عندما اندلعت الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988) كانت أعداد المصريين فى العراق كبيرة ثم أخذت تزداد مع احتدام المعارك وتفاقُم الخسائر فى صفوف الرجال العراقيين الذين وُضعوا جميعًا تحت السلاح. أصبحت العمالة المصرية هى التى تدير الحياة المدنية هناك فتدفق المزارعون والصنايعية والموظفون على بغداد بأعداد فاقت التصور. برزت مشكلة كبيرة بعد إغلاق مطار بغداد نتيجة القصف المتواصل، لكن وجدت شركات الطيران الحل فى تشغيل رحلات إلى مطار الكويت ومنها إلى بغداد بالطريق البرى، فكان الشخص يحجز تذكرته من مكتب السياحة أو الطيران مشتملاً على تذكرة للطائرة وأخرى للباص. كانت مهمة مدير المحطة المتواجد فى مطار الكويت هى قيادة الركاب الواصلين بعد خروجهم من الطائرة إلى باب الباص المنتظر على مقربة من مكان وقوف الطائرة، أى إن الركاب لم يكونوا يدخلون إلى صالات السفر لكن من داخل المهبط ينتقلون من باب الطائرة إلى باب الحافلة الكبيرة التى تشق طريقها فى الصحراء حتى تدخل بهم إلى الحدود العراقية ثم تتوقف فى قلب العاصمة بغداد. فى ذلك الوقت بدأت الأخبار تتواتر عن قيام مسئول المحطة فى الكويت بإنزال الركاب ثم رصّهم فى طابور قبل أن يكلف أحد مساعديه بتحصيل مبلغ عشرة دنانير من كل راكب ثمنًا لتذكرة الباص! كان الركاب وأغلبهم من أهلنا الصعايدة والفلاحين الطيبين يصرخون بأنهم دفعوا ثمن الانتقال إلى بغداد كاملًا بشقيه الجوى والبرى وأن التذكرة توضح ذلك، لكن الضبع الضارى الذى أوكلت إليه شركة الطيران خدمة الركاب ومساعدتهم كان يقوم بتهديد من يعترض على دفع المبلغ بإعادته إلى القاهرة على نفس الطائرة. لقد كان الفاجر يقوم بواحدة من أكبر عمليات النصب والاحتيال فيأخذ لنفسه عشرة دنانير من كل شخص مضروبة فى 250 هم عدد ركاب الطائرة، مضروبة فى رحلتين كل يوم بما يساوى خمسة آلاف دينار كويتى فى اليوم الواحد! كانت جريمة سافرة لا يقوى على ارتكابها إلا صاحب عقلية جهنمية له من الجسارة والقلب الميت ما لا يتوفر لغيره من عتاة المجرمين. بعد مضى عدة شهور تناقل الناس الخبر وفاحت الرائحة فتمت تنحية مسئول المحطة وإعادته إلى المركز مع تحويله للتحقيق. المضحك أن مساعد هذا المدير المجرم الذى كان يعاونه فى التحصيل هو الذى وشى به وأبلغ عنه لأنه لم يعطه أى نسبة من المبالغ المسروقة واستأثر بها لنفسه، وكان يحاول إقناع زميله بأن هذه الأموال يتم توريدها لخزينة الشركة، فلما استفسر منه عن سبب عدم تقديم إيصالات للركاب بالمبالغ المدفوعة إذا كانت أموالا أميرية حقًا، فإنه لم يحظ منه بإجابة وإنما بتهديد بالفصل إذا هو لم يغلق فمه!
الجدير بالذكر أننى قد التقيت بهذا المساعد بعد هذه الأحداث بعدة سنوات وكان قد ترك الوظيفة المتواضعة وفتح شركة سياحة ازدهرت أعمالها فى الكويت فذاع صيته كرجل أعمال عصامى. عندما جلست معه حدثته فى هذا الموضوع فأكد لى ما كنت أعرفه وأبدى حنقًا عظيمًا على رئيسه السابق الطماع الجشع الذى أكل وحده حتى بشم ورفض أن يعطيه مائة دينار فقط عن كل يوم من الأيام التى حصّل فيها آلاف الدنانير. وأذكر أننى سألته ضاحكًا هل كان يسكت لو كان قد حصل على عظمة من الذبيحة، فإنه أقر بكل بجاحة بأنه كان سيصبح شريكًا ومستفيدا وبالتالى لم يكن سيبلغ، ولم ينس أن يؤكد على أن اليغمة كانت كبيرة وتكفى عشرات اللصوص ليعيشوا كالأمراء مدى الحياة، وأنه لم ير فى حياته شخصًا طماعًا وغبيًا إلى هذا الحد! لكن هل كان هذا المجرم الجسور غبيًا حقًا كما وصفه زميله ومساعده؟ أشك فى هذا التوصيف وعندى أسبابى، إذ أن هذا الرجل بعد إيقافه عن العمل خضع لتحقيقات كثيرة كانت محل متابعة ممن يعملون فى هذا المجال فى تلك الفترة من ثمانينيات القرن الماضى، وقد تنبأ الجميع بإدانته وقضائه ما بقى له من العمر على البُرش، لكن المفاجأة التى لم يعرف أحد أسبابها أنه حصل على لفت نظر إدارى، مجرد لفت نظر، ويقال أن أيًا من التهم التى وجهت إليه لم تثبت عليه وظل الأمر لغرًا محيرًا، إذ إن أحدا لم يشهد ضده ولم توجد أى ورقة أو وثيقة تؤكد ما حدث، وقد قيل فى تبرير هذا أن الرجل وقد سرق ما قيمته عشرات الملايين قد استخدم جزءًا من هذا المال فى التعمية وبث الضباب وشراء الذمم والقيام بحملة علاقات عامة لغسيل السمعة وتكذيب الأقاويل.. وفى الحقيقة أننى أشهد وأنا الدارس للإعلام أن هذا اللص قد تصرف كخبير إعلامى محترف وأدار موضوعه بحرفية واصطنع لجانًا ساعدته قبل اختراع اللجان الإلكترونية التى تقلب الباطل حقًا بعشرات السنين! بعد ذلك لم تكن مفاجأة أنه تم إيفاده مديرا لواحدة من أكبر المحطات فى أمريكا الشمالية ظل بها حتى بلوغه سن المعاش.
والحقيقة أننى وقد تابعت فصول هذه القصة على مدى سنوات وقر فى ضميرى أن المساعد الذى نقم عليه فأبلغ بشأن الجريمة لم يقبض منه فعلا أثناء تحصيل الفلوس من الركاب الغلابة، لكنه بالتأكيد قد نال أكثر مما تمنى عندما اشترى اللص سكوته أثناء التحقيق فلم يشهد ولم يستجب لمن استدعوه ليدلى بأقواله، وليس عندى شك فى أنه قد حكى لى جزءا من القصة كان فيها طاهر الذيل، أما سبب ثرائه بين يوم وليلة وافتتاحه لشركة سياحية فلم يتحدث عنه، وأنا من جانبى لم أضغط عليه فقد كان بالنسبة لى من العملاء الكبار الذين لا يجوز إحراجهم!