قد يهون العمر إلا ساعــة - أسامة غريب - بوابة الشروق
السبت 3 يناير 2026 1:14 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

من ترشح لخلافة أحمد عبدالرؤوف في تدريب الزمالك؟

قد يهون العمر إلا ساعــة

نشر فى : الجمعة 2 يناير 2026 - 6:05 م | آخر تحديث : الجمعة 2 يناير 2026 - 6:05 م

قال أحمد شوقى على لسان قيس: قد يهون العمرُ إلا ساعة... وتهونُ الأرض إلا موضعا.

كلما مررت بهذه القصيدة أو سمعتها مغناة بصوت محمد عبد الوهاب أخذنى التفكير فى ماهية تلك الساعة التى تهون كل ساعات العمر وهى أبدا لا تهون.. هى وحدها العزيزة الغالية.. هل هى ساعة لقاء الحبيب؟ أظن أن قيسًا كان يعنى ذلك. ومع إدراكى لغلاوة ساعة لقاء الأحبة إلا أننى ارتبطتُ بساعةٍ أخرى كانت عندى أهم من لقاء الحبيب، وهى التى أستطيع بضمير مستريح أن أقول عنها: قد يهون العمر إلا ساعًة، ولتفصيل ذلك أقرر أننى عشت سنوات طويلة من عمرى أستيقظ كل صباح على صوت جرس المنبه وهو يعوى فى أذنى بكل غباوة مذكّرًا إياى بأن أوان النوم اللذيذ قد انقضى وأن ساعة الاستيقاظ قد حانت. عشت العمر كله أحلم بمجىء اليوم الذى أستطيع أن أتفلّت فيه من قواعد العمل الذى يفرض علىّ الاستيقاظ المبكر لأنعم بالسهر طوال الليل ثم النوم الممتد بلا قيود ولا حدود. لقد كنت أرى أن الجحيم هو الاستيقاظ المبكر، والفردوس هو أن أقضى ساعات الصباح فى السرير مستمتعًا بنوم لذيذ.

ما زلت أذكر ذلك المنبّه الشرير الذى ارتبط فى مخيلتى بالقسر وسنوات الهوان. كان يختلف عن غيره من المنبهات التقليدية، ومن مزاياه أنه يظل يرسل أجراسه لمدة نصف دقيقة متصلة ثم يخرس، وبعد عشر دقائق يعاود الصراخ لمدة نصف دقيقة أخرى ثم يخمد صوته، ويظل يعمل هكذا على مدى ساعة كاملة يعاود فيها التنبيه كل عشر دقائق.. بعدها يكون قد وصل إلى محطته الأخيرة وقدّم أقصى ما لديه، ثم يدخل فى غيبوبة ويصمت حتى صباح اليوم التالى.

عندما يرن جرس المنبه فى المرة الأولى فإننى أتحرك فى الفراش متململًا وأنا أسمعه يعلن أن الساعة الآن السابعة. أقول لنفسى: حسنًا، سأنام خمس دقائق أخرى وعندما يرن من جديد سأقوم على الفور! عجيب أمر ابن آدم.. أمامه الليل بطوله لينام لكنه يتعلق بخمس دقائق فى الصباح وكأنها هى التى ستحييه. بعدها يدق الجرس معلنًا أن الساعة قد أصبحت السابعة وعشر دقائق.. ما هذا؟ لا بد أن الزمن يتواطأ مع المنبه.. إن خمس ثوان فقط هى التى انقضت منذ سمعت الجرس الأول. ما العمل؟ هل أستسلم وأقوم؟ نعم سأنهض ولكن لا بأس لو نعِمتُ ببضع دقائق أكون فيها قد فردت جسمى وأعددت نفسى للانتقال من حالة الرقود والاستغراق فى النوم إلى حالة اليقظة. ولكن مثل كل شىء جميل فإن الدقائق العشر سرعان ما تمر فى ثانيتين ثم ينطلق المنبه غاضبًا وكأنه يؤنبنى على التكاسل ويعلن أن الساعة الآن السابعة وعشرون دقيقة. ماذا أفعل؟.. إن الدقائق التى اقتنصتها لم تفلح فى طرد النعاس من أجفانى ولم تجهزنى لأقوم نشيطًا مستبشرًا. لكن ماذا سيحدث للكون لو مددتُ الوقت المستقطع لعشر دقائق إضافية تكون خلايا المخ فيها قد تنبهت وأرسلت إشارات للجسد المتعب أن يكف عن التلكؤ ويبدأ فى التصرف على نحوٍ محترم. العجيب أننى فى هذا الوقت أسمع صوت الشخير وكأنه صادر عن شخص آخر وأتعجب من هذا الكائن البخارى الذى يصدر هذا الصوت المزعج! ثم يشق المشهد صوت المنبه: الساعة الآن السابعة والنصف. فى هذه اللحظة عادة تأخذ الأسئلة الفلسفية فى مناوشتى، مثل ما جدوى العمل والكدح؟ كم عامًا وأنا على هذه الحال، فماذا حققت؟ وإذا كنت قد جنيت شيئًا من المال فلماذا لا أكف عن اللهاث وأستريح؟ وإذا كنت لم أجنِ مالًا فهذا يعنى أن اللعبة ميئوس منها!.. أم تراه الإحساس بالواجب نحو الوطن والآخرين؟ لكن هل حققت شيئًا مما حلمتُ به للوطن وأهله؟ لا أظن كل هذا الكدح قد أفاد الوطن شيئًا، ثم إنّ هذا الوطن يتعين عليه أن يترفق بى وينتظرنى لعشر دقائق جديدة، وهذا أقل ما يدين به الوطن لرجل مثلى!ولكن يا إلهى، ما هذا الذى يحدث.. لقد انعدمت البركة حتى فى الزمن ولم يعد فضفاضًا كما كان فى السابق.. ولكن لماذا ستظل بركة الزمن على حالها؟ ألم يتغير المناخ ويصبح بهذا الشكل المريع.. لقد كنا فيما مضى ننعم بالفصول الأربعة واضحة قاطعة، أما الآن فليس سوى صيف طويل خانق ثم شتاء خجول فى ديسمبر ويناير فقط.

الساعة الآن السابعة وأربعون دقيقة. أنظر للمنبه فى حقد فيعلو صوته وكأنه يبادلنى كراهية بكراهية، ثم أقلب نفسى على السرير وأدفن وجهى فى الفراش فاردًا ذراعىّ فى وضع الطائرة الجامبو مستعدًا للتحليق والاندفاع نحو الحمّام، ثم أنظر للنعل بجوار السرير وأحس أنه شامت فاستمهله مؤكدًا أننى لن أتأخر عليه.. عشر دقائق فقط أيها الشبشب اللطيف وستجدنى أنتعلك مثل الباشا وأمضى بك للحمام.

الساعة الآن السابعة وخمسون دقيقة. لا لا..لا يمكن أن تكون الحياة بكل هذه القسوة.. سأقوم الآن لكن لغرض واحد فقط.. سأقدم استقالتى وأعود لأنام ملء جفونى، وسوف أثبت للجهلاء الذين يشكون من الفراغ والملل بعد المعاش أن التقاعد هو أجمل نعمة أنعم الله بها على عباده الصالحين.. ولكن أكثر الناس لا يعلمون!

قد يهون العمر إلا ساعة.. وتهون الأرض إلا موضعًا.

هذه هى الساعة التى تعد أغلى من العمر كله.. بين السابعة والثامنة كل صباح.

أما ساعة الموْكوس «قيس» فلا أقلل من أهميتها، لكنها لا تعدل ساعتى التى حدثتكم عنها.

أما بالنسبة للموضع الذى لا يهون من الأرض.. فلنؤجل الحديث عنه لمرة أخرى.  

 

أسامة غريب روائي وكاتب ساخر
التعليقات