في ليلة تتجدد فيها الروح وتعلو فيها نبرة المحبة، احتشد آلاف من أبناء محافظة قنا، مساء الاثنين، قادمين من مختلف المراكز والقرى، إلى جانب زائرين من محافظات الصعيد، للاحتفال بالليلة الختامية لمولد القطب الصوفي العارف بالله عبدالرحيم القناوي، في أجواء روحانية مميزة حول مسجده الشهير بمدينة قنا، حيث امتزجت مظاهر الاحتفاء الشعبي بالطقوس الدينية التي تعكس مكانة الشيخ الجليل في وجدان أهل الجنوب.
ومنذ ساعات العصر، بدأت حركة الزائرين تتصاعد تدريجيا في محيط المسجد والساحات المحيطة به، بينما بدت المدينة وكأنها تستعيد واحدة من أبرز لياليها الدينية التي تشهدها سنويا، إذ تزينت الشوارع بالأضواء، وتعالت أصوات الابتهالات والمدائح النبوية، في مشهد يختصر تاريخا طويلا من الارتباط الروحي بين الأهالي.
في محيط مسجد عبدالرحيم القناوي، اصطفت العائلات والأفراد في حلقات متفرقة، بعضهم جاء بصحبة أبنائه، وآخرون حضروا ضمن مجموعات من الطرق الصوفية، فيما بدا واضحا أن الليلة الختامية ليست مجرد مناسبة دينية عابرة، بل موسم اجتماعي وروحي يحمل طابعا خاصا لأبناء قنا، تتلاقى فيه القلوب قبل الأقدام، وتلتقي فيه الدعوات على نبرة واحدة وهي المحبة والسلام.
ويقول عدد من الأهالي إن المشاركة في الليلة الختامية "عادة سنوية لا تنقطع"، يحرصون خلالها على الدعاء والتبرك وحضور مجالس الذكر، مؤكدين أن المولد يمثل مساحة آمنة للسكينة، ويعكس قيم التسامح والمحبة التي ترسخت عبر عقود طويلة في المجتمع القنائي، باعتباره أحد أبرز مواسم الروح التي تتجدد فيها الصلة بين الناس ودينهم وتراثهم.
ومع اقتراب موعد الأمسية الرئيسية، تحولت الساحات المجاورة لمنطقة المسجد إلى لوحة روحانية متكاملة، حيث انطلقت فقرات الذكر والإنشاد الديني والمدائح النبوية، وتفاعل معها الحاضرون بترديد الكلمات والدعاء، وسط تنظيم ملحوظ من الجهات المعنية لتسهيل حركة الزائرين وتخفيف التكدس حول المسجد والمداخل الرئيسية.
ولم يقتصر المشهد على كبار السن أو أتباع الطرق الصوفية فقط، بل شهدت الليلة مشاركة واسعة من الشباب والأسر.
وعلى هامش الأجواء الدينية، اكتسبت المنطقة المحيطة بالمسجد طابعا احتفاليا شعبيا، حيث انتشر الباعة الجائلون، وظهرت الأسواق الموسمية التي اعتاد الأهالي رؤيتها في مثل هذه المناسبات، بين ألعاب الأطفال والمشروبات الساخنة والحلوى، في صورة تجمع بين البعد الروحي والجانب الاجتماعي للمولد.
ويحمل مولد سيدي عبدالرحيم القناوي أهمية خاصة لدى أهالي قنا، باعتباره أحد أبرز الرموز الدينية والصوفية في صعيد مصر، إذ ارتبط اسمه في الوعي الشعبي بالكرامات والمحبة والسلام الداخلي، كما يمثل المسجد نقطة جذب روحي يقصدها الزائرون على مدار العام، قبل أن تبلغ ذروة المشهد في الليلة الختامية للمولد.
وبين تلاوات القرآن، ومجالس الذكر، ودموع الدعاء، ظل المشهد العام يؤكد أن قنا لا تحتفل فقط بمولد شيخ صوفي، بل تحتفل بجزء من هويتها الروحية، وبموروثها الذي يجمع الناس على كلمة واحدة وهي المحبة.
ومع اقتراب الساعات الأولى من الصباح، بدأت الجموع في الانصراف تدريجيا، بينما بقيت أصداء الابتهالات عالقة في المكان، حملت في تفاصيلها رسالة واضحة، أن الموالد الشعبية في الصعيد ليست مجرد طقس، بل حالة وجدانية تتجدد كل عام.
وتعد الليلة الختامية لمولد عبدالرحيم القناوي إحدى أبرز المناسبات الدينية في جنوب الصعيد، والتي تحظى باهتمام شعبي كبير، حيث تتحول ساحة المسجد إلى ملتقى روحي يجمع الأطياف كافة، في صورة تؤكد عمق الحضور الديني والتراثي للمكان في حياة أبناء قنا.
وُلد الشيخ عبدالرحيم بن أحمد بن حجون في بلدة ترغاي بالمغرب في القرن السادس الهجري، ونشأ في بيئة متدينة، حيث تربى في كنف أسرة عرفت بالصلاح والتقوى، فتعلم القرآن الكريم وحفظه في سن مبكرة.
ودفعه شغفه بالعلم إلى التنقل، حتى استقر في مدينة قنا بصعيد مصر، ويحتفل بمولده كل عام في الأول من شعبان، وينتهي بالليلة الختامية في منتصف الشهر ذاته.