فى وداع حمدى قنديل.. قطوف من سيرة الرجل الذى «عاش مرتين» - بوابة الشروق
الخميس 11 أغسطس 2022 10:43 م القاهرة القاهرة 24°

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

بعد سلسلة انتصارات الفارس الأبيض.. برأيك من بطل الدوري العام ؟

فى وداع حمدى قنديل.. قطوف من سيرة الرجل الذى «عاش مرتين»

كتب ــ إسماعيل الأشول:
نشر في: الخميس 1 نوفمبر 2018 - 8:06 م | آخر تحديث: الخميس 1 نوفمبر 2018 - 8:06 م

ــ يد القدر تضع نقطة الختام فى مسيرة الإعلامى الكبير بعد رحلة عطاء مديدة فى سماء الصحافة والإعلام
ــ راتبى بدأ بـ 14.5 جنيه.. وأقمت حفل استقبال لزواجى بالتقسيط فى فندق شبرد
ــ كنا نشاهد النيران تتصاعد من المطارات فى النكسة بينما راديو السيارة التى تقلنا يتحدث عن عشرات الطائرات التى أسقطناها
ــ صفوت الشريف أبلغنى أن مبارك «منزعج للغاية» لأنى وصفت الإسرائيليين بالسفلة فى برنامجى «رئيس التحرير»
بعد رحلة عطاء مديدة فى سماء الصحافة الإعلام، وضعت يد القدر نقطة الختام فى مسيرة الإعلامى الكبير حمدى قنديل، مساء أمس الأول الأربعاء، بإعلان وفاته عن اثنين وثمانين عاما، خاض خلال سنواتها الأخيرة صراعا قاسيا مع المرض.
اشتهر قنديل بتقديم عدد من البرامج التليفزيونية، رصد فيها الأوضاع السياسية والاجتماعية فى العالم العربى، وكان من أبرز تلك البرامج: «رئيس التحرير» على شاشة التليفزيون المصرى، و«قلم رصاص» على شاشة تليفزيون دبى.
وكانت دار «الشروق» أصدرت للإعلامى الراحل، عام 2014، مذكراته تحت عنوان: «عشت مرتين»، طاف عبر سطورها فى تفاصيل تجربته الثرية التى واكبت فترات مهمة من تاريخ مصر والأمة العربية.
فى السطور التالية، نستعرض قطوفا من سيرة قنديل من واقع مذكراته، فى محاولة متواضعة لنقول: وداعا لرجل ترك ميراثا مشهودا، ودروسا لا تنتهى فى ممارسة الإعلام بأقصى قدر ممكن من الحرية والاستنارة.
أول نشرة
فى 21 يوليو 1960، بدأ إرسال «التليفزيون العربى» ولم تمر شهور حتى طلب منى رئيس تحرير نشرات الأخبار بهى الدين نصر أن أقرأ لأول مرة نشرة أخبار التاسعة الرئيسية.
لما حاولت التملص أبلغنى أن هذه أوامر، «الدكتور حاتم قال: خلوا الجدع السورى ده يقرأ لنا النشرة الليلة دى»، وضحك. كان عبدالقادر حاتم يعرف العاملين جميعا واحدا واحدا، إذ لم يكن عددنا عندئذ فى التليفزيون كله يزيد عن 600، وكان يظن أننى سورى ربما لأن أحدا أبلغه أننى كنت أعمل بالصحافة فى سوريا قبل التحاقى بالتليفزيون.
كان من المقرر أن يقرأ أنور المشرى تلك النشرة، وكانت أوراقها بالفعل فى يده عندما أبلغوه أن يتخلى عنها لى، لم يغضب، وبرقة بالغة وحرص صادق طلب منى أن أقرأ النشرة أمامه قبل أن أقرأها على الهواء حتى يطمئن إلى إلقائى.
«أقوال الصحف»
عندما بدأت تقديم برنامج «أقوال الصحف» فى سبتمبر 1961 توقف بعد الحلقة الخامسة، قال لى رئيس تحرير نشرة الأخبار: «الوزير بيقول لك استريح شوية». كانت هذه هى الشفرة فى ذلك الحين للإعراب عن غضب السلطة، بعدها علمت أن سبب الغضب هو أننى أوردت خبرا عن الرئيس عبدالناصر فى نهاية البرنامج وليس فى بدايته.
ذهبت إلى مكتب الرئيس فى منشية البكرى، وطلبت مقابلة سامى شرف، سكرتير الرئيس للمعلومات، قلت له: «يا سامى بك، أريد أن أعرف من الرئيس شخصيا إذا كان يعترض على إذاعة خبر عنه فى نهاية برنامج»، وحكيت له الحكاية، ضحك سامى شرف وطلب منى الانتظار فى استراحة مكتبه.
بعد قليل نادانى ثانية، وقال: «الريس بيقول لك خد الجرايد وروح على الاستوديو بتاعك على طول من غير ما تكلم حد».
أول مرتب.. وحفل زواج «بالتقسيط»
ما أذكره عن تلك السنوات من حياتى فى التليفزيون أننا كنا سعداء، راضين برواتبنا المتواضعة، بدأت بـ 14.5 جنيه، وانتهت بـ 55 وكنت أتقاضى 70 جنيها بدل ملابس فى السنة، فى هذه السنوات اشتريت سيارة نصر 1300 بقسط شهرى 20 جنيها على مدى 24 شهرا، كما تزوجت من زميلتى مذيعة النشرة الفرنسية فى الإذاعة علية البرعى فى عام 1966 فى حفل استقبال فى فندق شبرد أظن أنه كان أنيقا كلفنى 240 جنيها، بالتقسيط أيضا.
جحيم النكسة
أتذكر يوم 5 يونيو 1967 بكل تفاصيله، عندما وصلنا إلى الشئون العامة للقوات المسلحة قيل لنا إننا سنذهب إلى قاعدة فايد الجوية التى سيصل إليها الفريق طاهر يحيى، رئيس وزراء العراق، ليتفقد القوة العراقية المرابطة هناك، وسيرافقه فى الزيارة حسين الشافعى نائب الرئيس.
كان معى المصوران محمد رجب وفاروق صالح، ومهندس الصوت محمد البلتاجى، وصلنا وقت الإفطار، فتناولنا إفطارنا مع الطيارين المصريين فى «ميس» الضباط، ثم قمنا بتصوير وصول الضيف العراقى، وبعدها اتجهنا إلى القوة العراقية التى كانت تقوم بتدريبات روتينية.
وفجأة، بينما نحن هناك إذا بدوى انفجار هائل تبعته انفجارات أخرى متتالية، وكانت الساعة وقتها تشير إلى التاسعة إلا الربع، أخذتنا المفاجأة فلم نتبين تماما ماذا حدث، إلا أننى بعد دقائق لمحت طائرة تحترق عن بعد على المدرج، وبعدها مباشرة لمحت طائرة إسرائيلية تمرق فوقنا فى الجو، وتتالت الانفجارات، سارعنا إلى سيارة التليفزيون، وعندما سألنا السائق: إلى أين؟ قلت: «تحرك فى أى اتجاه لكن بسرعة».
بعد أن ذهبت بنا السيارة يمينا ويسارا ونحن لا نعرف أين المفر، انتهى بنا الأمر فى نادى الطيارين على ضفاف القناة، كان هناك نحو 20 طيارا يتصايحون بهستيريا، وظل واحد منهم يخبط رأسه فى جدار حتى سال منه الدم.
فهمت من أحدهم أن معظمهم فقدوا طائراتهم قبل أن يصلوا إليها، وأن ثلاثة من زملائهم فقط استطاعوا الطيران لكنهم لا يعلمون مصيرهم.
خرجت من المكان قبل أن أصاب بالجنون، وعندما وصلت إلى السلم الأمامى إذا بسيارة جيب مكشوفة قادمة وفيها حسين الشافعى جالس إلى جوار الجندى السائق، سألنى إن كانت لدى معلومات مفصلة عما حدث فأجبته بما أعرف، قال إنه سيعود إذن إلى القاهرة، لكنه استدرك: «تفتكر ناخد أى طريق؟»، نصحت بالطريق الصحراوى.
عدنا نحن على الطريق الزراعى الذى كان يمر بثلاثة مطارات عسكرية هى أبوصوير ثم بلبيس ثم إنشاص، لعلنا نستطيع أن نجد شيئا مناسبا للتصوير، وكانت الطائرات الإسرائيلية تدوى فوق رءوسنا بين حين وآخر فنغادر السيارة ونرتمى إلى جانب الطريق، أما المطارات فكانت تتصاعد منها النيران جميعا، فى حين كان راديو السيارة ينقل لنا أخبارا عن عشرات الطائرات التى أسقطتها قواتنا.
مقص الرقيب فى «رئيس التحرير»
كانت إسرائيل هدفا دائما لطلقات برنامجه على التليفزيون المصرى «رئيس التحرير»، وفى ذلك كتب يقول: فى إحدى المرات كنت قد وصفت شيمون بيريز بالنازى، وصمم الرقيب على حذف العبارة، وكنت أعرف سلفا أننى لو شكوت لصفوت الشريف فى هذه الحالة بالذات فلن أحصل منه على شىء؛ ذلك لأنه كان قد نبهنى من قبل أن «مبارك» منزعج للغاية لأنى وصفت الإسرائيليين بالسفلة، وكنت قد خففت من تكرار هذا الوصف، لكننى لم أتوقف عنه على الرغم من ذلك.
وصل رواج البرنامج إلى الذروة عندما بدأ بثه أسبوعيا فى 2001، وقد بدا ذلك جليا فى حجم الإعلانات التى بلغت نحو 20 دقيقة فى الحلقة، وارتفع سعرها 150%.
الموت ينهى الحكاية
منذ ذلك التاريخ، وصولا إلى اندلاع ثورة يناير 2011، جرت فى النهر مياه كثيرة، وساهم الأستاذ حمدى قنديل بدور ملحوظ من مواقع شتى فى العمل العام، بين الكتابة الصحفية والتصدى لبعض المهام السياسية مثل عضوية الجمعية الوطنية للتغيير.. مسيرة أوقفها المرض، وكان ختامها انتزاع الروح لتصعد إلى بارئها تصحبها دعوات الرحمة والمغفرة، من التلامذة والمحبين.



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك