طلعت إسماعيل يكتب:«حياة محمد» للدكتور محمد حسين هيكل.. قراءة بعين العقل والعلم للسيرة النبوية الشريفة (2-3) - بوابة الشروق
السبت 14 مارس 2026 8:25 م القاهرة

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

هل توافق على التبرع بأعضائك بعد الوفاة؟

طلعت إسماعيل يكتب:«حياة محمد» للدكتور محمد حسين هيكل.. قراءة بعين العقل والعلم للسيرة النبوية الشريفة (2-3)


نشر في: السبت 7 مارس 2026 - 6:35 م | آخر تحديث: الأحد 8 مارس 2026 - 4:37 م

• الوحى يهبط على محمد ويأمره: «اقرأ باسم ربك الذى خلق»
• ابن عبد الله يمارس مهنة إخوته من الأنبياء برعى الغنم فى شعاب مكة
• النبى الأمين يذهب قبل بعثته إلى الشام فى رحلته الثانية تاجرًا بأموال خديجة
• نفيسة بنت منية تتوسط لزواج خديجة من محمد وعمها يشهد الزواج
• محمد يترك نفسه لسجية التفكر والتأمل بعد الزواج من بنت خويلد
• العلماء يختلفون بشأن الشرع الذى كان محمد يتعبد عليه فى غار حراء
• كان الرسول زاهدًا فى الحياة وهو القائل: نحن قوم لا نأكل حتى نجوع وإذا أكلنا لا نشبع

حظيت سيرة الرسول الكريم محمد بن عبد الله، صلى الله عليه وسلم، باهتمام بالغ على مدى مئات السنين، ولا تزال تلقى العناية نفسها من المسلمين وغير المسلمين على السواء، ولما لا وقد كانت لدعوته إلى الله الأثر الأعظم فى مسيرة البشرية، منذ بعثته فى نهاية القرن السادس الميلادى، وحتى اليوم.

وبالضرورة فإن الكتابات التى تناولت حياة النبى وبعثته، وما مرت به الدعوة إلى الإسلام فى مكة والمدينة، وصراع المسلمين مع كفار قريش، شهدت العديد من الروايات الدقيقة، وتلك التى شاب بعضها الدس، والتلفيق، ما تطلب التصدى من العلماء والمفكرين لها بالبحث العلمى لمحو ما جاء فيها من أكاذيب، وإجلاء الصحيح من الأحداث بأسانيد لا تقبل التشكيك.

وإلى النوع الأخير من الكتابات ينتمى كتاب «حياة محمد» للدكتور محمد حسين هيكل (1888 ــ 1956) القانونى والمؤرخ والأديب والسياسى الذى تولى الوزارة أكثر من مرة، الصادرة أحدث طبعاته عن دار الشروق، بتقديم للدكتور محمد مصطفى المراغى شيخ الجامع الأزهر (1881 ــ 1945) الذى وصف الكتاب بأنه عقد منضد وسلسلة متينة محكمة الحلقات فى تنسيق الحوادث وربط بعضها بعضا.

عقب أن تناول بشىء من التفصيل الأجواء التى ولد فيها الرسول صلى الله عليه وسلم حيث كان الصراع محتدما بين الفرس والروم، وكان العرب غارقين فى وثنية تحميها الصحراء فى شبه جزيرتهم من تأثرهم بالمسيحية والمجوسية، ينتقل الدكتور محمد حسين هيكل بالحديث إلى مرحلة جديدة من حياة النبى صلى الله عليه، والتى سبقت زواجه من السيدة خديجة بنت خويلد.

كان الرسول فى تلك المرحلة يرعى غنم أهله وغنم أهل مكة وكان يذكر رعيه إياها مغتبطا وكان يقول: «ما بعث الله نبيًا إلا راعى غنم. ويقول: بعث موسى وهو راعى غنم، وبعث داود وهو يرعى غنما، وبعثت وأنا أرعى غنم أهلى بأجياد».
وراعى الغنم الذكى القلب يجد فى فسحة الجو الطلق فى أثناء النهار وفى تلألؤ النجوم إذا جن الليل موضوعًا لتفكيره وتأمله يسبح منه فى هذه العوالم يبتغى أن يرى ما وراءها. ويلتمس فى مختلف مظاهر الطبيعة تفسيرًا لهذا الكون وخلقه، وهو يرى نفسه ما دام ذكى الفؤاد عليم القلب بعض هذا الكون غير منفصل عنه.

ويقول المؤلف إن حياة التفكير والتأمل وما يستريح إليه من عمل بسيط كرعى الغنم ليست بالحياة التى تدر على صاحبها أخلاف الرزق أو تفتح أمامه أبواب اليسار.

وما كان محمد يهتم لذلك أو يُعنى به، وقد ظل طول حياته أشد الناس زهدا فى المادة ورغبة عنها. وما إقباله عليها وكان الزهد بعض طبعه؟! وكان لا يحتاج من الحياة إلى أكثر مما هو قائل: نحن قوم لا نأكل حتى نجوع، وإذا أكلنا لا نشبع؟! أليس هو الذى عرف عنه فى كل حياته حرصه على شظف العيش ودعوة الناس إلى الاستمتاع بخشونة الحياة؟ والذين يتوقون إلى المال ويلهثون فى طلبه إنما يبتغونه لإرضاء شهوات لم يعرف محمد طوال حياته شيئًا منها.

واللذة النفسية الكبرى؛ لذة الاستمتاع بما فى الكون من جمال ومن دعوة إلى التأمل، هذه اللذة العظيمة التى لا يعرفها إلا الأقلون، والتى كانت لذة محمد منذ نشأته ومنذ أرته الحياة فى نعومة أظفاره ذكريات بقيت مطبوعة فى نفسه داعية إلى الزهد فى الحياة.

بين الرعى و التجارة

ولو أن محمدا ترك وشأنه يومئذ ما نازعته نفسه إلى شىء من المال، ولظل سعيدا بهذه الحال، حال الرعاة المفكرين الذين ينتظمون الكون فى أنفسهم والذين يحتويهم الكون فى حبة قلبه.

لكن عمه أبا طالب كان حليف فقر كثير عيال، لذلك رأى أن يجد لابن أخيه سببا للرزق أوسع مما يجيئه من أصحاب الغنم التى يرعاها، فبلغه يوما أن خديجة بنت خويلد تستأجر رجالا من قريش فى تجارتها، وكانت خديجة امرأة تاجرة ذات شرف ومال تستأجر الرجال فى مالها يضاربون لها به بشىء تجعله لهم.

ولقد زاد فى ثروتها أنها، وكانت من بنى أسد تزوجت مرتين فى بنى مخزوم مما جعلها من أوفر أهل مكة غنى. وكانت تقوم على مالها بمعونة أبيها خويلد وبعض ذوى ثقتها. وقد ردت خطبة الذين خطبوها من كبار قريش، لأنها كانت تعتقد أنهم ينظرون إلى مالها، واعتزمت أن تقف جهدها على تنمية ثروتها.

وإذ علم أبو طالب أنها تجهز لخروج تجارتها إلى الشام مع القافلة نادى ابن أخيه، وكان يومئذ فى الخامسة والعشرين من سنه وقال له: يا ابن أخى أنا رجل لا مال لى، وقد اشتد الزمان علينا، وقد بلغنى أن خديجة استأجرت فلانًا ببكرين (جملين صغيرين) ولسنا نرضى لك بمثل ما أعطته، فهل لك أن أكلمها؟ قال محمد: ما أحببت يا عمى، فخرج أبو طالب إليها فقال لها: هل لك يا خديجة أن تستأجرى محمدًا؟ فقد بلغنا أنك استأجرت فلانًا ببكرين ولسنا نرضى لمحمد دون أربعة بكار.

وكان جواب خديجة: لو سألت ذلك لبعيد بغيض فعلنا، فكيف وقد سألته لحبيب قريب، وعاد العم إلى ابن أخيه يذكر له الأمر ويقول له: هذا رزق ساقه الله إليك.
رحلة الشام الثانية

خرج محمد مع ميسرة غلام خديجة بعد أن أوصاه أعمامه به، وانطلقت القافلة فى طريق الصحراء إلى الشام مارة بوادى القرى ومدين وديار ثمود وبتلك البقاع التى مر بها مع عمه أبى طالب وهو فى الثانية عشرة من عمره. وأحيت هذه الرحلة فى نفسه ذكريات الرحلة الأولى، كما زادته تأملًا وتفكيرًا فى كل ما رأى

وسمع من قبل عن العبادات والعقائد بالشام أو بالأسواق المحيطة بمكة. فلما بلغ بصرى اتصل بنصرانية الشام وتحدث إلى رهبانها وأخبارها وتحت إلى راهب نسطورى وسمع منه، ولعله أو لعل غيره من الرهبان قد جادل محمد فى دين عيسى عليه السلام.

استطاع محمد بأمانته ومقدرته أن يتجر بأموال خديجة تجارة أوفر ربحًا مما فعل غيره من قبل، واستطاع بحلو شمائله وجمال عواطفه أن يكسب محبة ميسرة و إجلاله، فلما آن لهم أن يعودوا ابتاع لخديجة من تجارة الشام كل ما رغبت إليه أن يأتيها به.

فلما بلغت القافلة مَرَّ الظهران فى طريق عودتها قال ميسرة: يا محمد أسرع إلى خديجة فأخبرها بما صنع الله لها على وجهك فإنها تعرف ذلك لك.

انطلق محمد حتى دخل مكة فى ساعة الظهيرة، وكانت خديجة فى عليَّة لها، فرأته وهو على بعيره، ونزلت حين دخل دارها واستقبلته واستمعت إليه يقص بعبارته البليغة الساحرة خبر رحلته وربح تجارته وما جاء به من صناعة الشام، وهى تنصت مغتبطة مأخوذة، وأقبل ميسرة من بعد، فروى لها عن محمد ورقة شمائله وجمال نفسه ما زادها علما به فوق ما كانت تعرف من فضله على شباب مكة، ولم يك إلا رد الطرف حتى انقلبت غبطتها حبا جعلها، وهى فى الأربعين من سنها، وهى التى ردت من قبل أعظم قريش شرفا ونسبا، تود أن تتزوج من هذا الشاب الذى نفذت نظراته ونفذت كلماته إلى أعماق قلبها.

تحدثت خديجة فى ذلك إلى أختها على قول، وإلى صديقتها نفيسة بنت منية على قول آخر. وذهبت نفيسة دسيسا إلى محمد فقالت له: ما يمنعك أن تتزوج؟ قال: ما بيدى ما أتزوج به. قالت: فإن كُفيت ذلك ودعيت إلى الجمال والمال والشرف والكفاءة، ألا تجيب؟ قال: فمن هى؟ أجابت نفيسة بكلمة واحدة خديجة.

قال محمد: كيف لى بذلك؟! وكان قد أنس هو أيضا إلى خديجة وإن لم تحدثه نفسه بزواج منها لما كان يعلم من ردها أشراف قريش وأغنياءها، فلما قالت له نفيسة جوابًا عن سؤاله على ذلك، سارع إلى إعلان قبوله، ولم تبطئ خديجة أن حددت الساعة التى يحضر فيها مع أعمامه ليجدوا أهلها عندها فيتم الزواج، على يد عمها عمر بن أسد، لأن خويلدًا كان قد مات قبل حرب الفجار، مما يُكذب ما يروى من أنه كان حاضرًا ولم يكن راضيًا هذا الزواج.

زواج وابناء

تزوج محمد من خديجة بعد أن أصدقها عشرين بكرة (ناقة صغيرة)، لتبدأ، كما يقول د.هيكل، صفحة جديدة من حياة النبى، تبدأ حياة الزوجية والأبوة التى تعرف من الآلام لفقد الأبناء ما عرفه صل الله عليه وسلم فى طفولته لفقد الآباء.

رزق محمد من خديجة البنين والبنات فيحتسب ولديه القاسم وعبد الله الطاهر الطيب بما يثير فى نفسه لاعج الحزن والألم، وتبقى له بناته وهو بهنَّ البر والشفقة، وهن له الإكرام والإعزاز الخالص.

ويشير المؤلف إلى أن الذى عليه أكثر أهل النسب أن الأبناء الذكور للنبى صلى الله عليه وسلم من خديجة اثنان القاسم وعبد الله، ويلقب بالطاهر وبالطيب، وقيل إن أبناءه الذكور منها ثلاثة وقيل أربعة، وأما البنات فهن زينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة.

ويمضى المؤلف ليصل إلى وصف محمدًا فيقول إنه كان وسيم الطلعة، ربعة فى الرجال ليس بالطويل البائن ولا بالقصير المتردد، ضخم الرأس، ذا شعر َرجل شديد سواده مبسوط الجبين فوق حاجبين سابغين منونين متصلين، واسع العينين أدعجهما، تشوب بياضهما فى الجوانب حمرة خفيفة وتزيد فى قوة جاذبيتهما وذكاء نظرتهما أهداب طوال حوالك، مستوى الأنف دقيقه، مفلج الأسنان، كث اللحية، طويل العنق جميله، عريض الصدر رحب الساحتين، أزهر اللون، شئن الكفين والقدمين أى غليظهما يسير ملقيا جسمه إلى الأمام مسرع الخطو ثابتة على ملامحه سيما التفكير والتأمل. وفى نظرته سلطان الأمر الذى يخضع الناس لأمره.

أتاحت حياة الطمأنينة والدعة بعد زواجه من خديجة، لمحمد أن يترك نفسه لسجيتها، وسجية التفكر والتأمل، وأن يكون أشد من كل قومه تدبرًا وتفكيرًا، فهذا الروح الذى أعدته الأقدار ليبلغ الناس من بعد رسالات ربه، ويوجه حياة العالم الروحية الاتجاه الحق، لا يمكن أن يظل مطمئنا إلى ما غرق الناس فيه إلى الأذقان من ضلال، ولا بد أن يلتمس فى الكون أسباب الهدى، حتى يعده الله ليلقى عليه ما قدر فى الغيب من رسالته.

ومع عظيم توجهه إلى هذه الناحية الروحية وشديد تعلقه بها، لم يكن يريد لنفسه أن يكون من طراز الكهان ولا أراد أن ينصب نفسه حكيمًا على نحو ما كان ورقة بن نوفل وأمثاله، إنما كان يريد الحق لنفسه، فكان لذلك كثير التفكير، طويل التأمل، قليل الإفضاء إلى غيره بما يجيش بنفسه من آثار تفكيره وتأمله.

التحنث فى غار حراء

كان من عادة العرب إذ ذاك أن ينقطع مفكروهم للعبادة زمنًا فى كل عام يقضونه بعيدًا عن الناس فى خلوة يتقربون إلى آلهتهم بالزهد والدعاء، ويتوجهون إليها بقلوبهم يلتمسون عندها الخير والحكمة، وكانوا يسمون هذا الانقطاع للعبادة التحنف أو التحنث. وقد وجد محمد فى التحنث خير ما يمكنه من الإمعان فيما شغلت به نفسه من تفكير وتأمل، كما وجد فيه طمأنينة نفسه وشفاء شغفه بالوحدة يتلمس أثناءها الوسيلة إلى ما لم يبرح شوقه يشتد إليه من نشدان المعرفة واستلهام ما فى الكون من أسبابها.

وكان بأعلى جبل حراء ــ على فرسخين من شمال مكة ــ غار هو خير ما يصلح للانقطاع والتحنث، فكان محمد يذهب إليه طوال شهر رمضان من كل سنة يقيم به مكتفيًا بالقليل من الزاد يحمل إليه ممعنا فى التأمل والعبادة، بعيدا عن ضجة الناس وضوضاء الحياة ملتمسا الحق والحق وحده.

ولقد كان يشتد به التأمل ابتغاء الحقيقة حتى كان ينسى نفسه وينسى طعامه وينسى كل ما فى الحياة، لأن هذا الذى يرى فى حياة الناس مما حوله ليس حقا.

فى غار حراء كان محمد يقلب فى صحف ذهنه كل ما وعى، وهو لم يكن يطمع فى أن يجد فى قصص الأحبار وفى كتب الرهبان الحق الذى ينشد، بل فى هذا الكون المحيط به فى السماء ونجومها وقمرها وشمسها، وفى الصحراء ساعات لهيبها المحرق تحت ضوء الشمس الباهرة اللآلاء، وساعات صفوها البديع إذ تكسوها أشعة القمر أو أضواء النجوم بلباسها الرطب الندى.

البحث عن الحق

كان محمد يفكر فى أثناء الانقطاع وتعبده بغار حراء، يريد أن يرى الحق فى الأمور النفسية والروحية وفى الحياة جميعا، وكان تفكيره يملأ نفسه وفؤاده وضميره وكل ما فى وجوده ويشغله لذلك عن هذه الحياة وصبحها ومسائها.

فإذا انقضى شهر رمضان عاد إلى خديجة وبه من أثر التفكير ما يجعلها تُسائله تريد أن تطمئن إلى أنه بخير وعافية.

وهنا يطرح سؤال: أكان محمد يتعبد فى أثناء تحنثه ذاك على شرع بذاته؟ يشير مؤلف «حياة محمد» إلى أن هذا أمر اختلف العلماء فيه، وقد روى ابن كثير فى تاريخه طرفًا من آرائهم فى الشرع الذى كان يتعبد عليه، فقيل شرع نوح، وقيل إبراهيم، وقيل موسى، وقيل عيسى، وقيل كل ما ثبت أنه شرع عنده اتبعه وعمل به. ولعل هذا القول الأخير أقوم من كل ما سبقه، فهو الذى يتفق وما شغف محمد به من التأمل ومن التفكير على أساس هذا التأمل.

وكان إذا استدار العام وجاء شهر رمضان ذهب إلى حراء وعاد إلى تفكيره ينضجه شيئًا فشيئًا وتزداد نفسه به امتلاء وبعد سنوات شغلت أثناءها هذه الحقائق العليا نفسه، صار يرى فى نومه الرؤيا الصادقة تنبلج أثناءها أمام باصرته أنوار الحقيقة التى ينشد ويرى معها باطل الحياة وغرور زخرفها.

إذ ذاك آمن أن قومه قد ضلوا سبيل الهدى، وأن حياتهم الروحية قد أفسدها الخضوع لأوهام الأصنام وما إليها من عقائد متصلة بها ليست دونها ضلالاً وليس فيما يذكر اليهود وما يذكر النصارى ما ينقذ قومه من ضلالهم.

وشارف محمد الأربعين وذهب إلى حراء يتحنث وقد امتلأت نفسه إيمانًا بما رأى فى رؤاه الصادقة، وقد خلصت نفسه من الباطل كله وقد أدبه ربه فأحسن تأديبه وقد اتجه بقلبه إلى الصراط المستقيم وإلى الحقيقة الخالدة، وقد اتجه إلى الله بكل روحه أن يهدى قومه بعد أن ضربوا فى تيهاء الضلال وهو فى توجهه هذا يقوم ويرهف ذهنه وقلبه ويطيل الصوم، وتثور به تأملاته فينحدر من الغار إلى طرق الصحراء، ثم يعود إلى خلوته ليعود فيمتحن ما يدور بذهنه وما يتبين له فى رؤاه ولقد طالت به الحال ستة أشهر، حتى خشى على نفسه عاقبة أمره، فأسر بمخاوفه إلى خديجة وأظهرها على ما يرى، وأنه يخاف عبث الجن به، فطمأنته الزوج المخلصة الوفية وجعلت تحدثه بأنه الأمين، وبأن الجن لا يمكن أن تقترب منه، وإن لم يدر بخاطرها ولا بخاطره أن الله يهى مصطفاه بهذه الرياضة الروحية إلى اليوم العظيم وإلى النبأ العظيم، يوم الوحى الأول ويهيئه بها إلى البعث والرسالة.

نزول الوحى

وفيما هو نائم بالغار يومًا جاءه ملك وفى يده صحيفة، فقال له: اقرأ، فأجاب مأخوذًا: ما أقرأ! فأحس كأن الملك يخنقه ثم يرسله ويقول له: أقرأ، قال محمد: ما أقرأ!، فأحس كأن الملك يخنقه كرة أخرى، ثم يرسله ويقول له: أقرأ. قال محمد ــ وقد خاف أن يُخْنق مرة أخرى: ماذا أقرأ؟! قال الملك: ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِى خَلَقَ (1) خَلَقَ ٱلْإِنسَاٰنَ مِنْ عَلَقٍ (2) ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلْأَكْرَمُ (3) ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ (4) عَلَّمَ ٱلْإِنسَـانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ (العلق: 1 ــ 5) ، فقرأها وانصرف الملك عنه وقد نقشت فى قلبه.

ولكنه ما لبث أن استيقظ فزعا يسأل نفسه أى شىء رأى، أتراه أصابه ما كان يخشى من جنة؟ وتلفت يمنة ويسرة فلم ير شيئًا. ومكث برهة أصابته فيها رعدة الخوف وتولاه أشد الوجل، وخاف ما قد يكون بالغار، ففر منه وكله حيرة لا يستطيع تفسير ما رأى.

فلما انصرفت صورة الملك رجع محمد ممتلئًا بما أوحى إليه، وفؤاده يجف وقلبه طرب خوفًا وهلعًا، ودخل على خديجة وهو يقول: زملونى، فزملته وهو يرتعد كأن به الحمى. فلما ذهب عنه الروع نظر إلى زوجه نظرة المستنجد وقال: يا خديجة! ما لى؟! وحدثها بالذى رأى، وأفضى إليها بمخاوفه أن تخدعه بصيرته أو أن يكون كاهنًا، وكانت خديجة كما كانت أيام تحنثه فى الغار ومخاوفه أن تكون به جنَّة، ملك الرحمة وملاذ السلام لهذا القلب الكبير الخائف الوجل.

لم تبد له أى خوف أو ريبة بل رنت إليه بنظرة الإكبار وقالت: «أبشر يا ابن عم واثبت، فوالذى نفس خديجة بيده إنى لأرجو أن تكون نبى هذه الأمة. ووالله لا يخزيك الله أبدا؛ إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث وتحمل الكل، وتقرى الضيف وتعين على نوائب الحق.

اطمأن روع محمد وألقى على خديجة نظرة شكر ومودة، ثم أحس جسمه متعبًا فى حاجة إلى النوم فنام ليستيقظ من بعد لحياة روحية قوية غاية القوة، حياة تأخذ بالأبصار والألباب، ولكنها حياة تضحية خالصة لوجه الله والحق والإنسانية تلك رسالة ربه يبلغها ويدعو الناس إليها بالتى هى أحسن، حتى يتم الله نوره ولو كره الكافرون.



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك