وضع بائس يحتاج لأيديولوجيات جديدة - علي محمد فخرو - بوابة الشروق
الجمعة 6 ديسمبر 2019 12:56 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على سن قانون جديد لمكافحة الشائعات وتشديد عقوبة مروجيها؟

وضع بائس يحتاج لأيديولوجيات جديدة

نشر فى : الخميس 28 مايو 2015 - 9:30 ص | آخر تحديث : الخميس 28 مايو 2015 - 9:30 ص

فى خضم الفوضى والضياع والقلق الذى يجتاح كل مجتمعات العرب تنمو مجاميع من القراء التى تعترض على إدماج أى فكر أو أية مبادئ أيديولوجية فى الكتابات السياسية حول الأوضاع العربية الراهنة. المطلوب هو الكتابة عن الأحداث، ثم ذكر ما يوافق الكاتب عليه أو يعترض عليه، دون أن يستند التوافق أو الاعتراض على مرجعية فكرية تعبر عن أيديولوجية متماكسة وشاملة يؤمن بها الكاتب.

بالنسبة لهذا النوع من القراء كل شىء نسبى ومؤقت عابر، وبالتالى لا ارتباط له بالتاريخ أو الجغرافيا أو الهوية أو المبادئ والقيم الضرورية لضبط العملية والسيرورة السياسية العربية. وبالتالى فإن المناداة بأن تحكم الحياة السياسية العربية وتصرفات الأنظمة المبادئ السياسية والثقافية الجامعة والموحدة والطموحات القومية المستقبلية والعوامل التضامنية المقوية لمناعة الأمة ضد الأخطار الخارجية، إن تلك المناداة بالنسبة لأولئك القراء هى نوع من التنظير الذى لا يرتبط بالواقع العملى ونوع من هلوسة المجانين ومن أحلام اليقظة التى يتصف بها المراهقون فى السياسة.

ولكن هل حقا أن ما يجرى فى كل أرض العرب من حرائق ودمار وتوجٌه محموم نحو الخروج من الحضارة العصرية التى تعيشها الإنسانية لا يحتاج إلى أيديولوجية جديدة عقلانية متماسكة تنطلق من نقد موضوعى لحال الأمة، ثم تضع للأمة أهدافا تتوجه نحوها، وتقترح وسائل ومنهجيات لتحقيق تلك الأهداف؟

نحن هنا نتحدث عن أيديولوجية لا تتخلى عن الكثير من الأسس التى قامت عليها الأيديولوجيات السابقة ولكنها تنقدها وتنقحها وتضيف إليها مكونات جديدة تأخذ بعين الاعتبار المستجدات التى طرأت على الحياة العربية والساحة العالمية فى السنين الأخيرة.

وكجزء من التعلم من دروس الماضى وتجنب بعض الأخطاء التى وقعت فيها الأيديولوجيات السابقة، سواء أكانت قومية أم ليبرالية أم يسارية ماركسية أم إسلامية سياسية، فإنها لن تطرح نفسها كأيديولوجية تمثل الحقيقة الوحيدة المطلقة، ويتبناها حزب قائد طليعى يقود ويعلو فوق الأحزاب الأخرى، وإنما كواحدة من بين أيديولوجيات أخرى متعددة تطرح جميعها نفسها كأيديولوجيات متنافسة بشفافية، وذلك كأفكار وبرامج سياسية – اجتماعية لا تكتمل أية حياة ديمقراطية بدونها.

وهى لن تقبل أن تكون أيديولوجية دولة مستبدة أو فاشستية ترغم المجتمع على تبنيها بالسوط وبالابتزاز إنها بذلك تتجنب أن تكون أيديولوجية منغلقة على نفسها، متزمتة ورافضة للمراجعة المستمرة والتغير المستجيب للحاجات المستجدة فى حياة الشعوب والمجتمعات العربية.

ثم، لننظر إلى الواقع البحت :

هل يمكن تجاهل مشاعر الانتماء للهوية العروبية فى قلوب وعقول الملايين من العرب التى ترعرعت وتراكمت عبر القرون، وتجاهل الواقع العالمى الذى لا سبيل لاتقاء الشرفية إلا بقيام التكتلات الكبيرة المتضامنة، وتجاهل عشرات العوامل الثقافية المشتركة، فى التاريخ وفى الحاضر بين شعوب هذه الأمة، وبالتالى هل يمكن تجاهل التأثير الكبير لما يحدث فى أى قطر عربى على بقية أقطار الوطن الكبير؟ إن الجواب العقلانى القاطع هو كلا.

•••

إذن، فإننا لا ننظر ولا نمارس الأحلام الساذجة عندما نربط بين ما يجرى فى سوريا أو العراق أو السودان أو اليمن أو هذا القطر العربى أو ذاك وبين مصير ومستقبل الوطن العربى كله. إننا فى هذه الحالة نمارس النظرة الواقعية الشاملة، لا النظرة المجزأة المعزولة.

كذا نظرة للأمور تستدعى مرجعية أيديولوجية تقوم على الإيمان بضرورة توحيد هذه الأمة، حتى لو اختلفنا حول نوعها وتوقيتها ومراحلها وأساليب تنفيذها.

ومن أجل أن تكون تلك الوحدة بين شعوب، لا بين حكام أو أنظمة سياسية، لابد من أن تحتوى تلك المرجعية الأيديولوجية على الإيمان بالديمقراطية التى وحدها ستمكن الشعوب قول كلمتها بحرية ومسئولية.

والشعوب لا يمكن أن تكون حرة وحاملة للمسئولية دون العيش تحت نظام اقتصادى – اجتماعى قائم على العدالة الاجتماعية التى لن تتواجد إلا بتبنى الكثير مما تنادى به الاشتراكية الديمقراطية وأنظمة التزام الدولة بالرعاية الاجتماعية الإنسانية العادلة.

وكذلك لا يمكن للشعوب أن تكون حرة ومسئولة دون أن تكون مبادئ حقوق الإنسان المقرة دوليا، بما فيها على الأخص حقوق المرأة، جزءا من تلك المرجعية الأيديولوجية.

•••

الواقع أن مسيرة الأنظمة الديمقراطية حيثما وجدت تؤكد أن النظام الديمقراطى الذى لايستند إلى مرجعية أيديولوجية عقلانية إنسانية، تتعامل مع واقع مجتمع ذلك النظام وتطلعاته المشروعة، وتعترف بحق الأيديولوجيات الأخرى بالتواجد معها... إن ذلك النظام سينقلب إلى نظام تنافس وصراع على السلطة والثروة بين أشخاص مغامرين انتهازيين وديماغوجيين يعيشون على الإثارة والكذب.

الأوضاع العربية البائسة تحتاج إلى أبعد الحدود إلى أيديولوجيات جديدة تأخذ أفضل ما فى الماضى وتضيف إليه أفضل ما يعالج المستجدات. دون ذلك سنبقى فى الضياع والتخبط.

علي محمد فخرو  شغل العديد من المناصب ومنها منصبي وزير الصحة بمملكة البحرين في الفترة من 1971 _ 1982، ووزير التربية والتعليم في الفترة من 1982 _ 1995. وأيضا سفير لمملكة البحرين في فرنسا، بلجيكا، اسبانيا، وسويسرا، ولدي اليونسكو. ورئيس جمعية الهلال الأحمر البحريني سابقا، وعضو سابق المكتب التنفيذي لمجلس وزراء الصحة العرب، وعضو سابق للمكتب التنفيذي لمنظمة الصحة العالمية، وعضو مجلس أمناء مؤسسة دراسات الوحدة العربية، وعضو مجلس أمناء مؤسسة دراسات فلسطينية. وعضو مجلس إدارة جائزة الصحافة العربية المكتوبة والمرئية في دبييشغل حاليا عضو اللجنة الاستشارية للشرق الأوسط بالبنك الدولي، وعضو في لجنة الخبراء لليونسكو حول التربية للجميع، عضو في مجلس أمناء الجامعة العربية المفتوحة، ورئيس مجلس أمناء مركز البحرين للدراسات والبحوث.
التعليقات