فى مصر الجديدة .. أى نوعية نحتاج حكمها؟ - إكرام لمعي - بوابة الشروق
الإثنين 24 يناير 2022 4:21 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما هي توقعاتك لمشوار المنتخب المصري ببطولة إفريقيا؟


فى مصر الجديدة .. أى نوعية نحتاج حكمها؟

نشر فى : السبت 25 أكتوبر 2014 - 8:00 ص | آخر تحديث : السبت 25 أكتوبر 2014 - 8:00 ص

فى كل مرحلة زمنية من مراحل الدول والبلدان تتصارع ثلاث نوعيات من البشر حول أى نوعية منهم هى الأحق بقيادة المرحلة؟ وهذه الثلاث نوعيات من البشر هم: نوعية ما نطلق عليهم رجال الدين ونوعية رجال الثقافة، وبينهما رجال الدولة والسياسة والذين عادة ما ينتمون للنوعية المنتصرة، فإذا انتصر المثقفون على رجال الدين تلاحظ أن رجال الدولة والسياسة يتقربون منهم ويدعون أنهم من المثقفين، وإذا ساد رجال الدين ترى رجال الدولة وقد لبستهم روح الورع والتقوى. وهذه النوعيات فى كل البلدان وعلى مدى الزمان يحاولون أن يمسكوا بأيديهم دفة الحكم ويديرونها طبقا لرغباتهم ورؤيتهم وأسلوب القيادة التى يتبنونها.

•••

فى بلد كمصر نرى هذا الصراع محتدما بصورة أو أخرى فى كل مرحة انتقالية للحكم، فقد كان واضحا فى الفترة الانتقالية بين الملكية والجمهورية ثم الفترة الانتقالية بين عهد عبدالناصر والسادات ومبارك، والآن فى الفترة الانتقالية بين مرسى والسيسى ومن هذا الصراع تبرز النوعية المتحكمة فى الدولة.

فمنذ عصر محمد على بدأ صعود المثقفين على حساب رجال الدين فعندما أرسل محمد على بعثاته إلى الخارج، وبدأت هذه البعثات فى العودة إلى البلاد وكان الانفتاح على باريس بدأ ظهور رجل الدين المثقف ورجل السياسة المثقف. لقد كانت الثقافة هى الأمل والرجاء لمصر وهكذا كان نجوم المرحلة رفاعة الطهطاوى والشيخ محمد عبده وجمال الدين الأفغانى وأحمد لطفى السيد وطه حسين وسعد زغلول ومكرم عبيد.. وهؤلاء جميعا سواء كانت خلفيتهم دينية أو سياسية إلا أن صورة المثقف هى الصورة التى فى الواجهة، والتى يتمناها كل مصرى لنفسه ولبلده فى ذلك الوقت. ومن هنا جاءت فتاوى الشيخ محمد عبده المستنيرة عن أن التماثيل نوع من الفن وليست أصناما، وكذلك قوله أننا نحتاج لتفسير معاصر للقرآن الكريم، حيث إن هناك مستجدات لم تكن فى زمن النبوة.

وجاء كتاب الشيخ على عبدالرازق «الإسلام وأصول الحكم» لمواجهة أطماع الملك فؤاد فى الخلافة الإسلامية ويصدر كتاب «لماذا أنا ملحد؟» ويرد عليه بكتاب «لماذا أنا مؤمن؟»، ويكتب قاسم أمين «تحرير المرأة» و«المرأة الجديدة»، ويكتب طه حسين كتاب «فى الشعر الجاهلى»‏ والذى رآه البعض أنه طعن فى القرآن الكريم، ويقرر وكيل النيابة نتيجة التحقيق مع طه حسين أنه كتب ذلك مستهدفا الحقيقة العلمية وليس الطعن فى القرآن.. إلخ.

لقد كان المثقف هو رجل المرحلة واستمر هكذا حتى عهد عبدالناصر. وفى هذه المرحلة كان رجال الحكم يبدون كالمثقفين ويشجعون الثقافة ورجالها ويتباهون بعلاقاتهم مع المثقف. وكان بعض المثقفين ينفرون من تزلف رجال الحكم فى محاولتهم الادعاء بأنهم أصدقاءهم وعاصرنا بعض المثقفين الذين يعلنون تضررهم من لقاء الحاكم ويعلنون للشعب أنهم يطلبون فقط وجه الحقيقة وليس وجه الحاكم وكان من هؤلاء توفيق الحكيم ويوسف إدريس. فى هذه المرحلة أبدع نجيب محفوظ رواية «أولاد حارتنا» ونشرت فى الأهرام وعندما احتج الأزهر طلب الصحفى المثقف محمد حسنين هيكل من عبدالناصر أن يستمر الأهرام فى نشرها ووافق عبدالناصر. لقد كانت الثقافة والمثقفون هم رجال المرحلة.

•••

وفى منتصف السبعينيات بدأ التحول إلى رجل الدين، فتدين المثقفون الذين كانوا يساريين واشتراكيين، ولم يخجلوا من أنفسهم وهم يبدلون جلودهم وذلك عندما رأوا السادات يأخذ المبادرة ويتحدث عن رئيس مسلم لدولة إسلامية، ولبس الجلباب الأبيض وأمسك بالمسبحة كل ذلك لأن رجل الدين هو رجل المرحلة. وأصبح حضور رجل الدين كاسحا مكتسحا ونجوم الدين تتلألأ فى سماء مصر. وكان أكثرهم نجومية الشيخ متولى الشعراوى وقداسة البابا شنودة، ثم ظهر النجوم الشباب خالد الجندى، وعمر خالد وغيرهما، لقد صار الدين نوعا من البيزنس. وقد حدث كل ذلك لأن المثقف فقد دوره وفقد هويته التى كانت له كحامل لقيم العلم والمعرفة والناقد لسلبيات المجتمع وسلوكيات أفراده وقادر أن يضع مقاييس حضارية وثقافية لهوية بلده حتى لا تشوه الهوية على حساب هويات مستوردة سواء كانت غربية أم خليجية، لقد حل رجل الدين محل المثقف، لقد طردت عملة رجل الدين عملة المثقف وهكذا تقرب الحكام والسياسيون والاقتصاديون إلى رجال الدين، بل ادعوا جميعا التدين، لقد غاب المثقف على حساب رجل الدين والتدين المزيف وكانت النتيجة داعش والقاعدة والجهاد.. إلخ. رأينا القتل والاغتصاب والاستعباد وسوق النخاسة باسم الدين، وهكذا فرضت ظاهرة الإلحاد واللادينيين نفسها.

•••

فى بداية عصر السيسى كل ما تحتاجه مصر ألا يقوم رجال السياسة والدولة بالتزلف للدين ورجاله، وهذا لا يعنى عدم احترامهم بل العكس هو الصحيح فمع احترامهم لرجال الدين عليهم أن يعملوا فى قلب خطتهم على عودة المثقف المصرى بكل قوة ليعتدل الميزان، فالثقافة تحوى الدين والسياسة لأنها أوسع منهما وتحتويهما، فهل يقوم رجال الدولة بهذه المهمة عن اقتناع حتى يقف جيش وشرطة المثقفين فى الخط الأول لمعركة الدولة ضد التخلف والتطرف حتى النصر، أم يستسهلون النجاح باستخدام الجيش والشرطة فى حفظ الأمن والتخلف والتطرف ومغازلة الجماهير بمنافسة بعضهم البعض على من منهم هو الأكثر تدينا بين رجال الدولة؟

إكرام لمعي  أستاذ مقارنة الأديان
التعليقات