ما بعد أوكرانيا وفلسطين.. حرب عالمية ثالثة أم عالم جديد؟ - صحافة عربية - بوابة الشروق
السبت 25 مايو 2024 4:55 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد دعوات مقاطعة بعض المطاعم التي ثبت دعمها لجنود الاحتلال؟

ما بعد أوكرانيا وفلسطين.. حرب عالمية ثالثة أم عالم جديد؟

نشر فى : الأحد 28 يناير 2024 - 7:40 م | آخر تحديث : الأحد 28 يناير 2024 - 7:41 م

نشر موقع 180 مقالا للكاتب سركيس أبو زيد، يقول فيه إن وسيلة إنقاذ العالم من نشوب حرب عالمية ثالثة هى إصلاح المؤسّسات الأُمميّة وإيجاد صيغة أفضل لإدارة الأُمم تكون أكثر فعاليّة ومُشارَكة من أجل حلّ النزاعات. فحرب أوكرانيا وفلسطين كشفت ازدواجية هذه المؤسسات وغياب العدالة الإنسانية، لذا يشير الكاتب إلى ضرورة صياغة رؤية تقوم على الاعتراف بالآخر والتعاون معه لهزيمة الداروينية الاجتماعية التى تؤمن بأن الحرب مرحب بها... نعرض من المقال ما يلى:
انتهت الحرب العالمية الأولى فى 11 نوفمبر 1918. وها نحن اليوم بعد 106 سنوات تقريبا نشهد نوعا من حرب عالمية جديدة لكن بأشكال مختلفة.
هل تتحول المعارك فى أوكرانيا وفلسطين إلى حرب عالمية ثالثة؟ أم نحن فى حرب عالمية ثالثة بطرق وأساليب ووسائل جديدة؟
اتخذت الحروب العالمية أشكالا متعدّدة، منها الحرب الباردة، ومنها حروب بالواسطة وآخرها الحرب الناعمة و«الفوضى الخلاقة» فضلا عن الحروب المتنقلة والمترابطة إلى ما هنالك من تسميات تعدّدت لتشير إلى فعل واحد هو التوحش والخراب لقتل البيئة والإنسان والقيم وتدمير الحضارة.
110 سنوات مرَّت على بداية الحرب العالَميّة الأولى (1914 ــ1918) التى غيَّرت جذريّا النّظام الدولى الذى كان سائدا آنذاك. حصدت الحرب حينذاك 20 مليون قتيل، ودمَّرت أربع إمبراطوريّات: الألمانيّة، المجريّة، الروسيّة، والعثمانيّة. قبل اندلاع «الحرب العظمى» ــ كما عُرفت – كان مركز توازن القوى العالَمى فى أوروبا؛ وبعدها ظهرت الولايات المتّحدة واليابان كقوّتَين عظميَيْن. كما بشَّرت الحرب أيضا بالثورة البلشفيّة فى العام 1917، ومهَّدت الطريق للفاشيّة، وأسَّست للحرب العالَميّة الثانية، وانعكست مصيريّا على المَشرق العربى، فقسَّمته سياسيّا ومجتمعيّا بموجب اتفاقيّة سايكس – بيكو ووعد بلفور وأنظمة الاستبداد والتبعيّة.
فلسطين هى أكبر ضحايا الحرب العالميّة الأولى، وهى الشاهد الحى والدليل على تآمر القوى الكبرى عليها، وكأنّ الحرب العالَميّة الأولى قد قامت لأجل احتلالها وتغيير مَعالمها وصهينتها وشطب هويّتها، وتبديل سكّانها.
خلال الحرب العالمية الأولى، قام الأوروبيّون باحتلال القدس للمرّة الأولى منذ أنّ حرَّرها صلاح الدّين فى العام 1187، ودخلها الجنرال الإنجليزى اللّنبى بجيوشه فى التاسع من ديسمبر 1917 وقال قولته الشهيرة: «اليوم انتهت الحروب الصليبيّة». وهو المعنى ذاته الذى كرَّره من بعده الجنرال الفرنسى هنرى جورو حين احتلَّت قوّاته دمشق فى 25 يوليو 1920، فذهب إلى قبر صلاح الدّين وقال بشماتة: «ها قد عدنا يا صلاح الدّين».
توهم العالم بأن الحرب العالمية الأولى ستنهى الحروب، فإذا بها ولّادة حروب وها هو العالم اليوم يتخوف من حرب عالمية ثالثة متعددة الأسماء لدمار وموت واحد.
هل نحن على أبواب حرب عالَميّة ثالثة؟
أهل التكفير يشنّون حرب إرهاب عالَميّة ضدّ كلّ مَن يُخالفهم الرأى. حركات المُقاوَمة تتحوّل إلى نَوع من الحرب العالَميّة ضدّ المَظالِم والاحتلالات. حربٌ عالَميّةٌ من نَوع آخر تندلع من أجل التكنولوجيا والبيئة والمَوارد الحياتيّة، ولا سيّما المياه والطاقة والتكنولوجيا.
حروب عالَميّة عِلميّة مُدمِّرة تُهدِّد بنهاية البشريّة. وفضلا عن عَولمة الإرهاب والمُقاومة، يرسم آخرون سيناريوهات حرب عالَميّة كلاسيكيّة متوقَّعة بين الولايات المتّحدة والصين وروسيا، ويتساءلون: هل يُمكن تفاديها؟
قال هنرى كيسنجر فى حوار مع جريدة «ديلى سكيب» الأمريكيّة، «إنّ الحرب العالَميّة الثالثة باتت على الأبواب، وإيران ستكون هى ضربة البداية فى تلك الحرب، التى سيكون على إسرائيل خلالها أن تقتل أكبر عدد مُمكن من العرب وتحتلّ نصف الشرق الأوسط».
ويردّ المتفائلون بأنّ عالَم اليوم يختلف عن العالَم كما كان فى العام 1914. يومها ساد تصوّر بأنّ الحرب حتميّة، وهى نظرة قَدَريّة عزَّزتها الحجّة الداروينيّة الاجتماعيّة بأنّ الحرب مرحَّب بها، لأنّها تعمل على «تنقية الأجواء»، مثل «عاصفة الصيف»، كما كَتب ونستون تشرشل فى كِتابه «أزمة العالَم».
لذلك اندفعت الأُمم بشراسة نحو النزاع والدمار، كأنّ العالَم كان راغبا فى المأساة. لا شكّ فى أنّ القوميّة تنمو اليوم، وبخاصّة فى الصين وروسيا ودول أخرى، وأنّها قد تتواجه مع مصالِح قوميّات أخرى. تشنّ الولايات المتّحدة حربا عالَميّةً بالتقسيط، ولا سيّما بعد هجمات الحادى عشر من سبتمبر 2001. لكنّ أى خطر مصيرى بالمُواجَهة يُمكن الحدّ منه باللّجوء إلى الخيارات السياسيّة السلميّة. وإمكانيّات التعاون ما زالت أقوى من احتمالات الحرب فى ما يتعلّق بالعديد من القضايا. وانتهاج أى سياسة مُغامِرة من شأنه أن يُعرِّض مَكاسب البلدان فى الداخل والخارج للخطر.
لذلك لديهم الخيارات والوقت لإدارة العلاقات بينهم بنجاح. يتحمل الحكام المسئولية وهم قادرون بالحكمة والإرادة على تجنب الحرب إذا أحسنوا إدارة السلطة. بحثت أجيالٌ من المؤرّخين والخبراء وصنّاع السياسات بكلّ دقّة فى أصول الحربَين العالَميّتَين والتأمّل فى إيجاد صيغة بين القوّة والعدالة فى إدارة شئون الحكم العالَمى، لكن حتى الآن ما زالت العدالة واحترام القانون والحقوق فى عالم التمنى.
• • •
كانت الجهود المُضنية التى بُذِلَت منذ نهاية الحرب العالَميّة الثانية لبناء مؤسّسات حُكم إقليميّة وعالَميّة فعّالة سببا فى الحدّ، وبشكلٍ كبير، من خطر وقوع كوارث مثل الحروب العالَميّة. بعد عصبة الأُمم والأُمم المتّحدة، لا بدّ الآن من إصلاح المؤسّسات الأُمميّة وإيجاد صيغة أفضل لإدارة الأُمم تكون أكثر فعاليّة ومُشارَكة وتعاونا من أجل حلّ النزاعات وإيجاد عالَم أكثر رفاهيّة. لكن بعد أوكرانيا وفلسطين تبين أن المؤسسات الدولية غير فاعلة والقيم الإنسانية غير محترمة فهى غائبة أو انتقائية وهذا ما ظهر مؤخرا بشكل جلى وفاضح فى غزة: فأين العدالة ــ مع كل التقدير للقرار التمهيدى الصادر عن محكمة العدل الدولية ولو أنه جاء ناقصا ــ وحقوق الإنسان فى فلسطين؟
أصبح العالَم بحاجة إلى رؤية أكثر إنسانيّة وأخلاقيّة لبناء إنسان جديد يعترف بالآخر ويُضحّى من أجل الغير ويهزم الأنانيّة ويكون قادرا على إطلاق ثورة ثقافيّة لعالَمٍ جديد.
هل نشهد موت الإنسان الفردانى الإلغائى للآخر العدوانى الذى يزرع الحروب والتدمير والخراب، كما بشَّرنا فرنسيس فوكوياما فى ما سمّاه «نهاية التاريخ»، أو أنّنا دخلنا مرحلة تاريخيّة لإنقاذ الحضارة والإنسانيّة بولادة إنسان جديد يعمل على إيجاد سُبل جديدة للتعاون؟ ولا بدّ أن يكون الأساس الذى يقوم عليه هذا التعاون هو إيثار الآخر وإنكار الذّات.
ما زال الإنسان يعيش صراعا بين الحرب والأمان، وبين نزعته الداروينيّة العدوانيّة وتوقه إلى تجسيد الأخلاق والقيَم السامية فى عالَمٍ جديد.
هل مات الإنسان أم سيولد من جديد حتى يبنى العالم الجديد؟ سؤال يستحقّ التأمّل والبحث حتّى لا تتكرّر الحروب مهما كان اسمها ونوعها ولونها!

النص الأصلى

التعليقات