30 عامًا على مؤتمر الأطراف.. هل حققنا ما نريد؟! - شروق الحريري - بوابة الشروق
الإثنين 5 يناير 2026 11:03 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

من ترشح لخلافة أحمد عبدالرؤوف في تدريب الزمالك؟

30 عامًا على مؤتمر الأطراف.. هل حققنا ما نريد؟!

نشر فى : الجمعة 26 ديسمبر 2025 - 9:05 م | آخر تحديث : الجمعة 26 ديسمبر 2025 - 9:05 م

فى يوليو فقدت نحو 30 أسرة فى الجزائر أحد أفرادها نتيجة حرائق الغابات، وهى ليست المرة الأولى لاندلاع مثل هذه الكوارث فى منطقتنا؛ ففى عام 2021 كانت المأساة أكبر بكثير. وفى سبتمبر 2023 تضرر نحو مليونى مواطن مغربى جراء زلزال «الحوز»، سواء بفقدان أحد أفراد أسرهم أو بانهيار منازلهم، ولم يتمكن كثير منهم من العودة إلى حياتهم الطبيعية إلا بعد فترة طويلة، وبالتعاون مع منظمات المجتمع المدنى، خاصة فيما يتعلق بالتأهيل النفسى وتعويض المتضررين. ولم تكن هذه الحوادث الأولى التى تمر بها دول منطقتنا، والتى تعبر بشكل مأساوى عن واقع بيئى هش؛ فمنذ يقرب من شهرين شهدت عدد من محافظات مصر فيضان «طرح البحر»، الذى أضر بحياة العديد من أسر الفلاحين، حيث استيقظ مواطنون فى المناطق الزراعية على خسائر مادية واضحة فى أراضيهم ومنازلهم نتيجة الارتفاع الملحوظ فى منسوب المياه. كما ربط بعض الباحثين البيئيين بين الحروب فى المنطقة وبين تعثر التقدم المحرز فى ملفات البيئة والتنمية. وهذه الظواهر ليست طارئة بل مستمرة منذ سنوات وهو ما رصده منتدى البدائل العربى فى كتابه «منطقة فى خطر»، والذى تناول هذه العلاقة بين غياب العدالة المناخية والعدالة الاجتماعية فى منطقتنا.
فى ظل هذه الأوضاع، جاء مؤتمر الأطراف المعنية بالتغيرات المناخية (COP30) المنعقد فى مدينة بيليم البرازيلية خلال الفترة من 10 إلى 21 نوفمبر. ورغم أهمية المؤتمر فإنه لا يحظى بالاهتمام الكافى لدى المواطن فى منطقتنا، على الرغم من أن هذه المباحثات ترسم السياسات التى يُفترض أن تتبناها الدول فيما يتعلق بقضايا المناخ، إلى جانب مناقشة خطط التمويل المناخى.
وتكتسب هذه الدورة من المؤتمر أهمية خاصة؛ حيث تأتى فى ظل ضغوط متزايدة تتعلق بتنفيذ خطط الاستثمارات الخضراء، والانتقال إلى الاقتصاد الأخضر، وتعزيز التعاون الدولى. ورغم أن مؤتمر الأطراف أُنشئ بالأساس لمعالجة إشكاليات التعاون الدولى فى قضايا المناخ، فإن النسخة الثلاثين شهدت تصاعدًا فى حدة الخلافات بين الدول الصناعية والدول النامية، لا سيما فيما يتعلق بتقاسم المسئولية والإنفاق على سياسات التكيف، وهو الخلاف المزمن بين تكتل الدول النامية، الذى تنتمى إليه منطقتنا، والدول الصناعية. وهو ما لم تستطع هذه الدورة تقديم حلول لها. وتثير هذه التطورات تساؤلات جوهرية حول مستقبل المنطقة العربية، وما تحقق حتى الآن فى ملفى التكيف والتخفيف؛ فوفقًا لدراسة صادرة عن صندوق النقد الدولى، تُعد المنطقة العربية من أكثر مناطق العالم تضررًا وتأثرًا بتداعيات التغيرات المناخية. وهى قضايا أثارها منتدى البدائل العربى فى دليل تدريبى وسلسلة من الأفلام الوثائقية.
• • •
قبيل انطلاق الدورة 30 طرحت بعض التساؤلات حول مستقبل القيادة المناخية فى ظل غياب الولايات المتحدة الأمريكية، التى انسحبت مطلع هذا العام من اتفاقية باريس للمناخ، وتراجع الدور الصينى إلى تمثيل محدود يركز على الاتفاقيات التعاونية الثنائية، إلى جانب غياب الهند. وتُعد هذه الدول الثلاث من أكبر المساهمين فى الانبعاثات عالميًا. وهو ما ألقى بالعديد من الآمال على هذه الدورة، فيما يخص تعاون دول الجنوب، حيث يربط بعض المراقبين بين هيمنة الدول الصناعية على تمويل المناخ وسيطرتها النسبية على عملية صنع القرار داخل مؤتمرات الأطراف، وهو ما ينعكس على طبيعة المخرجات.
ساعد هذا السياق على إتاحة مساحة أوسع لتفاعل دول الجنوب مع الدول الأوروبية، ودفع العديد من الدول النامية إلى البحث عن بدائل جديدة لقيادة العمل المناخى، وتقديم حلول توفيقية ترضى مختلف الأطراف. وقد أسهم ذلك فى إضفاء ثقل سياسى متزايد لدول الجنوب، بعد سنوات من هيمنة مقاربات مناخية تركزت فى الدول الصناعية، ومن بين أبرز الفاعلين الجدد خلال السنوات الماضية مصر والبرازيل، اللتان قدمتا نفسيهما كمحركات لعمليات التفاوض، ليس فقط بوصفهما دولًا متأثرة، بل كقوى تفاوضية فاعلة. وقد أسهم هذا التحول فى نقل النقاش خلال الدورات الثلاث السابقة للمؤتمر من التركيز على الالتزامات المستقبلية إلى طرح قضايا العدالة المناخية، والسعى إلى تقديم حلول حقيقية ومستدامة لا تُقوض فرص التنمية فى الدول النامية ولا تعمق فجوة اللا مساواة بين الدول.
انتهت جولة المفاوضات، بعد أسبوعين، إلى وثيقة تدعو إلى بذل جهود أقوى لتحقيق الأهداف الوطنية المتعلقة بخفض الانبعاثات، وتعزيز الدعم المالى للدول الفقيرة لمساعدتها على مواجهة تداعيات التغيرات المناخية من موجات الحر والعواصف والجفاف. كما أكدت أهمية العمل الجماعى للحفاظ على مسار اتفاق باريس، إلى جانب التأكيد على أهمية التعاون متعدد الأطراف بين الحكومات والقطاع الخاص والمجتمع المدنى. إلا أن هذه الدورة لم تختلف عن سابقتها فى العديد من القضايا كالتوصل إلى آلية إلزامية للدول إذ لم تتضمن المخرجات التزامات واضحة أو قانونية بخفض الانبعاثات، ما أضعف فعالية التنفيذ وجعل معظم التعهدات طوعية. كما غاب أى جدول زمنى واضح للتخلص التدريجى من الوقود الأحفورى، واستمرت الخلافات بين الدول المتقدمة والنامية حول مسئولية خفض الانبعاثات، وحجم التمويل، وآليات التعويض، وهو ما أعاق التوصل إلى قرارات أكثر حسمًا. أضف إلى ذلك غموض آليات التنفيذ والمتابعة، حيث جاءت كثير من التعهدات بصياغات عامة دون مؤشرات قياس واضحة.
• • •
على الرغم من الجهود المبذولة، يعكس واقع المنطقة تأخرًا ملحوظًا فى مسار الانتقال إلى الاقتصاد الأخضر، كما تكشف الالتزامات التى طُرحت خلال المؤتمر عن كونها، فى كثير من الأحيان، أقرب إلى وعود وخطابات دبلوماسية منها إلى مشروعات قابلة للتنفيذ. وفى ضوء ما سبق، يتضح أن التغيرات المناخية لم تعد خطرًا مستقبليًا مؤجلًا بل واقعًا يوميًا يفرض نفسه على مجتمعات منطقتنا بأثمان إنسانية واقتصادية باهظة. وبينما تكشف الكوارث المتكررة عن هشاشة منظومات الحماية والتكيف، تعكس مخرجات مؤتمر الأطراف الثلاثين فجوة واضحة بين الخطاب السياسى الدولى واحتياجات المجتمعات الأكثر تضررًا. وهو ما يطرح تساؤلات حول ما الحلول التى تخرجنا من هذه الدوائر، فمستقبل المنطقة فى مواجهة التغيرات المناخية لن يُحسم فقط داخل قاعات التفاوض الدولية، بل يتطلب إرادة سياسية وطنية واستثمارات جادة فى التكيف والاقتصاد الأخضر، وتمكينًا حقيقيًا للمجتمع المدنى، بما يضمن تحويل الالتزامات إلى سياسات قابلة للتنفيذ، ويضع الإنسان وحقه فى الحياة الآمنة فى صدارة أولويات العمل المناخى.

باحثة بمنتدى البدائل العربى للدراسات

 

شروق الحريري باحثة بمنتدى البدائل العربي للدراسات ببيروت
التعليقات