كنت أجلس ذات يوم فى مكتبى بالكويت حيث كنت أعمل عندما سمعت جلبة وصياحًا بالخارج. بعدها انفتح المكتب واندفع شخص ضخم الجثة إلى الداخل وهو يحمل حقيبة سفر كبيرة ووراءه فراش المكتب يحاول منعه من الدخول.
أومأت إلى الساعى أن يتركه وطلبت من الضيف أن يهدأ ويجلس. وضع الشنطة على الأرض ثم جلس يلتقط أنفاسه، ولم يلبث أن أعرب عن حنقه الشديد على الرجل الذى حاول منعه من الدخول دون أن يعلم أن هذه الزيارة لا بد أن تكون موضع ترحيب من جانبى!
سألته فى لطف عمن يكون؟ قال: لقد وصلت منذ ساعتين، وخرجت من المطار وأخذت أول أوتوبيس إلى هنا مباشرة. قلت: أهلًا وسهلًا. قال فى فرح: أنا آتٍ إليك من عند حبيبك الغالى الأستاذ عبد الحميد. قلت: نعم، فقال: نعم الله عليك يا أستاذ. أوضحت فى ضيق: نعم تعنى أكمل كلامك..لقد أخبرتنى أنك آتٍ من عند عبد الحميد، وأنا فى انتظار بقية الجملة. قال فى دهشة: ليس للجملة بقية، لقد أرسلنى إليك الأستاذ عبد الحميد بعد أن حكى لى عن صداقتكما القديمة. قلت: أى صداقة؟ قال: هو يعرفك جيدا ويقول إنكما أعز أصحاب. قلت له: دعك من عبد الحميد وقل لى من أنت وماذا تريد؟.قال: أنا نصحى من ميت أبو عزيزة، أعمل بالنجارة، وقد تعرفت على عبد الحميد بيه عندما كنت أقوم بعمل الأبواب والشبابيك فى شقته فى البلدة المجاورة. قلت له: كويس.. وبعدين؟ قال: عندما علم أن معى «ورقة زيارة» لهذا البلد العربى قال لى إن كل شىء سيكون ميسرا ولن أواجه مشاكل فى الغربة لأن أعز أصدقائه - الذى هو سيادتك - سيستقبلنى ويقوم معى بالواجب. فتحت فمى فى دهشة صائحًا: صباح القشطة يا اسطى نصحى! قال فى تلعثم وقد بدأ يقينه بالحياة الوردية يهتز: صباح الفل يا باشا. سألته: وماذا حدث بعد ذلك؟ أجاب: عملت له كل الأبواب والشبابيك جدعنة ومحبة ولم أتقاض منه أجرا ما دام الرجل سيكرمنى ويرسلنى لحبيبه الذى سيستضيفنى عنده حتى يوفقنى الله لفرصة شغل آكل منها عيش. نظرت إليه فى حيرة ثم قلت: أنت عبيط يا نصحى أم تستعبط؟ قال: يعنى إيه؟ قلت: يعنى هل أنت النصاب فى هذا الفيلم أم أنك الضحية؟ قال: ربنا يعلم أننى أقول الصدق. أخذت أنظر إليه غير مصدق أن ما أراه وأسمعه يمكن أن يكون حقيقيًا، ثم سألته: تشرب شاى يا نصحى؟ رد فى لهفة: يا ريت يا بيه.
طلبت له شايًا ثم سألته: وماذا قال عبد الحميد بالضبط بشأن الواجب الذى سأقوم به معك؟ أجاب: أخبرنى الأستاذ أنك ما إن تعلم أننى آتٍ من عند الغالى حتى تصحبنى معك للبيت وتفسح لى غرفة أنزل بها. اجتاحتنى موجة ضحك وسألته: أى بيت.. بيتى أنا؟ قال: نعم. قلت: وهل أخبرك عبد الحميد الذى لا أعرفه بأننى فاتح بيتى لاستقبال الغرباء الذين يبعث بهم سيادته للإقامة معى؟ قال: لقد أخبرنى بأنك مدين له بجمايل كثيرة ولن تتردد فى أن ترد بعض معروفه، لذلك هو يتعشم أنك لن تخيب رجاءه ولن تكسر خاطر مغترب مثلك، فنحن من مصر ونعيش فى الغربة، وإذا لم نسع بعضنا ونتعاون فإن أحدًا لن يتحملنا.
لم أتمالك نفسى من الضحك من جديد ردا على المهزلة التى أستمع إليها، ثم نظرت فى عينيه: يا نصحى يا حبيبي.. أنا لا أعرف عبد الحميد الذى أرسلك، ومن الواضح أنه نصاب محترف استغفلك وحصل منك على شغل النجارة ببلاش، وحتى لو كنت أعرفه لما تغير شىء لأن أسرتى تعيش معى بالبيت، ثم إن حكاية مصريين فى الغربة هذه تصلح مع أحد تعرفه ويعرفك، وربما كانت تجوز فى غينيا بيساو مثلا أو فى جزر الكنارى حيث يكون لقاؤك بمصرى سببًا للفرحة، أما هنا حيث يعيش أكثر من مليون مصرى فإنك سوف تقابل منهم أكثر مما قابلت فى مصر!. نظر نحوى فى انكسار ثم لمعت عيناه ببريق مفاجئ وقام من فوره نحو شنطته الكبيرة فانحنى عليها وفتحها ثم بدأ يُخرج منها ما تيسر من بط وحمام محشى وفطير مشلتت وأرز معمر وقال: كل هذه الأشياء لك يا أستاذ.
شعرت نحوه بإشفاق بالغ وطلبت أن يلملم أشياءه ويعيدها إلى مكانها، ثم أخذت أفكر وأعصر مخى.. ماذا أفعل مع هذا المسكين الذى تبدو عليه الغفلة والنطاعة معًا؟
بعدها أرسلت فى طلب حارس البناية الذى اعتقدت أنه قد يساعد فى إيواء هذا الشاب، وجلست أنتظره. فى هذه الأثناء كان نصحى يجلس واضعًا يده على خده مختلسًا النظرات إلى فى خُبث.
قلت للحارس الذى حضر: اسمع يا شحاتة.. انظر إلى هذه الحقيبة التى أتى بها هذا الرجل من مصر.. إنها ملآنة بخيرات ربنا من كل نوع.. طيور محمرة ولحوم وأسماك وفطائر.
التفت شحاتة إلى الحقيبة فى شوق وبدا أن عينيه ستخرجان من محجريهما فعاجلته: مطلوب منك أن تؤوى صاحبها وتسكنه معكم وسوف يطعمكم ما بها كله. لمعت عيناه بالفرحة وقال وقد بدأ لعابه يسيل: صحيح نحن سبعة فى الغرفة وليس هناك مكان لزبون جديد، لكننى سأقتسم معه فرشتى حتى تفرغ جعبته من الطعام!
ومن الطبيعى أن الطعام نفد بعد عدة أيام وأن نصحى تم طرده، فعاد إلى من جديد. أخذته من يده ودعوته إلى وجبة كباب وكفتة فى مطعم على طريق المطار، ثم انطلقت به إلى صالة السفر وطلبت منه أن يتوجه مباشرة فور وصوله مصر إلى عبد الحميد وأن يبلغه الرسالة التالية: حبيبك وصاحبك يقرئك السلام ويبعث لك بوسة كبيرة من بلاد برة، ويطلب منك أن تدفع لنصحى فلوس النجارة زائد مصاريف الرحلة!