الكاشفة - فهمي هويدي - بوابة الشروق
الثلاثاء 30 نوفمبر 2021 8:32 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد قرار الفنان هاني شاكر نقيب المهن الموسيقية بمنع 19 من مطربي المهرجانات من الغناء؟

الكاشفة

نشر فى : الثلاثاء 27 أكتوبر 2015 - 11:25 م | آخر تحديث : الثلاثاء 27 أكتوبر 2015 - 11:25 م
تلقت الإدارة المصرية رسالة قوية من الإسكندرية هذا الأسبوع خلاصتها أن هموم الناس وحل مشاكلهم الحياتية يجب أن يقدم على أى شىء آخر، وان الديكورات التى تصمم والوجاهات التى تنصب والمهرجانات التى تقام، ذلك كله لا قيمة له لدى الرأى العام طالما استمرت معاناة المواطنين وتدهورت الخدمات التى تقدم إليهم.

لقد ضج أهل الإسكندرية بالشكوى وعبروا بأعلى صوت عن مشاعر السخط والغضب حين هطلت الأمطار غزيرة حتى ملأت الشوارع بمياه السيول. ثم تبين أن شبكة الصرف معطلة. وهى مفاجأة لم تكن فى الحسبان أصابت المدينة بالشلل. ذلك ان المياه أغرقت الشوارع، ولحقت بها مساكن الطوابق الأرضية و«البدرومات». مما أحدث تلفيات وخسائر لا حدود لها، أصابت المئات من السكان. إلى جانب ذلك أدت السيول إلى إغراق السيارات وإسقاط بعض أعمدة النور الأمر الذى أدى إلى صعق عدد من المشاة الذين مات منهم ثمانية أشخاص جراء ما جرى.

لى عدة ملاحظات على الرسالة السكندرية، ابدأها بالتعبير عن احترام المحافظ المستقيل الدكتور هانى المسيرى الذى تحمل مسئولية التقصير وحده، رغم انه تسلم منصبه منذ ثمانية أشهر فقط. ورغم أن أحدا لا يستطيع ان يقرر بأنه مسئول عن تعطل أو انسداد شبكة الصرف، لان الفترة القصيرة نسبيا التى أمضاها فى مكتبه لا تسمح له بمعالجة مختلف المشكلات الحياتية للناس. كما ان ما حدث يعد نتاج تقصير سابقيه ممن اهتموا بالكورنيش وتجميل المدينة ولم ينشغلوا بهموم الناس ومشاكلهم اليومية. وقبل أن توجه إليه سهام الاتهام بالتقصير كان ينبغى مساءلة رؤساء أحياء المدينة الذين تناقلت مواقع التواصل الاجتماعى أسماءهم، وعلمنا منها أنهم جميعا لواءات سابقون بالجيش والشرطة. وهو ما فهمنا منه أن المسوغ الحقيقى لاختيار اللواءات الثمانية هو الحسابات والاعتبارات الأمنية، وليس رعاية مصالح المواطنين والسهر على راحتهم.

المشهد من هذه الزاوية الأخيرة يثير السؤال التالى. إذا كان المسئول الأعلى قد اختار ان يستقيل وان يتحمل أوزار غيره، فماذا يكون رد فعل رؤساء الأحياء الذين هم المسئولون المباشرون عن حل مشكلات الجماهير فى محيطهم الجغرافى؟ يكتسب السؤال أهمية خاصة إذا علمنا إن الإسكندرية تعرضت لنَوَّة من ذلك القبيل قبل شهر من الزمن، الأمر الذى يعد جرسا كان ينبغى أن يسمع رنينه كل مسئول فى المحافظة، علما بأن أهل الإسكندرية يحفظون جيدا مواعيد النوات ويفترض ان تتحسب لها البلديات على الأقل.

للرسالة وجه آخر يجب أن يقرأ جيدا يتلخص فى أننا نخطئ كثيرا ونخدع أنفسنا إذا تصورنا ان الإهمال مقصور على شبكات الصرف دون غيرها من أوجه الخدمات والمرافق. ونكرر نفس الخطأ إذا اعتبرنا ما جرى مشكلة تعرضت لها محافظة الإسكندرية وإن الآخرين فى مأمن منها. ذلك أن ما جرى تعبير عن انهيار الخدمات التى تقدم للناس فى التعليم والصحة والإسكان وفى غير ذلك من المجالات. ثم انها مشكلة مصرية عامة وليست مشكلة المحافظة وحدها. بل أزعم أن الدلالة أفدح حين اكتشفنا أن ذلك حدث فى الإسكندرية. إذ يحق لنا أن نقول بأنه إذا كان ذلك حظ المدينة الثانية فى مصر وعروس البحر الأبيض، فلابد أن يثير قلقنا ويفزعنا نصيب المحافظات النائية الأخرى.

إن ما جرى فى الإسكندرية ليس حدثا صادما فحسب ولكنه كاشف أيضا. إذ ليس سهلا ولا هينا أن تغرق المدينة وان يموت ثمانية من أبنائها بسبب الأمطار، فى مدينة يفترض أنها مطيرة بطبيعتها. كما أنه كاشف للمدى الذى بلغه إهمال مصالح الخلق ومشكلاتهم الحياتية واليومية. وإذا جاز لنا أن نقول إن بلدية المحافظة سقطت فى اختبار الأمطار، فلعلى لا أبالغ إذا قلت إن ذلك الرسوب ينتظر أى جهة خدمية حكومية أخرى إذا ما تعرضت لأى اختبار مماثل، وتلك نتيجة ينبغى ألا تفاجئنا طالما ظلت هموم النظام مقدمة على هموم المواطنين العاديين، وطالما استمر تغييب حق المجتمع فى الرقابة والمشاركة. وطالما كتب على الناس أن يموتوا تحت المطر دون أن يعرفوا من المسئول عن ذلك الإهمال ودون أن يحاسب المسئول على جريمته.

ختام رسالة الحدث السكندرى يقول لمن يهمه الأمر بصوت غاضب ومخنوق: انسوا مشروعاتكم العملاقة التى تملأون بها صفحات الصحف، واجعلوا الأولوية لأعظم مشروع يقدمه نظام لشعبه، بمقتضاه يحيا الناس حياة حرة كريمة تعالج همومهم وتحترم آدميتهم. ولا تنسوا أن تلك كانت شعارات ثورة يناير المفترى عليها.
فهمي هويدي فهمى هويدى كاتب صحفى متخصص فى شؤون وقضايا العالم العربى، يكتب عمودًا يوميًا ومقالاً اسبوعياً ينشر بالتزامن فى مصر وصحف سبع دول عربية اخرى. صدر له 17 كتابا عن مصر وقضايا العالم الاسلامى. تخرج من كلية الحقوق جامعة القاهرة عام 1961 ويعمل بالصحافة منذ عام 1958.