك اليوم الحزين من شهر يوليو..."، ثم يصف منظر "عيون" الدفن المفتوحة ورفات الموتى وهي تعبأ في أجولة على عجلةٍ وقد تُركت بقاياها في الخلاء؟ كيف كان سيشرح تشويه مكان ظل محتفظا بتجانسه العمراني والمعماري لسنوات طوال؟ وهو الذي عرف هذه القرافة عن كثب وكان معاصرا لأمراء وسلاطين المماليك وشاهدا على تشييد بعض هذه الآثار الباقية إلى الآن والتي تعتبر من أروع ما أنتجته العمارة المملوكية في العالم الإسلامي، بحسب كلام المتخصصين. ماذا سيكون تعليقه على تصريحات مسؤولين من وزارات وجهات مختلفة بعضهم حاصل على أرفع الدرجات العلمية من الخارج والداخل وهم يحاولون إقناعنا أن كل شيء على ما يرام وأن ما تم هو إجراء ضروري من أجل "تحسين المظهر الحضاري للعاصمة" و"تحقيق السيولة المرورية" وأنهم سيقومون بتشكيل لجنة لبحث إمكانية عرض جزء من الشواهد والأحجار التي تشتمل على نقوش زخرفية أو كتابية بالمتاحف؟
***
جرب المقريزي قبلنا أن يعيش عصرا بلا قلب، واقعه شديد القسوة. تحدث في كتابه "السلوك لمعرفة دول الملوك" عن تدخل الدولة بشكل سافر في حياة الناس الشخصية وذوقهم في اختيار ملابسهم تحت غطاء من الفتاوى الدينية التي كان معظم الفقهاء جاهزين ومستعدين لتقديمها إرضاءً لأصحاب السلطة. اختبر فقدان الابنة بسبب وباء الطاعون الذي تفجر في القرن الخامس عشر الميلادي وفشلت كل وسائل الوقاية التي لجأ إليها المماليك لحماية أنفسهم من عدواه. راقب سلوكهم وممارساتهم خلال هذه الفترة العصيبة التي توقف فيها نهر النيل عن الزيادة ولاح خطر المجاعة وأصيب برسباي، سلطان البلاد، بالوباء ثم بالمالوخوليا أو الاضطرابات العقلية وصار يفرض على الشعب أشياءً غريبة. موت ابنة المؤرخ الشابة أثر فيه بشكل مضاعف فاعتزل الناس مثل أستاذه ابن خلدون حين فقد عائلته وألف "المقدمة"، كذلك فعل المقريزي ابن حارة برجوان بالجمالية حين انكب على وضع كتابه "إغاثة الأمة بكشف الغمة" لتحليل الكوارث والأزمات الاقتصادية التي عاشتها البلاد ولتأريخ المجاعات في مصر، وذكر منها ستاً وعشرين مجاعة، استطاع تحديد أسبابها وحمل المسؤولية للحكام الغافلين. حاول الوقوف على "القوانين المادية" للكوارث حتى يتوصل لطرق إزالتها، ولم يدفن رأسه في الرمال.
وفي كتابه "المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار" المعروف بالخطط المقريزية، الذي يعد مصدرا لا غنى عنه للمشتغلين بدراسة آثار مصر الإسلامية، يصف القرافة فيجعلنا نتحسر أكثر وأكثر على ما نفقد كل يوم لأننا نتجاهل قيمة ما نملك، "الإجماع على أنه ليس في الدنيا مقبرة أعجب منها ولا أبهى ولا أعظم ولا أنظف من أبنيتها وقبابها وحُجَرها، ولا أعجب تربة منها، كأنها الكافور والزعفران، مقدسة في جميع الكتب، وحين تُشرف عليها تراها مدينة بيضاء، والمقطم عالٍ عليها كأنه حائط من ورائها".

مرت بضعة قرون على هذا الوصف الذي لا يخلو من شاعرية طالما لازمت مدن الموتى في مصر، وربما لهذا السبب حظيت هذه الأخيرة بعدد من المؤلفات التي تناولتها بالبحث والدراسة، فهي عنصر هام لحفظ الذاكرة الجمعية بما تعكسه من عادات وتقاليد اجتماعية وملابسات سياسية وطابع عقائدي وعمراني.. مزيج من الدين والدنيا، من الموت والحياة، كنز لا يعرف قيمته "المطورون" ولم يروا فيه ما رآه المقريزي قديما أو ما يراه أي زائر مهتم.
***
سبق أن كتبت مرات عديدة عن معالم قاهرية يتم محوها مثل فندق "الكونتيننتال" وشارع 26 يوليو بوسط القاهرة، ثم القرافة وصحراء المماليك التي تمت تسوية بعض مقابرها بالأرض ومنها على سبيل المثال لا الحصر مدافن محمد التابعي وإحسان عبد القدوس وأحمد لطفي السيد. وفي كل مرة تقع الواقعة ويتحرك المجتمع المدني متأخرا أو تباغته الجرافات. نبكي دائما على اللبن المسكوب. ويؤكد المسؤولون أن هذا المَعلم أو ذاك لم يكن مسجلا كأثر، وكأن قيمة هذه الأماكن مرتبطة بالتسجيل الرسمي أو عدمه. تخرج الصرخات والدعوات من القلوب. نقارن جبانة مثل التي يتم إزالة بعض مبانيها بأخرى في بلدان مختلفة تحولت إلى مزارات تدر دخلا وفيرا على الدولة ويأتيها السائحون من كل حدب وصوب، يشتري كل واحد منهم خارطة وهو يبتاع تذكرة الدخول لكي يتجول بين قبور جبانة "بير لاشيز" (Père Lachaise) في باريس التي يرجع تاريخها إلى بداية القرن التاسع عشر أو بين قبور جزيرة سان ميشيل (San Michele) الإيطالية بالقرب من مدينة البندقية التي تحولت إلى جبانة أيضا في القرن التاسع عشر ويفد إليها الناس خصيصا بالمراكب. لا شيء يضاهي روعة المعمار الذي تضمه القرافة القاهرية القديمة والذي يلخص تاريخ إنشاء المدينة وعصورها المختلفة، فالكثيرون دفنوا هنا ولم يذكرهم المقريزي لأنهم من اللاحقين الذين أثروا حياتنا حتى وإن كان بعضهم ليسوا بمعروفين. أحواش لعائلات من العصر الحديث وضع أحيانا تصميماتها كبار المعماريين مثل حسن فتحي ومصطفى باشا فهمي والإيطالي إرنستو فيروتشي. أبواب كانت تؤدي إلى شارع "باب الوداع" أو إلى "حوش أفندينا"، تذكرنا بأحباب هجرونا وارتحلوا إلى "الفردوس" لكن بدون جرافات. ذهبوا وتركوا أغنيات مليئة بالشجن، لا ندري أهي زغرودة زفاف أم ترنيمة عزاء.

التعليقات