قبل مئوية ثورة 1919 - عبد الله السناوي - بوابة الشروق
الجمعة 22 نوفمبر 2019 3:14 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على سن قانون جديد لمكافحة الشائعات وتشديد عقوبة مروجيها؟

قبل مئوية ثورة 1919

نشر فى : الأحد 28 أكتوبر 2018 - 11:45 م | آخر تحديث : الأحد 28 أكتوبر 2018 - 11:45 م

لم يسر تاريخنا الحديث من مرحلة إلى أخرى، ومن تطور إلى آخر بطريقة طبيعية.
كل ولاداته «عمليات قيصرية»، وكل هزائمه «عمليات إجهاض».
بعض الأسباب تعزى إلى التدخلات الخارجية الضاغطة على هذه المنطقة الحيوية من العالم، لكنه يصعب فهمها بالتدخلات الخارجية لوحدها.
عندما تخفق ثورة فى تحقيق أهدافها بأخطاء ارتكبتها، أو بالعمل المسلح الخارجى ضدها، فإن من يصعدون بعدها ينتقدون قادتها وينسبون إليهم أسباب الإخفاق.
هذه طبائع ثورات، لكنها فى الحالة المصرية استحالت إلى تصفية حسابات تجاوزت كل منطق.
من طبيعة الأمور أن تكون هناك أكثر من قراءة للتاريخ، غير أن ثمة فارقا بين أن تكون هناك قراءات مختلفة من مواقع مختلفة لأحداث التاريخ وبين ردم التاريخ نفسه وإهدار تضحياته الكبيرة وإنجازاته المؤكدة.
تجاهلت ثورة (١٩١٩) «أحمد عرابى»، ولم تر نفسها امتدادا وتطويرا فى ظروف مختلفة دوليا وإقليميا لثورته التى جسدتها المؤسسة العسكرية المصرية الوليدة.
لم يرد اعتبار ثورة «عرابى» بصورة كاملة إلا بعد قيام ثورة (١٩٥٢).
قيل إن ثورة «يوليو» قد فعلت ذلك، لأنها أيضا ثورة عسكرية!
كان ذلك إهدارا بالتعسف لقيمة الثورة العرابية وحقها فى رد الاعتبار.
لم تكن الثورة العرابية عملا مثاليا، شأن أية ثورة أخرى، لكنها مثلت فى زمانها رفضا للتمييز ضد المصريين ومحاولة للانتقال من وضع إلى آخر أكثر عدلا ومساواة.
بذات القدر تبدت مساجلات استهلكت زمنا طويلا بين نقاد تجربة «أحمد عرابى» حول ثورة (١٩١٩).
تلخصت وجهة نظر «الحزب الوطنى»، الذى أسسه «مصطفى كامل»، فى حملات وانتقادات، بعضها صحيحة وموثقة لزعيم ثورة (1919) «سعد زغلول»، غير أن منهج النقد الذى اتبعه كتابه ومؤرخوه افتقد إلى حقيقة كادت تضيع فى زحام التنافس السياسى، وهى أنه أعطى تلك الثورة الشعبية رمزيتها الملهمة وتجسيدها الحى.
عندما جاءت «لجنة ملنر» لتقصى آراء المصريين فى الاستقلال كانت إجابة الفلاحين فى الحقول واحدة: «اسألوا سعد باشا».
فى تلك اللحظة الحاسمة من تاريخ مصر، وبعد أن انتهت الحرب العالمية الأولى ونداءات حق تقرير المصير يرتفع صوتها، تجسدت إرادة الاستقلال حول ذلك الرجل الستينى.
لا يمكن بأى حال إنكار شعبية «سعد زغلول» الهائلة وارتفاعه إلى مستوى الحدث التاريخى، فأغلب الانتقادات تنصب على مرحلة ما قبل الثورة لا ما بعدها.
كانت ثورة (1919) طلاقا نهائيا مع «العثمانية»، وتوجها لدخول العصور الجديدة بهدفى «الاستقلال» و«الدستور».
بذات القدر كانت ثورة «يوليو» بزعامة «جمال عبدالناصر» استجابة أخرى لحقائق ما بعد الحرب العالمية الثانية فى طلب الاستقلال الوطنى والعدل الاجتماعى.
كما كانت ثورة «يناير» عام (2011) استجابة ثالثة لحقائق عصر المعلومات والاتصالات والسماوات المفتوحة، فى طلب التحول إلى دولة ديمقراطية حديثة.
حجم التضحيات التى بذلها المصريون فى ثورة (1919) مقاسا على عدد السكان وقتها شهادة على صلابة شعبها الذى خرج طالبا جلاء الاحتلال البريطانى.
يكفى أن نذكر أنه قد سقط فى المواجهات مع قوات الاحتلال نحو (٨٠٠) شهيد وأصيب (٦٠٠) جريح.
الأرقام تقارب بصورة مدهشة أعداد الشهداء فى ثورة «يناير»، لكن أرقام الجرحى والمصابين تتضاعف فيها.
لم تكن وسائل الإعلام الحديثة قد نشأت بعد، ولا عرفت مصر الإذاعة وقتها.. كانت الصحف الوطنية محدودة التوزيع والتأثير فى مجتمع تتفشى فيه الأمية، ولكنه قرر أن يثور، وأن يدخل القرن العشرين من بوابة الاستقلال والدستور.
لم تكن هناك فى ذلك الوقت منظمات حقوقية، أو نقابات مهنية تدافع عن حرية الرأى وحق التظاهر السلمى.
رغم التضحيات التى بذلت تعثرت أية نتائج سياسية لأربع سنوات كاملة، حتى وضع دستور (١٩٢٣)، ثم جرى بعد ذلك الالتفاف على الحكم الدستورى، وإقصاء «الوفد» حزب الأغلبية الشعبية بلا منازع عن السلطة لأغلب سنوات ما بين ثورتى (١٩١٩) و(١٩٥٢).
الجلاء لم يحدث والدستور لم يحترم، غير أن البيئة العامة كلها تغيرت فى مصر التى اكتسبت ثقتها فى نفسها ومستقبلها.
أحد أسباب السهولة النسبية التى اختطفت بها «يناير» أنها لم تدرك موقعها فى التاريخ المصرى، ولا تراكم خبرة ثوراتها.
السؤال الأول، فى أية قراءة موضوعية ومنصفة لتاريخنا الحديث: أين المجرى الرئيسى؟
والسؤال الثانى، لماذا غاب عنه التراكم وتصادمت حلقاته؟ «مصطفى كامل» ضد «عرابى».. و«سعد زغلول» ضد «مصطفى كامل» و«عرابى».. و«جمال عبدالناصر» ضد «سعد زغلول»، حتى وصلنا إلى تصور أن «يناير» تناهض «يوليو»، رغم أنها أهدافها العامة تكاد تكون طبعة جديدة فى ظروف مختلفة لما طمحت إليه الثورة الأم، مع إضافة الحريات السياسية ثغرتها الرئيسية.
الحقيقة، رغم أية مساجلات، إنها ثورة واحدة متعددة الحلقات، أضافت فى العمق كل منها للأخرى ومهدت لها.
أسوأ ما فى القصة كلها إهدار الإرث الوطنى باختلاف مدارسه وتجاربه، وإهدار خبرة التاريخ نفسه.. وهو أمر انتهى بنا فى نهاية المطاف إلى اعتلال فى الذاكرة الجماعية، حتى كادت تبهت المعانى الاستقلالية الحقيقية التى تراكمت ودفع ثمنها دم.
لا يعنى ذلك إغفال التباينات أو الأخطاء الفادحة التى وقعت، أو التمويه على التناقضات، وإنما وضعها فى إطار موضوعى تتعدد القراءات فيه دون نفى ما هو ثابت من التاريخ بالضرورة من تحولات ومعارك وقيم جرى الدفاع عنها.
لا شىء يولد من فراغ ولا مستقبل يتأسس على فجوات.
اختلاف العصور والأجيال شىء، ونفى أى صلات شىء آخر.
ما تحتاجه مصر الآن بأكثر من أى توقع رد اعتبار الذاكرة الوطنية وتأكيد وحدة ثوراتها الحديثة، احترام التاريخ الوطنى والاحتفاء بأحلامه وتضحياته التى دفع ثمنها غاليا واستخلاص الدروس الضرورية.
مئوية ثورة (1919) التى تقترب بعد شهور قليلة فى مارس المقبل فرصة لا يصح أن تفلت لتأكيد هذه القيم والمعانى فى الذاكرة العامة.
تلك مهمة وطنية عامة لا تخص تيارا دون آخر.
إنه التاريخ الوطنى والاعتزاز الواجب بكل من ضحى فى سبيل رفع شأن هذا البلد.