«خدعة الفلامنجو».. تشريح علاقة مؤلمة - محمود عبد الشكور - بوابة الشروق
الثلاثاء 5 يوليه 2022 8:04 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد عودة كيروش مديرا فنيا لمنتخب مصر؟

«خدعة الفلامنجو».. تشريح علاقة مؤلمة

نشر فى : السبت 28 مايو 2022 - 8:55 م | آخر تحديث : السبت 28 مايو 2022 - 8:55 م
نهلة كرم صوت خاص، وساردة بارعة، ومنذ عملها الروائى الأول «على فراش فرويد»، بدا لى أنها موهبة مختلفة، لا تقلد ولا تكرر، وتحاول أن تقدم جديدا، ولا تتردد فى أن تكون جريئة فى قراءة العلاقات الإنسانية، والعلاقة بين الرجل والمرأة، على وجه التحديد.
تأكد لى ذلك فى روايتها الثانية «المقاعد الخلفية»، والتى اتسعت لشخصياتٍ كثيرة، تدور فى فلك علاقات عاطفية متقلبة، وتحاول اكتشاف معنى الحب، أما روايتها الأحدث «خدعة الفلامنجو»، الصادرة عن الدار المصرية اللبنانية، فهى عندى أفضل أعمالها الروائية، وأكثرها إحكاما، فيها أفضل ما فى الروايتين السابقتين، مضافا إليهما قدرة على تشريح علاقة واحدة، بما يقترب من الدراسة النفسية لطرفى العلاقة.
قد يظهر عموما أن روايات نهلة ليست إلا قصصا عاطفية عادية، ولكن سر تفردها يتمثل فى أمرين واضحين:
الأول؛ أنها لا تكتب عن الشخصيات من الخارج، رغم أن رواياتها حافلة بأدق التفصيلات، وفيها تحولات وتغيرات درامية طوال الوقت، ولكنها تقدم دراسة نفسية جيدة للشخصيات، ودراسة أعمق للعلاقات الاجتماعية، بحيث يمكن قراءة أعمالها الروائية باعتبارها بورتريهات نفسية لشخصياتٍ مختلفة من الرجال والنساء.
الأمر الثانى: هو هذا المزيج الغريب بين واقعية صادمة، ورومانسية عذبة، فالبطلات يحلمن بالحب، ويبحثن عنه، ولكنهن يعشن الواقع بكل مشكلاته وإحباطاته، القلب حاضر ويحرِك البطلات، ولكن الجسد أيضا حاضر أحيانا، وكأن نهلة تريد أن تضع الحالة العاطفية بتمامها أمام القارئ، وهذا المزيج مكتوب بصورة جيدة، سواء قصدت هى ذلك، أو لم تقصده، ولكنه يمنح كتاباتها التى تبدو بسيطة فى حكاياتها، عمقا وقدرة على طرح أسئلة تتجاوز الحكاية، إنها العلاقات العاطفية باستخدام ميكروسكوب خاص، يرى ما وراء السلوك، سواء كان السلوك عاطفيا أو جنسيا.
من حيث الحكاية، فإن «خدعة الفلامنجو» هى علاقة حب غير متوازنة، متكررة، وفاشلة، ولكن من حيث المعالجة، فإن هناك ما يجعلها أكثر عمقا، فالساردة، وهى كاتبة ومترجمة، خرجت توا من علاقة حب سابقة فاشلة، استمرت عبر الإنترنت مع شاب فى بلد آخر اسمه خالد، أرادت أن تنتهى علاقتهما بالزواج، ولكنه لم يكن مستعدا، ثم ارتبطت بكاتبٍ غير مصرى يعيش فى بلد أوربى، اسمه سامر، جاء إلى مصر لكى يتزوجها، والنص بأكمله عن هذه العلاقة المؤلمة، التى أبعدت الساردة عن الكتابة، وأفقدتها الثقة فى نفسها، وجعلتها تتنازل كثيرا، فتقبل الإهانات والسباب، وتعيش حالة من الضآلة، والشعور بالخوف والعجز.
هنا حكاية قد نعرف مثيلا لها، ولكن الرواية ليست هى الحكاية وتفاصيلها، ولكنها فى تحليل وتشريح هذه العلاقة الغريبة، بين رجل يبدو مريضا فعلا، سواء فى أنانيته وسيطرته ومحاولته امتلاك من يرتبط بها، وبين الكاتبة، التى تعترف أنها أيضا خضعت لهذا الاستحواذ، بل وشجعته عليه، ارتباطا بشعورها بعدم الاستحقاق، لأسباب خاصة بطفولتها وأسرتها، أو نتيجة رفض خالد الزواج منها، أو نتيجة ارتباط الألم والإهانة فى طفولتها بالحب.
تتحول علاقة حب فاشلة إلى نظرة بالعمق للذات وللآخر، وتصبح خطابات الساردة إلى صديقتها سلمى، ليست فقط سردا للحكاية فى تفاصيلها وتقلباتها الدرامية، ولكن أيضا محاولة للتعافى من الوجع، وفرصة لتأمل سبب الصبر على هذا الألم، وفرصة لاكتشاف الذات، وتحليل شخصية سامر العجيبة والغريبة.
تنطلق روايات نهلة دائما من مبدأ مهم جدا مرتبط بعلم النفس، وهو تعقد الشخصية الإنسانية وتركيبها، ويظل هذا العلم محاولة لاكتشاف تناقضات الإنسان أكثر من أى شىء آخر، وفى «خدعة الفلامنجو» لا يوجد تنميط من أى نوع، فإذا كانت تصرفات سامر فى النص مضطربة وقاسية وفجة ورديئة، فإن الساردة تحلِل كل سلوك غريب، بل وتصف سامر بالضعف، ولكنه صار وحشا يمارس سطوته، بسبب ضعف الساردة، ونتيجة لسماحها هى بذلك، فهى أيضا مسئولة، وقراءة شخصيتها يعود بها إلى الطفولة، وإلى علاقتها مع الأب والأم والأخ.
تتسع الرؤية كثيرا بهذا التحليل، بل ويمكن قراءة النص كله باعتباره صورتين لشخصيتين من الداخل من خلال علاقة عاطفية، ودراسة لعلاقة سيطرة وخضوع كاملين، عاطفيا ونفسيا، باسم الحب، بل إن الساردة تقيم علاقة جسدية كاملة مع سامر، وبدلا من حصولها على استراحة لتقييم علاقتها معه، تعود من جديد إليه، فيشعر من جديد بالقوة، ويستغل ذلك إلى أقصى درجة.
لا تفلت الساردة من هذه العلاقة إلا بمساعدة الأصدقاء، مثل عمرو الذى يقوم بدور الأب البديل، ومن خلال سلمى الصديقة التى تحرض الساردة على البوح من خلال رسائل، ومن خلال شيماء التى تظهر عند الحاجة، وكانت خطة سامر أصلا أن يفرغ عالم الساردة من الأصدقاء، ليكون وحده عالمها الذى لا مهرب منه.
من حيث البناء، تبدأ الرواية مباشرة بحوارٍ بين الساردة وسلمى، يقود إلى رسائل تكتبها الساردة لتواجه حكايتها وألمها، لا بتفسير تصرفاتها وتصرفات سامر فحسب، ولكن بربط تصرفات سامر بسلوك الحيوانات والأشجار والطيور التى تقرأ عنها الساردة.
أكسبت هذه الحيلة النصَ طرافة إضافية، فكأن سلوكنا المعقد جزء من قانون كونى، تتحايل فيه الكائنات على الحياة، إلى حدود المكر والإيذاء، بحيث يصلح استدعاء تلك الكائنات تعبيرا عن أنانية واضطراب وسيطرة سامر المكتسحة.
لم تعد البطلة فى حاجة لاستدعاء فرويد، ولكن صارت تواجه نفسها بقوة، بل صار فشل الحب موضوعا لاستعادة القدرة على الكتابة، وعلى الحياة معا.
صارت الصديقة مرآة، والحكاية كرسى اعتراف، وجلسة تحليل نفسى، وأصبحت هناك محاولة لتجربة حيلة طائر الفلامنجو، الذى يرفع قدما لكى يوفر طاقته للطيران، بدلا من أن تتبدد هذه الطاقة فى الماء.
لن نعرف للساردة اسما، ولكننا سنعيش حالتها ونتأثر بها، وسنتأمل أسئلة الحياة الصعبة، عن النفوس المعقدة، وعن الحب الذى يأخذنا إلى الجنة والنار معا.
التعليقات