يسأل البعض أسئلة وجودية قد لا يجدون إجابتها عند الكثيرين من غير المتخصصين، وتدور تلك الأسئلة عن بدايات الخلق وأسرار الكون والحكمة الإلهية من وراء أشياء كثيرة حولنا.
تستعرض"الشروق" لكم إجابات مبسطة على هذه الأسئلة، خلال شهر رمضان الكريم، عبر سلسلة "أسئلة وجودية"، التي تتضمن آراء علماء المسلمين والأزهر الشريف.
نقدم لكم في الحلقة الحادية عشر من سلسلة "أسئلة وجودية" الإجابة على أحد أهم الأسئلة التي تشغل البشرية، وهو "لماذا سمي إبراهيم أبو الأنبياء رغم وجود أنبياء قبله؟".
* من هو نبي الله إبراهيم وما رسالته؟
يقول الإمام ابن كثير، في كتابه (البداية والنهاية)، إن النبي إبراهيم هو بن آزر، وجده الأكبر سام ابن سيدنا نوح عليه السلام، ابن النبي المصري (حسب أغلب وأرجح الأقوال) إدريس ابن شيث ابن آدم عليه السلام.
كانت رسالة النبي إبراهيم عليه السلام هي التوحيد لله عز وجل، يقول الله في كتابه العزيز، سورة الأنعام: "وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر اتتخذ أصناما آلهة إني أراك وقومك في ضلال مبين".
ولد سيدنا إبراهيم الخليل عليه السلام، في بابل بالعراق، وهو من أولي العزم من الرسل، وبحسب الامام ابن كثير، كانت أسرته بل كل من كان على وجه الأرض كافرا لا يعبد الله باستثناء إبراهيم وامرأته سارة، وكان والده آزر صانعا للأصنام، والنبي لوط عليه السلام ابن عمه أو ابن أخيه حسب بعض الأقوال، حيث عاشت البشرية عصورا مرتدة عن عبادة الله واتبع القوم ضلالات الشيطان بظهور القبلية وعبادة الأصنام.
* الدعوة إلى الله وبر الوالدين (بداية النبوة)
بعث خليل الله عليه السلام الى أهل حران، المدينة الواقعة على أحد روافد نهر الفرات بالعراق، حيث ذكر الإمام ابن جرير الطبري أن هاران ابن عم إبراهيم الخليل ووالد زوجته سارة، بنى المدينة آنذاك فسميت على اسمه بنطق "حاران" فيما قيل أيضا إن هاران كان شقيق إبراهيم ووالد النبي لوط، وهو من بنى المدينة.
ذكر الإمام ابن كثير أن نبي الله إبراهيم لم يُجبر أبيه على الإيمان بالله ولم يعنفه بعبارات فظة حتى يؤمن، بل جرت محاولات ومجادلات بألطف العبارات وأحسن الإشارات، فكان إبراهيم يبين له بطلان ما هو عليه من عبادة الأصنام التي لا تسمع دعاء عابدها ولا تبصر مكانه، وتعجب له من أنها لا تغني شيئا ولا تجلب الرزق أو النصر، لكن أباه لم يستجب، بل وأخذ في تهديده ووعيده.
كان أهل حران الذين بعث فيهم إبراهيم خليل الله يعبدون الكواكب،_وخارج سند الإمام ابن كثير_فلم يوضح القرآن الكريم توقيت نزول الوحي على النبي إبراهيم، واختلف المفسرون حول ما إذا كان إبراهيم اهتدى من نفسه لتوحيد الله عندما نظر إلى القمر والشمس فوجدهما يغيبا عن العالم، وأيقن أنهما ليس الله أو الإله بذاته، وقال: هذا ليس ربي، أم أن ذلك حدث بعد نزول الوحي، وأنه فعل ذلك لمحاجاة قومه بالأدلة حتى يثبت لهم أنهم على ضلالة، وأن الله لا يرى بالعين، ولا يغيب عليه شيئ.
* مشقة الدعوة
لما أنكر النبي إبراهيم على قومه عبادة الأوثان واحتقرها، ما كانت حجتهم إلا أنها صنيع آبائهم وأجدادهم، فلما خرجوا إلى عيدهم فرحين، ذهب رسول الله إلى الآلهة وحطمها وعلق الفأس في عنق كبير الآلهة؛ إشارة منه بأنه فاعل ذلك، وأخبر قومه بأن كبير الآلهة فعل ذلك لغيرته من أن تعبد معه الآلهة الصغيرة وعندما سألوه من فعل ذلك، رد عليهم بأن يسألوا كبيرهم، وهنا تحققت أكبر مقاصد الخليل باجتماع أكبر عدد من الملأ ليشهدوا الحديث والبينة ويسمعوا كلام الله.
يقول الله في القرآن الكريم في آيات سورة الأنبياء: "قالوا من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين، قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم، قالوا فاتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون، قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم، قال بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون، فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا انكم انتم الظالمون، ثم نكسوا على رءوسهم لقد علمت ماهؤلاء ينطقون، قال افتعبدون من دون الله مالا ينفعكم شيئا ولا يضركم".
أدركت الحيرة قوم إبراهيم بعد واقعة الأصنام، فقرروا التخلص منه، وشرعوا يجمعون حطبا في حفرة عظيمة، وأضرموا فيها النيران، ثم وضعوه عليه السلام في كفة منجنيق صنعه لهم رجل من الأكراد يطلق عليه هيزن، وكان أول من صنع المنجنيق، فلما وضع إبراهيم فيه مقيدا، قال: حسبي الله نعم الوكيل، فنجاه الله تعالى، ولم يحرق منه إلا وثاقه (قيده)، يقول الله في كتابه العزيز، سورة الأنبياء: "قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على ابراهيم".
* (النمرود) ملك بابل يناصب إبراهيم العداء
ويروي الله عز وجل في كتابه العزيز، مناظرة إبراهيم الخليل مع ملك بابل الذي سمي النمرود، عندما قال له إبراهيم إن الله هو الذي يحيي ويميت، فرد عليه النمرود قائلا "أنا الذي أحيي وأميت"، فقال له إن الله يأتي بالشمس من المشرق فأتي بها من المغرب، فبهت ما كان يؤمن به النمرود.
* إبراهيم أبو الأنبياء وإسماعيل أبو العرب
لما اشتد عناد القوم لدعوة خليل الله إبراهيم في بابل وكان عليه السلام من أولي العزم، وقد تزوج من السيدة سارة ابنة عمه التي اتبعت هداه، هاجر معها إلى أرض الشام لنشر الدعوة في مكان آخر، ومن ثم هبط إلى مصر لأنها أمنا وأمانا.
ويُروى خارج سند ابن مالك أن (فرعون) ملك مصر -قد ذكره القرآن الكريم اسما علما وليس لقبا- كان ملكا طاغيا يريد النساء الجميلات، وكان كلما اقترب من السيدة سارة ليَهِمَ بها شُلت يداه، فكان يطلب منها الدعاء لله لفك الشلل، وتكرر الأمر ثلاث مرات، فعلم فرعون ان السيدة سارة مُحَصنة، فلما حان وقت رحيل النبي إبراهيم أهداها الفرعون هاجر المصرية، جارية ذات حسن وجمال.
ولأن السيدة سارة كانت عاقرا؛ اقترحت على النبي ابراهيم الزواج من هاجر، فتزوجها وحملت في النبي إسماعيل.
ولما اشتدت غيرة السيدة سارة من السيدة هاجر قبل ولادة سارة لإسحاق، أخذ إبراهيم هاجر ورضيعها إسماعيل واتجه بهم إلى أرض الحجاز، المملكة العربية السعودية حاليا، ووضعهما في عناية إلهية بوحي من الله حتى انفجرت أعين المياه لسقياها ورضيعها من العطش.
كبر سيدنا إسماعيل في أرض الحجاز، وتعلم اللغة العربية، وكان اعجميا فتزوج فتاة من قبيلة يمنية استقرت حيث شب وكبر في الجزيرة العربية، فعلمته العربية، وأنجبت له أبناء كُثر خرج منهم جميع القبائل التي تسكن الجزيرة العربية الان، ويطبق عليهم العرب المستعربة، الذين انوشروا في بقية الوطن العربي، اما العرب العاربة فهم اليمنيون اصل العرب، لذا يطلق على النبي إسماعيل (ابو العرب المستعربة)، ويطلق على السيدة هاجر أو مصر (جدة العرب المستعربة)، ومن هنا يأتي العرق المصري في نسب الرسول محمد (صلى) الذي جده الأكبر عدنان هو أحد أبناء إسماعيل عليه السلام.
بعدما شب سيدنا إسماعيل حَمَلت السيدة سارة من سيدنا إبراهيم لتنجب سيدنا إسحق الذي انجب يعقوب الذي انحدر من نسله اغلب أنبياء الأرض، (أنبياء بني إسرائيل)، بداية من النبي يوسف وداوود وسليمان وموسى وهارون ويونس وأيوب، زكريا ويحيى، انتهاءا بسيدنا عسيى عليه السلام اخر أنبياء بني إسرائيل، لذا يسمي النبي ابراهيم أبو الأنبياء.
بقت للبشرية حتى يومنا هذا آثار قدم خليل الله إبراهيم محفوظة في مقام ذهبي صغير بجوار الكعبة المشرفة، فيما دفن عليه الصلاة والسلام في المسجد الإبراهيمي في مدينة الخليل الفلسطينية المحتلة.
إلى اللقاء في الحلقة الثانية عشر..
أقرأ ايضا: