تمر هذه الأيام ذكرى ميلاد الكاتب الكولومبي الكبير جابرييل جارسيا ماركيز، الذي وُلد في 6 مارس عام 1927، ورحل عن عالمنا في 17 أبريل عام 2014.
ماركيز ليس كاتبا عاديا، أو حتى مجرد روائي شهير، بل هو حالة لتجلي العبقرية في الكتابة؛ رجل قضى حياته كلها في الحكي، وتفنن في طرق سرد القصص.
برع ماركيز، على مدار رحلة حياته الطويلة، في نسج الحكايات بطرق مختلفة؛ فهو القادر على تشييد القصص القصيرة والروايات، وحتى سيناريوهات الأفلام، مطوعا اللغة ليؤسس عالما خاصا به.
البوم الأمريكي اللاتيني والواقعية السحرية
ينتمي ماركيز إلى جيل "البوم الأمريكي اللاتيني"، الذي بزغ نجمه في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، وهي الحركة التي ضمت جيلا من الكتاب يهتم بتجديد الكتابة الأدبية، وفي الوقت نفسه يعبر عن الثقافة والمكان اللاتيني بطريقة أو بأخرى، وكان من أبرز كتابها، إلى جانب ماركيز، ماريو بارجاس يوسا، صديق ماركيز القريب، وربما غريمه فيما بعد.
يُعد ماركيز، عند الكثيرين، الأب الأشهر للواقعية السحرية، والحقيقة أنه لم يكن مؤسسها بكل تأكيد؛ فالواقعية السحرية موجودة قبل ماركيز، وخاصةً في كتابات خورخي لويس بورخيس على سبيل المثال، لكن ربما ارتبطت الواقعية الغرائبية بماركيز لأنه أعاد تقديمها بطريقة واقعية؛ أي إنه، بشكل ما، هدم الجدار الفاصل بين الواقع والخيال ببساطة شديدة، وجعل الخيالي في قلب اليومي، في قالب غريب لكنه واضح.
عالم ماركيز
أسس ماركيز لنفسه عالما كتابيا؛ صحيح أنه يختلف في أوقات كثيرة في طرق التناول، لكنه يتقاطع مع الأفكار الرئيسية في أعماله، التي تعبر عن العزلة وخصوصية المجتمع اللاتيني، وبشكل ما كانت أعمال ماركيز مثل نافذة للقراء الذين لا يعرفون أمريكا اللاتينية ليتعرفوا أكثر على هذه الثقافة.
أثرت المحطات المختلفة في حياة ماركيز على كتابته بشكل أو بآخر، وفي قلب ذلك التأثير تظل طفولته ذات أثر كبير في مشروعه الأدبي؛ فجدته التي كانت تحكي له القصص الغريبة استلهم منها لاحقا بعض أفكار واقعيته الغرائبية، كما استلهم من جده الكولونيل، الذي شهد حرب الألف يوم، شخصية الكولونيل في روايته الثانية "ليس لدى الكولونيل من يكاتبه".
شيد ماركيز مدينته "ماكوندو" لتكون مركزا لواقعيته السحرية، التي تتمرد، بشكل ما، على اتجاه الواقعية التقليدية، وقد ظهرت في أولى رواياته "عاصفة أوراق"، وكانت محور الحدث في روايته الأشهر "مئة عام من العزلة".
كانت "مئة عام من العزلة" نقلة في اتجاه الواقعية السحرية، وبالتأكيد كانت نقلة بالغة الأهمية في مسيرة ماركيز الأدبية، وساهمت بشكل ملحوظ في شهرته العالمية، وتُقدر بعض الأرقام أنها باعت أكثر من خمسين مليون نسخة.
يمكن اعتبار "مئة عام من العزلة" إسقاطا وتفسيرا للتاريخ الكولومبي، من التأسيس وحتى العصر المعاصر، وهي، رغم احتوائها على المزيج السحري، تؤرخ أيضا وتعرض العديد من مشاهد الأمة الكولومبية.
ولو تحدثنا عن فكرة التأريخ في أعمال ماركيز فسنتحدث بالتأكيد عن روايته "الجنرال في متاهته"، التي تتناول الأيام الأخيرة في حياة الجنرال سيمون بوليفار، الزعيم الذي شارك في حركة الاستقلال لدول أمريكا الجنوبية في القرن التاسع عشر.
تكسر الرواية مفهوم التاريخ والتوثيق، وتتحول إلى قطعة أدبية مميزة تتناول الإنسان بعيدا عن فكرة القائد أو البطل التقليدي، وتحاول التعاطف مع شخص بوليفار في أيامه الأخيرة، وعرض ضعفه وشيخوخته المبكرة.
ومع الحديث عن التاريخ والسياسة تتجلى أحد أهم أعماله، وهي "خريف البطريرك"، وهي رواية سياسية تناقش فكرة الديكتاتور.
وتحاول الرواية تفكيك بنية الديكتاتوريات، وفي الوقت نفسه مناقشة نفسية الديكتاتور وإبراز وحدته ويأسه، مع الإشارة، بشكل إسقاطي، إلى بعض الديكتاتوريات في أمريكا اللاتينية.
ورغم براعة ماركيز في مزج السحر ببنية أعماله، فإنه برع أيضا في الأعمال الواقعية بمختلف أشكالها، وربما يرجع ذلك إلى ممارسته الصحافة في فترات متفرقة من حياته، وهو الذي قال إن الصحافة ربطته، بشكل ما، بالواقع؛ فنرى ذلك في روايته "قصة موت معلن"، وهي رواية جريمة أدبية تتخذ من حدث القتل نقطة انطلاق لتسائل المجتمع اللاتيني وتنقل صورته الدقيقة، وقد استلهمت هذه الرواية من حدث حقيقي عاشه ماركيز في شبابه، وأثر فيه ليرويه لاحقا بمهارة عالية.
ومع الحديث عن الاستلهام من الواقع الذي عاشه ماركيز، نعود إلى عائلته المؤثرة فيه بشدة، وهذه المرة في إحدى رواياته الشهيرة "الحب في زمن الكوليرا"، التي استلهمها ماركيز من قصة حب وزواج والديه، بالطبع مع بعض التغييرات.
مذكرات الحكاء
إن أهم ما يميز أعمال جارسيا ماركيز هو القدرة المبدعة على الحكي؛ فهو حكاء من الدرجة الأولى، يستطيع سرد الحكاية وكأنه يحكي واقعا بطريقة سحرية، ويغذي ذلك قدرته الوصفية البديعة، ولا عجب أن تكون مذكراته بعنوان "عشت لأروي".
وتتجلى قدرة ماركيز السردية في بعض افتتاحيات رواياته، مثل رواية "ليس لدى الكولونيل من يكاتبه"، التي تبدأ بمشهد شديد العادية والبساطة، لكنه كبير الأثر؛ حيث ينظف الكولونيل العجوز وعاء القهوة ليجد أنه لا يوجد سوى ملعقة صغيرة من القهوة، وهو مشهد ينبهنا منذ البداية إلى فقر الرجل وحياته الشحيحة.
أما رواية "مئة عام من العزلة" فتعد افتتاحيتها من أشهر الافتتاحيات الأدبية؛ إذ تمزج بين الحاضر والماضي والمستقبل، ونلمس فيها مشاعر البطل الذي يواجه الإعدام، لكنه يتذكر والده ورؤيته للجليد في مساء بعيد.
ومن ميزات ماركيز الكتابية أنك تحس بمشاعر أبطاله، وتلمس عالمهم وتراه؛ وصف يفيض أحيانا ويقتضب أحيانا أخرى، لكنه يجعلك تعيش هذا العالم بكل ما فيه كأنك أحد أبطاله.
تتويج نوبل
كانت جائزة نوبل في الأدب عام 1982 تتويجا منطقيا لمشروع جابو الأدبي، الذي جمع بين الخيال والواقع في عالم واقعي غني بالخيال السحري، وكانت محاضرة قبوله الجائزة بعنوان "العزلة في أمريكا اللاتينية" تعبيرا دقيقا عنه وعن المنطقة التي مثلها ماركيز دائما.
إن جابرييل جارسيا ماركيز مزيج فريد من عبقرية فذة وعمل دئوب؛ هو الصحفي في بداية حياته، والكاتب المتخبط في البداية، والشهير في المنتصف، والعظيم والأسطوري في النهاية.
بلا شك أصبح جابو الآن أسطورة كتابية، ومرجعا لأجيال لاحقت من الكتاب يحاولون تلمس كلماته والاستفادة من تجربته، وهو أيضا معشوق قراء صاروا من كل بقاع الأرض، وبكل لغات العالم.
وبعد مرور أحد عشر عاما على رحيله، يبقى ماركيز في صدارة المشهد الأدبي العالمي، وتبقى أعماله بذات المتعة وبنفس الشهرة، ولا تتوقف الكتب والدراسات عن حياته وأدبه، ويبقى جابرييل جارسيا ماركيز حاضرا ما دام الأدب يُذكر.