بعد الطوفان - داليا شمس - بوابة الشروق
الأحد 25 يوليه 2021 5:29 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع أن تكسر مصر رقمها التاريخي بتحقيق أكثر من 5 ميداليات أوليمبية في أولمبياد طوكيو؟

بعد الطوفان

نشر فى : السبت 29 مايو 2021 - 7:30 م | آخر تحديث : السبت 29 مايو 2021 - 7:30 م

تابعنا على مدى الأيام والأسابيع الماضية عدد الجرحى والقتلى والصواريخ وتجدد الاشتباكات فى فلسطين والأراضى المحتلة وتصدرت القضية أهم الأنباء بعد أن وُضعت على الرف لبضع سنوات وخطف منها الربيع العربى بمستجداته الأضواء أو غيره من الأحداث حول العالم كأخبار الفيروس اللعين. فتح أهالى الشيخ جراح وغزة وفلسطينيو 48 قوسا اعتراضا على السياسة الاستيطانية الإسرائيلية وعلى طريقة التعامل مع مصيرهم فى المجمل، فهم يعيشون السيناريو نفسه يتكرر كل فترة حتى سئمه العالم وصار ما يجرى لهم أمرا اعتياديا بالنسبة لجموع القراء والمشاهدين. كان يجب أن يرتفع عدد الضحايا وتشتعل الشوارع حتى يلتفتوا إليهم لحين، ثم سرعان ما ينفضون عنهم وينشغلون بشىء آخر وتتغير أولويات وسائل الإعلام وترجع ريما لعادتها القديمة وينغلق القوس.
هذا مع الأسف حال الأنباء، يسحق واحد الآخر، وتتحول الأنظار بين عشية وضحاها إلى مكان مختلف، وينطبق ذلك فى العموم على طريقة متابعتنا للأحداث الجارية: قضية تشغل بالنا بشدة لأيام قد تطول، ثم ننغمس فى غيرها ولا نتوقف بعدها كثيرا حول ما جرى، مثلا لم يلق الإفراج على المتهمين باغتصاب «فتاة الفيرمونت» فى مصر الصدى الذى يتناسب مع حجم اهتمامنا بالقضية فى البداية، لم نجادل أو نناقش على الرغم من فداحة الأمر، وعلى هذا النحو أيضا لم يتطرق معظمنا لحملة الاعتقالات الواسعة التى شنتها القوات الإسرائيلية لتصفية حساباتها مع شباب الداخل الفلسطينى فى الأيام التى تلت التهدئة ووقف إطلاق النار على غزة، لم ينتفض الفضاء الاجتماعى لمحاولات طرد 86 عائلة مقدسية من منازلهم بحى بطن الهوى فى بلدة سلوان الواقعة إلى الجنوب والجنوب الشرقى من المسجد الأقصى، وهى تعد أقرب البلدات الفلسطينية للمسجد ولا يفصلها عنه سوى سور القدس الجنوبى. ننتظر أن يسفر الأمر عن حرب جديدة وقتلى وجرحى ودماء لكى نبكى على اللبن المسكوب ونستمع بأسى لحكايات النساء و«الختيارية» أو كبار السن باللهجة الفلسطينية ونكتشف بعض الكلمات الدارجة فى قاموس المقاومة والمعاناة.
***
يلزمنا طوفان لكى نتحرك ثم نرجع إلى الضجر والهدوء وأحيانا عدم المبالاة، وهو ما ينطبق على أمور عدة لكن فى حالة القضية الفلسطينية، ربما بسبب استمراريتها وطول أمدها، صار لها وضع خاص. أصبح من المعروف فى أوساط الصحفيين الأجانب أن من يريد أن يصنع اسما أو يحصل على وظيفة ثابتة عليه الذهاب إلى فلسطين والأراضى المحتلة لكى يغطى الصراع، فهناك دوما مادة صحفية وأشياء تُروى لكى يصنع مجده. وفى الوقت ذاته بات أيضا من المفهوم أن الصحف الكبرى ووسائل الإعلام بشكل عام سئمت من بقاء الوضع على ما هو عليه خلال العشرين سنة الأخيرة تقريبا وأن لا شىء يتغير، وبالتالى لم تعد أنباء هذه البقعة من الأرض تستهويها كما فى السابق، رغم أن القدس تضم غالبا أكبر عدد على مستوى العالم من الصحفيين الأجانب المقيمين. صاروا جزءا من عبث الأوضاع والأقدار هناك، دون إنكار لأهمية وجودهم ودورهم فى نقل الصور والأخبار عند اللزوم، إذا ما تُركت لهم مساحة لذلك.
***
الصور التى تطير إلينا وتصبح ضمن الروتين أحيانا وأيام الحزن العادى أو تزداد درجة التراجيديا والدراما فتدمى قلوبنا ونتفاعل معها لوهلة حين لا نرى الأمل فى نهاية النفق، بل نشك فى وجود النفق من الأساس. كانت دوما الصور موجودة تروى الصراع وتدفق اللاجئين منذ 1948، صور بالأبيض والأسود للحياة القديمة فى الأراضى المحتلة تثير عاصفة من النوستالجيا، وصور أرشفتها الوكالات الدولية، وأخرى روج لها فريق مختص داخل منظمة التحرير الفلسطينية حين فهم قادتها فى أعقاب هزيمة 1967 أنها جزء أساسى من نضالهم لكى يخرجوا إلى حيز المرئيين. صور وقف وراءها فيما بعد، خاصة بعد العام 1982، سينمائيون فلسطينيون معظمهم من داخل الأراضى المحتلة مثل ميشيل خليفى ورشيد مشهراوى وإيليا سليمان، ثم جيل آخر من المخرجين الأصغر سنا، معظمهم طرح أفلامه القديمة والجديدة لكى يشاهدها الناس حول العالم بالمجان لفترة محدودة على الإنترنت، خلال الاشتباكات الأخيرة، لكى يذكروهم بأبجديات الصراع وتداعياته. انشغلنا بها وبهم، وأخذ بعضنا يؤطر تاريخ السينما الفلسطينية وارتباطها بالواقع، ثم انشغلنا بأشياء أخرى أكثر آنية أو أقل دراماتيكية. ربما عليهم وعلينا أن نستمر فى الدعم من خلال مشاركة الصور بمناسبة وغير مناسبة، ألا ننتظر الطوفان لكى نتحرك أو الهدوء الذى يليه لكى نفكر ونسرح فى الملكوت، فمجرد مشاركة الصور على وسائل التواصل الاجتماعى ومتابعة ما يحدث والتذكير به هو فعل مقاومة.

التعليقات